لم يعد الحديث عن الأزمات الخدمية في العراق مقتصرا على الكهرباء أو السكن أو البطالة أو الغلاء وحسب، بل يمتد بهدوءٍ مثقل إلى النقل العام، الذي يكاد يكون غائباً عن الأوليات الحكومية، رغم حضوره اليومي القاسي في حياة الملايين. فغياب منظومة نقل عام حديثة ومنظمة، ذات مسارات واضحة في عموم البلاد، حوّل التنقل اليومي عبئاً اجتماعياً ونفسياً، فضلاً عن تأثيره الاقتصادي على كاهل المواطن، لا سيما من فئات الموظفين والطلبة والعاملين ممن يحتاجون إلى التنقل يومياً.
وتواجه خدمة النقل العام في العراق تحديات كبيرة منذ 2003 وما قبلها بسنوات، نتيجة غياب منظومة حديثة متكاملة، الأمر الذي أدى إلى الاعتماد على وسائل غير منظمة وبالتالي إلى زيادة الاختناقات المرورية، فضلا عن التبعات الاقتصادية. وبينما تسعى وزارة النقل حالياً إلى تفعيل النقل العام عبر إعادة فتح خطوط حافلات نقل داخل الجامعات والمطارات وبعض المناطق في مركز بغداد، مع إطلاق مشاريع في هذا الإطار مثل التاكسي الناقل بالدفع الإلكتروني، يرى متابعون أن هذه الإجراءات ليست مجدية في ظل عدم توفر منظومة نقل عام متكاملة تشمل جميع المحافظات.
وعلى مدار أكثر من عقدين، تُرك العراقيون عملياً رهناً لوسائل نقل غير منظمة، تعتمد في معظمها على القطاع الخاص، من سيارات الأجرة الفردية إلى الحافلات الصغيرة والكبيرة، من دون تسعيرة مستقرة أو رقابة حقيقية، ما أدى إلى تضخم كلف النقل الداخلي بشكل مستمر انعكس مباشرة على مستوى المعيشة.
وكان النقل العام قبل 2003 يشكل ركيزة أساسية في حياة المواطنين. فقد كانت باصات النقل الحكومية منتشرة في المدن، تعمل وفق مسارات معروفة، وبأسعار بسيطة ومدعومة، مع خصوصية واضحة للطلبة والموظفين وكبار السن. أما اليوم، فلا يلمس العراقيون أي محاولة جادة لاستعادة تلك التجربة أو تطويرها بما ينسجم مع متطلبات العصر، سواء عبر حافلات حديثة، أم شبكات نقل سريعة، أم حتى تنظيم فعلي للنقل داخل المدن.
خطط غائبة وتبريرات مستهلكة
وزارة النقل والجهات المعنية غالباً ما تبرر عدم تفعيل هذا الملف بـ"ضعف التمويل" أو "الأولويات المتراكمة". وهي تبريرات يصفها اختصاصيون بأنها "غير مقنعة"، خاصة في ظل موازنات انفجارية شهدها العراق في السنوات الماضية.
ويشير خبراء في التخطيط والنقل إلى أن إنشاء منظومة نقل عام لا يتطلب بالضرورة مشاريع عملاقة في مرحلتها الأولى، بل يمكن البدء بخطوات تدريجية لتنظيم المسارات ودعم الحافلات الكبيرة، وفرض تسعيرة عادلة، وربط النقل بالتخطيط العمراني.
آثار اجتماعية واقتصادية وبيئية
لا تتوقف آثار غياب النقل العام على الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية وبيئية خطيرة. فالاعتماد شبه الكامل على السيارات الخاصة وسيارات الأجرة ساهم في تفاقم الاختناقات المرورية في الشوارع، والتي باتت تستهلك ساعات طويلة من أوقات المواطنين، وتزيد معدلات التلوث، وترفع نسب الحوادث.
