يتواصل الدوام الرسمي للمدارس في معظم محافظات العراق، حتى تلك الواقعة في مناطق قريبة من المقار الأمنية والعسكرية والمواقع الحسّاسة التي قد تتعرض لهجمات وضربات جوية، الأمر الذي يصعد المخاوف الأمنية بشأن سلامة التلاميذ الطلبة.
ولم تصدر وزارة التربية في الحكومة الاتحادية أي توجيه بشأن آلية عمل المدارس الواقعة قرب تلك المواقع، ما زاد حالة الارتباك لدى إدارات المدارس وأولياء الأمور على حد سواء. في حين أعلنت سلطات إقليم كردستان تعطيل الدوام في المدارس والجامعات لمدة أسبوعين، مع تأكيدها أن القرار قابل للتمديد تبعاً للتطورات الأمنية.
ووفقا لبيان صادر عن حكومة الإقليم أول أمس الجمعة، فإنه "تقرر تعطيل الدوام في جميع المؤسسات التعليمية التابعة لوزارة التربية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي في حكومة إقليم كردستان، الحكومية وغير الحكومية والأهلية والدولية"، مضيفا أن "تعطيل الدوام يبدأ اعتبارًا من يوم الأحد الموافق 8/3/2026 ولغاية يوم الاثنين الموافق 23/3/2026".
ولم يقتصر تعطيل الدوام المدرسي على إقليم كردستان، فهناك محافظات اتخذت هذا القرار بناء على صلاحيات إدارية محلية، منها صلاح الدين. حيث أعلنت حكومتها الاثنين الماضي تعطيل الدوام حتى هذا اليوم الأحد، حرصا على سلامة التلاميذ والطلبة.
وفي كربلاء، أعلن المحافظ أول أمس الجمعة تعطيل دوام المدارس لهذا اليوم الأحد ويوم غد الاثنين، مشيرا في بيان صحفي صادر عن مكتبه الإعلامي، إلى انه "سيتم التداول مع وزارة التربية ومدير عام التربية بشأن الدوام للأيام المقبلة". كذلك أعلن محافظ نينوى تعطيل الدوام الرسمي ليوم الخميس الماضي في عموم مدارس المحافظة، ومثله أعلن محافظو ديالى وبابل والبصرة.
تغيّب عن الدوام
في مناطق من بغداد والأنبار وبابل والمثنى وديالى والبصرة وكركوك، باتت مشاهد الغياب الكثيف للطلبة أمراً واقعاً خلال اليومين الأخيرين - ووفقاً للمعلم حسن اللامي، وهو مدير مدرسة تقع قرب مقر لفصيل مسلح في أطراف بغداد.
إذ يذكر في حديث صحفي أن "نسبة حضور الطلبة تراجعت إلى أقل من 30 في المائة. أولياء الأمور يتصلون يومياً لإبلاغنا بعدم قدرتهم على ارسال أبنائهم خوفاً من أي طارئ".
ويضيف اللامي قائلا: "رفعنا مع إدارات مدارس أخرى في مناطق مشابهة مقترحات إلى وزارة التربية تتضمن تعليق الدوام مؤقتاً، أو اعتماد التعليم عن بعد لفترة محددة، لكن الوزارة لم ترد على مقترحاتنا حتى الآن"، مشيرا إلى ان "إدارات المدارس تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، ولا يمكن تجاهل القلق الشعبي والمخاطر الأمنية".
مخاوف في ديالى
تتضاعف المخاوف في محافظة ديالى التي ترتبط بحدود مباشرة مع إيران، وتضم عدداً كبيراً من المعسكرات والمواقع التابعة لقوات مسلحة، ما دفع أولياء أمور إلى مناشدة المحافظ تعطيل الدوام الرسمي للطلبة.
