اخر الاخبار

على الرغم من أن ثورة الرابع عشر من تموز كانت ثورة وطنية ديمقراطية حققت إنجازات مهمة على صعيد التحرر الوطني والاجتماعي، وأسهمت في تفكيك بنية اجتماعية وسياسية متخلفة، وأطلقت إصلاحات مهمة في مجالات العدالة الاجتماعية والإصلاح الزراعي والتعليم والصحة والسكن والاستقلال الوطني، فإنها نادراً ما قُيّمت تقييماً موضوعياً، لا تغيب فيه عن عيون الرضا سلبياتها، ولا تُعمي فيه المصالح بصيرة البعض، فيعجزون عن رؤية منجزاتها.

وكي لا نستغرق في تعداد تلك المنجزات التي وثّقت في عشرات الدراسات، فإن قراءة تلك الأيام ترينا أن العوامل الذاتية والموضوعية التي ساهمت في انتصار الثورة كانت ذاتها وراء تمكين ذئاب مختلفة من غرس الأنياب في عنقها الجميل.

فكما أدى التأييد الشعبي الواسع إلى نجاح حركة (أولاد الملحة) وتحويلها لثورة شعبية، أفضى عجز قيادتها عن تلبية الطموحات الكبيرة للجماهير، بسبب انتمائها الطبقي البرجوازي، إلى تراجع القدرة على حمايتها. وكما شكّل نجاح القوى الوطنية والديمقراطية في توحيد صفوفها ضمن جبهة شعبية (جبهة الاتحاد الوطني) ركيزة لانتصار الثورة، فإن تباين رؤى مكونات هذا التحالف بشأن مسار التطور، وفشل قواه الديمقراطية الحقيقية في إدارة الصراعات داخله، أديا الى تفتت الجبهة، ويسّرا للعدو قمع تلك القوى، دون غيرها، بصورة مروعة.

ولأن قيام مؤسسات دستورية مستقرة، بديلة عن مهزلة اللعبة "الديمقراطية" في العهد الملكي وبرلمان (موافج)، كان من أبرز أهداف الثورة، فإن إطلاق الحريات العامة والخاصة، والسماح بالعمل السياسي والنقابي، والتنامي المذهل في الحراك الشعبي، لم يكن كافياً لإقناع الناس بمبررات تلكؤ حكومة 14 تموز في تحقيق هذا الهدف، ولاسيما بعد أن صدقت هواجسهم، وتحول ذلك التلكؤ إلى انفراد غير مبرر بالسلطة، وعودة إلى قمع الحلفاء قبل المختلفين.

وكما أذهل الانتصار المفاجئ في 14 تموز الطبقات الاجتماعية القديمة، وأضعف قدرتها على المواجهة، رغم كل الاحتياطات الأمنية الداخلية والخارجية، أفضى ذلك التلكؤ والانفراد لتغيرات عميقة في خندق الثورة، وساعد تلك القوى على استعادة دورها والتدخل في إعادة بناء الدولة، وإغواء الجماهير، مدعية دعم الثورة " لتصحيح" مسارها، ومسخّرة لذلك كل شيء، من شعبية "الزعيم" الى التأجيج القوماني، العربي المثقل بانقلابيته، والكردي المتطرف باغترابه، وحتى النزوع النرجسي لدى العسكر، والفتاوى الدينية التكفيرية، ومستثمرة جملة التناقضات الداخلية في القاعدة الاجتماعية للثورة.

ورغم أن اليسار، ممثلاً بالحزب الشيوعي العراقي، كان في لُحمة الثورة وسَداها، فإن تحقيق شعار (كفاح ـ تضامن)، الذي تبناه الحزب، كفاح من أجل الدفاع عن مصالح الشعب، وتضامن من أجل حماية الثورة ومنجزاتها، كان يستلزم، رغم كل الدقة في تفاصيله وتوقيته، أن يقترن بخطط واضحة، عملية وميدانية، توطد الوحدة، وتعزز اليقظة، وتستنهض المنظمات، وتمتن التحامها بالناس، وتدقق فيمن يستحق التضامن والثقة من الحلفاء، وألا يكون هناك أي تهاون في قضية الحريات والشكل الديمقراطي الذي ينظمها.

وجراء ذلك كله، تمكنت جبهة الأعداء الطبقيين من تغيير السياسات وإفراغها من مضامينها التقدمية، لتتشح بأردية إصلاحية، فأوكل تنفيذ الإصلاح الزراعي الى الإقطاعيين أو أزلامهم، وأُبعد الضباط التموزيون عن مراكز القرار العسكري، واستُبدلوا بأيتام نوري السعيد أو أتباع عفلق. كما اتّبعت سياسة برغماتية تجاه مستعمري الأمس، وجرت مساع لاسترضائهم، وفُتحت لهم أبواب الاستثمار، وزج بأبناء الثورة وحماتها في غياهب السجون.  

في ذكرى الثورة، نستعيد قراءة الدروس، لا لنستذكر وجع الماضي، بل لنعزز اليقين، ونوطد الخطى نحو غد بهيّ يرتجيه الشعب الذي أنتصر في 14 تموز 1958.