وفي هذا الصدد، يقول المواطن علي الطائي، وهو موظف حكومي من أهالي بغداد، أن "هذا الواقع أدى إلى تهميش فئات اجتماعية كاملة، مثل الطلبة والموظفين في مناطق الأطراف، وكبار السن، وذوي الإعاقة، الذين يجدون صعوبة حقيقية في التنقل اليومي، ما ينعكس على فرص التعليم والعمل والاندماج الاجتماعي". فيما يقول الطالب أدهم رحيم، وهو من بغداد أيضا، أن "غياب النقل العام المنظم يفرض أعباء مالية متزايدة علينا، وأحيانا يؤثر سلبا على انتظامنا في الدراسة".
ويضيف في حديث صحفي قائلا: "نضطر إلى الاعتماد على سيارات الأجرة أو خطوط الباصات الصغيرة (الكيات)، وهو ما يكلّفنا مبالغ يومية ليست بالقليلة. وفي كثير من الأحيان، إذا لم أتمكن من اللحاق بخطوط النقل، أجد نفسي مضطرا لاستئجار سيارة تاكسي، ما يضاعف الكلفة"، مشيرا إلى ان "هذا الأمر يتكرر باستمرار، في ظل غياب وسائل نقل منتظمة بمواعيد ثابتة، ما يجعل الطالب تحت ضغط مالي يومي قد يؤثر حتى على التزامه بالحضور".
من جانبه، يرى المواطن عبد العال رسول، أن "غياب منظومة نقل عام فعّالة ينعكس بشكل مباشر على الوضع الاقتصادي للمواطنين، لا سيما العمال والموظفون والطلبة"، مبينا في حديث صحفي أن "الاعتماد اليومي على النقل الخاص يستنزف جزءا مهما من دخل الفرد، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، ما يزيد من الضغوط المالية على شريحة واسعة من المجتمع".
وبينما يلفت رسول إلى أن "تفعيل النقل العام بات ضرورة ملحة"، ينوّه إلى أنه "في حال تفعيله، لا ينبغي أن يقتصر على توفير الخدمة وحسب، بل يجب أن يترافق مع خطط مدروسة تراعي الآثار الاجتماعية، ومنها توفير بدائل وفرص عمل لسائقي النقل الخاص، حتى لا يتحول الإصلاح إلى ضرر على فئة أخرى".
غياب الرؤية الحكومية
ويرى ناشطون في الشأن الخدمي أن "مشكلة النقل العام ليست تقنية بقدر ما هي أزمة إرادة ورؤية".
وفي هذا الشأن يوضح الناشط مقداد الكرخي، أن "غياب استراتيجية وطنية للنقل تربط بين المحافظات والمدن والأحياء، يعكس ضعف التخطيط طويل الأمد، وترك الملف بيد السوق غير المنظمة".
ويشير إلى أن "تجارب محلية وعالمية عديدة كان يمكن للعراق الاستفادة منها، سواء في دول نامية واجهت ظروفاً مشابهة، أم حتى من تجاربه السابقة، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن".
حلول ممكنة
يشير اختصاصيون في خدمات النقل إلى أن معالجة أزمة النقل العام تبدأ بإقراره كـ "خدمة اجتماعية" وليس مشروعا ربحيا وحسب.
ويقول عضو هيئة النقل العام المرتبطة بوزارة النقل، ماجد الربيعي، أن "هناك جملة حلول ومعالجات ممكنة فيما لو توفرت الإرادة، منها إطلاق شبكة حافلات حكومية بأسعار مدعومة، واعتماد بطاقات اشتراك شهرية مخفضة للموظفين والطلبة، وتنظيم عمل النقل الأهلي بدل تركه دون رقابة".
ويضيف في حديث صحفي قائلا: "نحتاج أيضاً إلى ربط النقل العام بخطط تقليل الاختناقات المرورية، والحد من التلوث، وإشراك القطاع الخاص ضمن ضوابط واضحة وعقود شفافة"، مؤكداً أنه "مع هذه الحلول العاجلة ستكون هناك نتائج إيجابية سريعة ملموسة".