اخر الاخبار

تتصاعد التحذيرات من تحوّل البطالة بين الشباب في العراق إلى ما يشبه "قنبلة اجتماعية موقوتة"، في ظل محدودية فرص العمل وتزايد أعداد الخريجين سنوياً، ما يدفع المئات من هؤلاء إلى الخروج في تظاهرات للمطالبة بالتعيين وتوفير وظائف تتناسب مع اختصاصاتهم.

ويرى مراقبون أن استمرار البطالة وغياب المعالجات الاقتصادية الجذرية قد يقودان إلى اضطرابات اجتماعية، لا سيما أن فئة الشباب تمثل الشريحة الأكبر في المجتمع العراقي.

في حين، تشير تقارير اقتصادية إلى أن السوق يواجه تحديات هيكلية تحدّ من قدرته على استيعاب الداخلين الجدد، الأمر الذي يعمّق الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، ويضع ملف التشغيل في صدارة الأولويات الوطنية.

وتشهد بغداد وعدد من المحافظات، منذ سنوات، خروج مئات الشباب الخريجين في تظاهرات سلمية للمطالبة بتوفير فرص عمل وتعيين على ملاك الدولة بعد سنوات من البطالة وتدني فرص التوظيف في القطاعين العام والخاص. وفي المقابل تواجه السلطات ذلك الصوت الاحتجاجي، بالقمع أحيانا، وبالتخدير عبر وعود شكلية بلا تحقيق، أحيانا أخرى – حسب مراقبين. 

صوت من ساحة الاحتجاج

تنقل وكالة أنباء "شفق نيوز" عن شاب متظاهر تخرج في الجامعة منذ نحو سبع سنوات، قوله أن بقاءه طوال هذه المدة دون وظيفة ثابتة جعله يشعر أن سنوات الدراسة لم تُترجم إلى فرصة حقيقية في سوق العمل، مبيناً أن البطالة الطويلة أثرت على دخله واستقراره، وأجبرت العديد من أقرانه على العمل في وظائف مؤقتة أو بأجور منخفضة لا تتناسب مع اختصاصاتهم.

ويضيف الشاب الذي حجبت وكالة الأنباء اسمه، قائلا أن المشكلة لا تقتصر على التعيين الحكومي، بل تمتد إلى ضعف فرص التشغيل في القطاع الخاص وغياب الضمانات الكافية، مؤكداً أن استمرار هذا الواقع يُبقي شريحة واسعة من الشباب خارج دائرة الإنتاج، بما يحمله ذلك من انعكاسات اقتصادية واجتماعية على البلاد.

أما تحسين عواد، وهو خريج جامعة يُشارك باستمرار في تظاهرات تُطالب بالتعيين، فيقول أن "الوعود الحكومية بشأن توفير فرص العمل تتكرر في كل مناسبة، لكنها تبقى من دون سقف زمني واضح أو آليات تنفيذ جدية"، مضيفا في حديث صحفي أن "آلاف الخريجين ينتظرون منذ سنوات، فيما تستمر الجامعات في ضخ أعداد جديدة إلى سوق عمل يعاني أصلا محدودية الفرص".

ويرى أن الأزمة الاقتصادية الحالية تزيد المخاوف من تقلص فرص التعيين في القطاع العام، لافتاً إلى أن "الحديث عن ضغط مالي وعجز في التمويل قد يُستخدم مبرراً لتأجيل الاستحقاقات، في وقت تتسع فيه دائرة البطالة بين الشباب عاماً بعد آخر".

وتشير تقديرات تتحدث عنها وكالات أنباء، إلى أن هناك 250 ألف خريج سنوياً في الجامعات والمعاهد الحكومية، ما عدا الكليات الأهلية. فيما يؤكد النائب مضر الكروي في تصريح صحفي، أن عدد الخريجين يبلغ مليون شخص في كل عام، بمن فيهم الذين يدرسون خارج البلاد.

الأرقام الرسمية

من جانبه، يقول المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، أن نسبة البطالة في العراق، وفق آخر مسح نُفذ مطلع العام 2025، بلغت 13 في المائة، مسجلة انخفاضاً عن 16 في المائة التي كانت مسجلة العام 2022.

ويوضح في حديث صحفي، أن البطالة ترتفع بين فئة الشباب لتصل إلى نحو 20 في المائة، لافتاً إلى أن هذه الفئة تواجه تحديات كبيرة في سوق العمل، ما يستدعي تكثيف برامج التدريب والتأهيل والتشغيل المباشر.

