اخر الاخبار

ثلاث وعشرون سنة مرت على العراق، أصدرت وزارة التخطيط خلالها خمس خطط استراتيجية تنموية ولكنها مرت مرور الكرام دون أن تنتج لبلدنا اقتصادا متوازنا معافا بل العكس يعاني من أزمة تلحقها أخرى تاركة لنا أكثر من خمس الشعب العراقي يعاني من الفاقة والحرمان. إن التحديات التي تواجه عملية التنمية الاقتصادية ليس بالجديدة وقد تناولها الباحثون الاقتصاديون بدراسات معمقة تناولت أدوات وأساليب مواجهتها لكنها لم تجد لها تنفيذا على ارض الواقع .

  ولئن وجدت هذه التحديات تعبيرها في استمرارية التركيز على القطاع النفطي والسقوط في الفخ الهولندي والتشبث بالاقتصاد الريعي وآثاره الكارثية في خلق طبقة زبائنية فاسدة  وهدر مالي واسع النطاق، وكان من الواجب الاستفادة من الإيرادات النفطية في تنشيط القطاعات الاقتصادية المنتجة وإعادة صياغة السياسة الاقتصادية لتأخذ بعين الاعتبار إعادة هيكلة الاقتصاد بوجهة التنمية المستدامة، غير أن هذا التركيز أنتج كما هو معهود إبقاء الاقتصاد احادي الطرف والاتجاه إلى قطاع التجارة  وما يرافقها من هدر مالي كيير عن طريق الفساد المصاحب الذي وفرت بيئته نافذة البنك المركزي والتكاليف التي تسببها من خلال البضائع الرديئة، فضلا عن كونها وعاء لتسريب العملات الصعبة المتأتية بالأصل من الإيرادات النفطية في عملية تدوير خطيرة تنعكس سلبا على الاحتياطات النقدية وهذا هو التحدي الأول، أما التحدي الثاني فيجد تعبيره في فشل إدارة الاستثمار في القطاعين العام والخاص  والفشل في جذب رؤوس الأموال العراقية التي توطنت في الخارج بسبب سوء الإدارة الاقتصادية، وهذا الفشل يجد تعبيره الواضح في المشارع الاستثمارية القائمة من خلال الفجوة بين الاستثمار المخطط والاستثمار الفعلي التي تؤثر على كفاءة التنفيذ في المكان المناسب وفي الوقت المناسب مما يؤدي إلى مضاعفة التكاليف وتدهور في مستوى الخدمات العامة والبنية التحتية، اما التحدي الاخر فيتمثل في ضعف مساهمة الأنشطة السلعية في توليد الناتج المحلي الإجمالي ناهيك عن ضعف كفاءة النشاط المصرفي في القيام بدوره في عملية التنمية الاقتصادية وتفعيل دور الاستثمار في النشاط الاقتصادي في قطاعات الإنتاج.

صحيح أن السياسة تعبير مكثف عن الاقتصاد كما ورد في الأدبيات الماركسية لكن في العراق أصبح لها القدر المعلى، فالصراع على السلطة بين الكتل السياسية النافذة على المستويين الحكومي والتشريعي بات مضيعة للوقت على حساب الاهتمام الجدي بالتنمية الاقتصادية المستدامة ويتجلى بوضوح من خلال الموازنات السنوية وتوزيع الوزارات بين هذه الكتل، ومع كل هذه التحديات يحتل ضعف النشاط المؤسسي مكانا بارزا في ضعف عملية التخطيط ومتابعة التنفيذ ومراقبة الانحرافات في مسارات العملية التنموية. إن التشخيص السليم لهذه التحديات واستخلاص أسبابها يكون نصف العلاج ويبقى النصف الاخر مرهونا بإصلاح الخلل واعتقد ان هذا الإصلاح يتوقف على دعامتين أساسيتين نوجزها بالاتي:

الأولى دعامات سياسية تتمثل بما يلي:

إعادة النظر بشكل النظام السياسي القائم على التوافقية السياسية غير الدستورية التي كان وراء معظم الأزمات بما فيها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية وإعادة النظر بمنظومة التشريعات الانتخابية وتوظيف مخرجات التعداد السكاني وتوفير البيانات التي تتطلبها عملية إصلاح العملية الانتخابية فضلا عن النظام السياسي نفسه.

الثانية – دعامات اقتصادية وتتلخص بما يلي :

1.    إعادة التوازن في الاقتصاد من خلال الاهتمام الجاد بتطوير قطاعات الإنتاج السلعي وتطبيق التشريعات المتعلقة بحماية الإنتاج المحلي ودعم الاستهلاك ومنع الاحتكار ومراجعة التعرفة الكمركية بما يعزز الدعم المالي ويخفف من الأزمة المالية الناتجة الظروف الجيو سياسية التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط  وسوء الإدارة المالية التي تفسح في المجال لانتشار الفساد وهدر المال العام، بالإضافة إلى دعم القطاع الخاص وتنظيم عملية الشراكة بين القطاعين العام والخاص ليكون شريكا استراتيجيا للقطاع العام وتأهيل الشركات الصناعية التابعة للقطاع العام والتخلص من فوبيا القطاع الحكومي التي تروج لها سرديات الليبرالية الجديدة المتوحشة ودعاتها في الداخل وانعاش البيئة الاستثمارية من خلال التشريعات القانونية عبر اعتماد النافذة الواحدة  وإدخال الحوكمة في هذا القطاع .