وجاء في المناشدة التي نشرتها وكالات أنباء: "نظراً للظروف الأمنية التي تمر بها دول الجوار، وما تشهده المنطقة من توترات، وباعتبار أن محافظة ديالى تُعد من المناطق القريبة جغرافياً من مواقع ومعسكرات قد تتأثر بأي تطورات طارئة، نطالب بالنظر بجدية إلى موضوع تعطيل الدوام الرسمي للطلبة، أو على الأقل تعطيل المدارس الواقعة في المناطق القريبة من المعسكرات والمواقع الحساسة".
من جانبه، يقول مهدي الزيدي، وهو أحد أولياء الأمور في قضاء الخالص في ديالى، أن أبناءه الثلاثة لم يلتحقوا بالدوام المدرسي منذ يومين. ويوضح في حديث صحفي أن "القرار ليس سهلاً، إذ نخشى على مستقبل أبنائنا الدراسي، لكن الخشية على حياتهم أكبر. قصف مواقع قريبة من المدارس كافٍ لإثارة الخوف على أمن أبنائنا".
إدارات المدارس في موقف معقّد
تلتزم وزارة التربية الصمت حيال دعوات تعطيل الدراسة أو التحول إلى التعليم الإلكتروني، مكتفية بمتابعة الوضع الأمني. وقد أدى غياب القرار الرسمي إلى ترك إدارات المدارس في موقف معقد بين الالتزام بالتقويم الدراسي من جهة، والاستجابة لمخاوف الأهالي من جهة أخرى.
يقول عضو نقابة المعلمين العراقيين مازن الزاملي، أن "المدرسين أنفسهم يشعرون بالقلق، خاصة في مدارس المناطق التي تعرضت إلى قصف، والنقابة ترى أن هناك ضرورة ملحة لإصدار توجيه عادل تتحمل فيه وزارة التربية المسؤولية بتحديد آلية التعامل، وأن يبنى القرار على الحفاظ على سلامة الطلاب والكوادر التعليمية".
ويضيف في حديث صحفي قائلا ان "ترك القرار للاجتهاد الشخصي لإدارة كل مدرسة أو لأولياء الأمور سيؤدي إلى فوضى في العملية التعليمية، وتفاوت كبير في نسب الحضور والتحصيل العلمي".
بين حق التعليم
وضمان سلامة الطلبة
يرى اختصاصيون في الشأن التعليمي، أن الموازنة بين حق التعليم وضمان سلامة التلاميذ والطلبة نقطة أساسية في الظرف الحالي.
ويقول المشرف التربوي عدنان الحمداني، أن "هذه الموازنة تمثل حالياً معادلة معقدة في الظروف الاستثنائية. فتعطيل الدوام لفترات قد تطول ينعكس سلباً على المستوى التعليمي، ويؤثر على الاستعداد للامتحانات النهائية، بينما الإصرار على استمرار الدوام في المناطق المعرّضة للخطر، قد يجعل الطلبة في مواجهة مخاطر محتملة".
ويشدد في حديث صحفي على "أهمية اعتماد حلول وسط، مثل اعتماد نظام تعليمي إلكتروني، وهذا حالياً الحل الأمثل لتجاوز الأزمة"، مشددا أيضا على "ضرورة أن تتحمل وزارة التربية مسؤولية اتخاذ القرار المناسب، وأن تتحمل إدارات المدارس مسؤولية التكيف مع الواقع الأمني غير المستقر".
ولم يكن الواقع التعليمي في العراق بمعزل عن الأزمات خلال السنوات الماضية، سواء الأمنية أم الصحية، أم أزمات التهجير وغيرها، الأمر الذي يفترض أن يعكس خبرة لدى المؤسسات التعليمية، ويفرض توفير معالجات عاجلة للأزمات ذات التأثير المباشر على هذا القطاع المهم. هذا، وقرر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، امس السبت، منح وزيري التربية والتعليم العالي صلاحية تعليق الدوام والتحول إلى التعليم الإلكتروني، وفق المستجدات الأمنية، فيما حث الطلبة على الالتزام بالدوام الرسمي بشكل طبيعي في الوقت الحاضر.