ويشير الهنداوي إلى أن نسبة السكان النشطين اقتصادياً تبلغ 60.4 في المائة، وفق نتائج التعداد السكاني، مؤكداً أن "الوزارة تعمل على وضع خطط لتعزيز فرص العمل وتحفيز الاستثمارات بما يساهم في دعم تشغيل الشباب وتحقيق نمو اقتصادي مستدام".

في المقابل، يرى المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، أن "معدلات البطالة في العراق، رغم انخفاضها من نحو 17 إلى أقل من 14 في المائة، ما زالت تمثل تحدياً هيكلياً يتطلب معالجة عميقة تتجاوز الحلول الآنية".

ويتابع في حديث صحفي قائلا أن "معالجة البطالة لا يمكن أن تقتصر على التوظيف المؤقت أو التوسع في التعيينات الحكومية، بل تحتاج إلى مشروع إصلاحي طويل الأمد لإعادة بناء هيكل الاقتصاد الوطني على أسس إنتاجية، وتنشيط القطاعات غير النفطية، وتعزيز دور القطاع الخاص في توليد فرص العمل".

ويوضح صالح أن "الحل المستدام يمر عبر تنويع مصادر الدخل الوطني، وتطوير الصناعات التحويلية، وإحياء القطاع الزراعي، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، إلى جانب مكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة الرشيدة لضمان كفاءة تخصيص الموارد وجذب الاستثمارات".

ويشير إلى أن "الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط، رغم مساهمة القطاع النفطي بنحو 50 في المائة من الناتج المحلي وقرابة 90 في المائة من إيرادات الموازنة، لا يستوعب سوى نسبة محدودة من القوى العاملة، ما أدى إلى تضخم الجهاز الحكومي وخلق فجوة واضحة بين العرض والطلب في سوق العمل"، مبيناً أن "نجاح سياسات الحد من البطالة مرهون بجدية تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والتحول نحو اقتصاد متنوع يقوده الإنتاج والاستثمار".

بين التهميش والتمكين

في  السياق، يعتقد الخبير الاقتصادي هلال الطعان، أن "الشباب في العراق يمثلون سلاحا ذا حدّين. فإمّا أن يكونوا عبئاً ومصدراً للخطر في حال إهمالهم، أو قوة تنموية هائلة إذا أُحسن استثمار طاقاتهم"، مضيفاً قوله أن مستقبل البلاد مرتبط بقدرة الدولة والمجتمع على تمكين هذه الفئة الحيوية.

ويوضح في حديث صحفي أن "العراق يمتلك طاقة بشرية شابة قادرة على تشكيل ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن تهميشها قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة، منها تفاقم البطالة، واستغلال الجماعات المتطرفة، وانتشار الفقر، فضلاً عن اضطرابات اجتماعية وأمنية وهجرة كفاءات".

ويشدد الطعان على ضرورة تبنّي حزمة سياسات تشمل دعم القطاع الخاص، وتوفير بيئة ملائمة لنمو المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع ريادة الأعمال، وإنشاء مراكز تدريب وتأهيل مهني، وإصلاح النظام التعليمي بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد الحديث، إضافة إلى تقديم قروض ميسّرة للشباب، وتقليل الاعتماد على التوظيف الحكومي بوصفه الخيار الوحيد أمام الخريجين.

مستقبل مُقلق!

إلى ذلك، يقول الخبير الاقتصادي والمالي محمد الحسني، أن الجهاز الحكومي يعاني تضخم في أعداد الموظفين مقارنة بالحاجة الفعلية، الأمر الذي يحدّ من قدرته على استيعاب دفعات جديدة من الخريجين.

يتابع في حديث صحفي قائلا أن "القطاع الخاص في المقابل يواجه صعوبات متزايدة بسبب تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع التكاليف التشغيلية، ما دفع العديد من الشركات إلى تجميد التوظيف أو تقليص العمالة"، مبيّنا أن "الخريج بمجرد تخرّجه يجد نفسه أمام سوق عمل محدود الفرص. حيث لم يعد التوظيف الحكومي خياراً كما في السابق، بينما يعاني القطاع الخاص حالة كساد أثرت في قدرته على التوسع وخلق وظائف جديدة".

ويلفت الحسني إلى أن "استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، مع ما يحمله ذلك من آثار اجتماعية واقتصادية سلبية"، داعياً إلى "مراجعة السياسات الاقتصادية، وتحفيز القطاع الخاص، وفتح مجالات استثمار جديدة قادرة على استيعاب الطاقات الشابة".

ويشدد على "أهمية مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وتشجيع ريادة الأعمال، وتقديم حوافز حقيقية للشركات لتشغيل الخريجين الجدد"، معتبراً أن "الشباب هم وقود التنمية ومحرك المستقبل الاقتصادي".