يتحرك ناشطون في العراق من أجل تقنين ظاهرة قطع الأشجار واستخدام أحطابها في شواء السمك، المعروف محلياً بـ"المسكوف"، خصوصاً مع زيادة أعداد المحال المتخصصة في تقديم هذه الوجبة الغذائية.
يأتي ذلك بعد أن بلغ الأمر حدّ قطع أشجار الحمضيات والزيتون وغيرها من الأشجار المثمرة، فضلا عن أشجار الفستق والجوز في كردستان، من قبل شركات تابعة لجهات نافذة. حيث تبيع أحطاب الأشجار على المطاعم وصانعي الفحم.
ويصنّف الناشطون وبعض منظمات المجتمع المدني المعنية بالبيئة، ما يحصل حاليا من مجازر بحق الأشجار، لا سيّما النادرة" المستخدمة في صناعة الفحم وإعداد المسكوف، بـ"الجريمة". وبحسبهم، فإنّ "بعض مطاعم مدينة الموصل، هي الأكثر اعتماداً على أشجار الزيتون والفستق. إذ تمنح سمك المسكوف نكهة خاصة"!
وللتذكير، شهدت بغداد خلال السنوات الماضية قطعاً واسعاً للأشجار، لا سيما القديمة والمعمّرة، في سياق تنفيذ مشاريع خدمية مختلفة، ما فاقم من تراجع المساحات الخضراء في المدينة. هذا إلى جانب عمليات تجريف يقوم بها مواطنون وجهات استثمارية لإنشاء مشاريع سكنية وتجارية بهدف الربح، وسط أزمة مناخية متصاعدة وتصحّر جارف يُهدد التوازن البيئي في البلاد، ما يزيد من هشاشة الغطاء النباتي ويؤثر سلباً على جودة الهواء والحياة اليومية للمواطنين.
إبادة مليون شجرة في عامين!
بحسب "مرصد العراق الأخضر"، وهو مرصد بيئي غير حكومي، فإنّ "البلاد خسرت مليون شجرة في غضون عامين فقط، بسبب مجموعة عوامل، منها القطع المتعمّد لأشجار الحمضيات المفضلة في شواء السمك المسكوف"، مشيرا في بيان صحفي سابق إلى أن "العملية تحصل عبر قطع المياه عن بعض البساتين، تمهيداً لقطع الأشجار وبيعها لمحال شواء الأسماك".
ويلفت المرصد في بيانه إلى أن "تلك الحوادث تكررت في محافظتَي نينوى وواسط إلى جانب محافظة ديالى التي شهدت أكثر تلك الحالات، نظراً لوجود أشجار الحمضيات التي تضيف نكهة إلى الأسماك المشوية"، موضحاً أن "أزمة الجفاف التي تعانيها غالبية المحافظات، تُعدّ أحد عوامل خسارة مليون شجرة. إذ أدّى الجفاف إلى يباس تلك الأشجار وتكسرها، ومن ثم موتها بعد إصابتها بالأمراض والحشرات، مثل حشرة الأرضة الضارّة (النمل الأبيض)، وهذا ما حصل في المحافظات الجنوبية".
المشاريع الخدمية أتت على أشجار معمّرة
ووفقا للمرصد، فإن "المشاريع الخدمية استهلكت العديد من الأشجار، غالبيتها كانت معمّرة، لا سيّما في بغداد. وزُرعت أشجارا صغيرة بدلاً منها في أماكن أخرى، لكن من دون جدوى، لأنها تحتاج إلى عمليات ريّ واهتمام وانتظار لسنوات من أجل نموّها وأداء وظائفها، كي تكون شجرة ظليّة أو مصدّاً للرياح والغبار والرمل".
وأكد أن "من أسباب خسارة مليون شجرة أيضاً، افتعال البعض حرائق في البساتين لإفراغ المساحة تماماً من الأشجار، وتهيئتها للبيع لأغراض البناء والسكن، كما حصل أخيراً في أحد بساتين منطقة الدورة جنوبي بغداد".
غضب شعبي
خلال الأيام الماضية، أثار مقطع مصوّر نشره أحد مطاعم السمك المسكوف في الموصل غضباً شعبياً، بعد أن أظهر استخدام أخشاب مأخوذة من أشجار زيتون، قيل إنها تُضيف نكهةً مميزة لطعم السمك.
