لم تعد حركات الاحتجاج، التي تشرق على مدننا كل صباح، فعالياتٍ معزولة، لأنها باتت مرآة لصحوة الضحايا ولاختيارهم مواجهة الخراب، غير آبهين بفقدان الفتات الذي يرميه لهم الفاسدون، ولا بالقمع الجسدي الذي تمارسه ضدهم السلطات، ولا بتغييب الوعي الذي تتولاه مؤسساتها الأيديولوجية، ولا بالاضطهاد النفسي الناجم عن تفاقم الاستقطابات الطائفية والقومية التي ما فتأت توهم الناس بأن القناعة بالظلم كنز لا يُفنى، وأن الخروج على الطاغوت خيانة للانتماءات الفرعية.
وصار نمو الحراك أيضاً دليلاً على أمرين هامين، أولهما رفض الناس للسياسات النيوليبرالية التي تتبناها الأوليغارشية الحاكمة، المحمية بتبعيتها للهيمنة الإقليمية والدولية، وذلك من أجل السيطرة على الثروة، والتحكم في الصراع الطبقي، وتخريب القطاعات الإنتاجية، وتحرير سوق العمل، وتفتيت التنظيم الجماعي للشغيلة. وثانيهما تزايد أعداد العراقيين الذين باتوا يدركون أن لا تعارض بين الكفاح ضد الخراب والإنتماء إلى الهويات الفرعية، وأن تناغم هذه الهويات مع الهوية الوطنية الجامعة يمكن أن يكون عاملاً محفزّاً للثورة ضد الطغيان والفساد.
وإذا كان تواصل الحراك ونموه يتطلبان، بدرجة اساسية، تفعيل دور القوى السياسية المعّبرة عن الطبقات والفئات الاجتماعية صاحبة المصلحة فيه، فإن دور النقابات العمالية والمهنية يكتسب هنا أهمية استثنائية، ليس بوصفها مدافعاً عن حقوق منتسبيها فحسب، بل وأيضاً بأعتبارها طرفاً فاعلاً في النضال الاجتماعي والسياسي، ومقاوماً للسلطوية والاستبداد والتفاوت الطبقي، ومدافعاً عن العدالة الاجتماعية. فبالتنظيم النقابي للاحتجاجات يمكن تحقيق أقصى قدر من الضغط على السلطة، وقطع الطريق على محاولاتها شق صفوف المحتجين، أو خلق تعارض بين مجموعة وأخرى، أو شراء البعض بأمتيازات أقل كلفة لضمان استمرار غبن الأكثرية. كما يوفر هذا التنظيم أعلى درجات التضامن بين مجموعات المحتجين، وينسق بينهم في موجات المد والجزر، والتقدم والتراجع.
ولعل من أبرز اشتراطات نجاح النقابات في أداء هذا الدور نشوؤها خارج المنظومة المهيمنة، ونأيها عن التنظيمات التي تعاون الأوليغارشية على تخريب العمل النقابي وتدجين مؤسساته وإفراغها من مضمونها ودورها الحقيقي، وأن تنبثق قياداتها من صفوف ناشطيها في ساحات الإحتجاج، ممن يُشهد لهم بنزاهة اليد وعفة الضمير، وممن يرفض المساومة على الحقوق أو المساهمة في نشر أوهام الوفاق مع المستغلين.
كما تواجه هذه النقابات، تحديات تتعلق بالمحافظة على مهنيتها واستقلاليتها، وترسيخ الديمقراطية في صفوفها، وقدرتها على تحويل التشتت الفردي إلى قوة جماعية قادرة على الدفاع عن شروط عادلة للعمل ومستلزمات الحياة الكريمة، ومقاومة علاقات القوة التي تنتجها الأوليغارشية.
وبات من المهم جداً أن تتمكن هذه النقابات من التكيف مع الواقع الذي تنشط فيه، وتطوير سبل التعبئة في سوق عمل ترتفع فيه أعداد العاملين غير الرسميين والعاملين لحسابهم الخاص، وتغيير هذه الأساليب بمرونة، للمحافظة على مبرر وجودها بوصفها ممثلاً لجميع المشتغلين في ميدان عملها.
ولا تقتصر هذه الأفكار على النقابات العمالية فقط، بل تمتد إلى النقابات المهنية، كالمعلمين والأطباء والمهندسين والمحامين والاقتصاديين وغيرهم، التي عليها توسيع نشاطها من الدفاع عن حقوق منتسبيها إلى العمل على تحويلهم لقوة منظمة قادرة على حماية مصالحهم، والمساهمة في الدفاع عن الحريات والتحول نحو الديمقراطية، والتأثير الايجابي في سياسات التنمية، والتوزيع العادل للثروة، وتوفير فرص العمل والحماية الاجتماعية.
إن عدد أعضاء النقابات المهنية والعمالية في بلادنا يتجاوز مليوني مواطن، ويمكن لهذا العدد أن يتحول إلى قوة عابرة للتقسيم المكوناتي، قوة لا تُقهر من أجل التغيير الشامل، ومدرسة للمواطنة الفاعلة، وأداة لانتزاع الدولة من مخالب الغانمين.ش