ووصف ناشطون المسألة بـ"التجاوز الخطير" الذي طاول مئات الأشجار في منطقة الفاضلية بناحية بعشيقة شرقي الموصل، وهي منطقة تضم عشرات الآلاف من أشجار الزيتون المعمّرة.
عقب ذلك، وجّهت دائرة بيئة نينوى تحذيراً إلى أصحاب مزارع الزيتون، ومنعتهم من قطع الأشجار، باعتبارها ثروة وطنية. إلا أن الناشط البيئي يعقوب حسن من مدينة الموصل، يؤكد في حديث صحفي أن "بعض المطاعم المعروفة ببيع السمك المسكوف، سواء في الموصل أم في بقية المحافظات، هي الأكثر إضراراً بالبيئة، خصوصاً أنها لا تعتمد على الفحم الجاهز، بل على الشجر بوصفه المادة الخام للفحم".
ويرى حسن أن "بعض باعة الأشجار يستغلون مناطق أطراف المدن لتجريف البساتين"، مشيراً إلى أن "بعض أشجار الزيتون يتجاوز عمره 100 عام، بالإضافة إلى أشجار الفستق النادرة، وأغلبها راح ضحية القطع الجائر، من دون أي انتباه حكومي"، موضحا أن "المطاعم التي تعدّ سمك المسكوف تطلب أشجار الزيتون والفستق، لأنها تمنح هذا الطبق الشهير رائحة ونكهة لذيذة، من دون الاكتراث لتداعيات ذلك على البيئة". وسبق أن أصدرت قائم مقامية أربيل تحذيراً إلى أصحاب المطاعم من استخدام الحطب المأخوذ من الأشجار في شواء السمك. وجاء في التحذير الرسمي أنّ القائم مقامية "أبلغت مديريات البلدية ضمن الحدود الإدارية لمحافظة أربيل بأن تلك المطاعم التي تستخدم الحطب في شواء السمك لا يمكن لها بأي شكل من الأشكال استخدام هذه المادة مرة أخرى"، موضحةً أن "هدفها الحفاظ على صحة المواطنين وعلى البيئة والغابات التي تُعدّ ثروة وطنية".
كارثة بيئية
من جهته، يرى عضو "مرصد العراق الأخضر" عمر عبد اللطيف، أن "السمك المسكوف تحوّل إلى كارثة بيئية في العراق، وأنّ بساتين كثيرة جُرّفت وتحولت إلى أراضٍ قاحلة بسبب بيع الأشجار لأصحاب مطاعم المسكوف"، مبيّنا في حديث صحفي أن "نحو 50 في المائة من أشجار الحمضيات في محافظة ديالى راحت ضحية القطع الجائر والتجريف من أجل بيع الأشجار لمطاعم المسكوف. لذلك، لا بدّ من وضع حد لهذه المشكلة، وابتكار طرق جديدة للتعامل مع طبق المسكوف وطريقة إعداده".
في السياق، يُحذر الخبير في مجال البيئة سعد عبيد من "أن استمرار قطع الأشجار لإتمام مشاريع خدمية وسكنية دون تعويض مناسب، يعرّض المدن لمخاطر بيئية جسيمة، بما في ذلك تراجع التنوع النباتي، زيادة الغبار والتلوث، وفقدان المناطق الظليّة التي تعد حماية طبيعية من الحرارة الشديدة في الصيف"، مشددا في حديث صحفي على أهمية وضع خطط للزراعة التعويضية، فضلا عن تفعيل المساءلة القانونية لكل من يتجاوز على الأشجار دون دراسة بيئية مسبقة.
أما المواطن أحمد عبد الله من بغداد، فيقول أن "الكثير من الأشجار التي كانت تزين شوارعنا ومتنزهاتنا القديمة قطعت تحت ذرائع المشاريع والخدمات، حتى أصبحت بغداد اليوم مجرد كتلة من الكونكريت، بلا ظل ولا هواء نقي. كل مشروع أو توسعة يزيل شجرة، يجعلنا نشعر بأننا نفقد جزءا من تاريخنا وحياتنا اليومية".