اخر الاخبار

تشهد الساحة العراقية تصاعداً لافتاً في وتيرة الاحتجاجات الشعبية، مع اتساع رقعتها الجغرافية وتنوع الشرائح المشاركة فيها، من خريجي المهن الطبية إلى الفلاحين والعمال والخريجين وغيرهم. هذه التحركات، التي تتمحور حول قضايا أساسية مثل فرص العمل، السكن، دعم القطاعات الإنتاجية، وتحسين الخدمات، تعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن، في ظل استمرار السياسات التقليدية وعجز المؤسسات عن تقديم حلول جذرية.

وفي خضم هذا الحراك، يبرز حضور الشيوعيين كقوة سياسية واجتماعية داعمة، حيث شاركوا بفاعلية، في تظاهرات الفلاحين وذوي المهن الطبية وأعلنوا مساندتهم الصريحة لمطالب المحتجين، مؤكدين أن هذه المطالب تمثل جوهر معركة العدالة الاجتماعية في البلاد. فيما يحذر مراقبون من احتمالية تحول هذه الاحتجاجات الفئوية إلى موجة وطنية واسعة، خاصة مع تزايد الاحتقان الشعبي وتكرار مشاهد القمع، مقابل ما يُوصف بإدارة الأزمات بعقلية ترقيعية من قبل القوى المتنفذة.

ويرى مراقبون احتمالية اندلاع احتجاجات حاشدة وطنية واسعة، ارتباطاً بمستوى أداء القوى المتنفذة المشاركة في السلطة، وليس الحكومة التنفيذية فقط، وحذروا من أن "التصريحات الشعبوية أو الاستهداف السياسي الضيق قد تسهم في تعميق الاحتقان الشعبي".

العامل الاقتصادي المحرك الأبرز للانتفاضات

يقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور عصام الفيلي، إن "الشارع محتقن لدرجة أن أي تصريح سياسي قد يكون عاملاً محفزاً لاضطراب الشارع وتصاعد الاحتجاجات"، مؤكداً أن "مسألة تحرك الشارع العراقي لا يمكن التنبؤ بها بشكل حاسم، إلا أن تراكم الأزمات الاقتصادية، واستمرار الضغوط المعيشية، واتساع رقعة الاحتجاجات الفئوية اليومية، قد يفضي في لحظة معينة إلى انفجار جماهيري واسع، يتجاوز المطالب القطاعية باتجاه مطالب وطنية شاملة، على غرار ما شهدته البلاد سابقاً".

ويضيف أن "العامل الاقتصادي ظل تاريخياً المحرك الأبرز لمعظم الثورات والانتفاضات العالمية، بما فيها احتجاجات تشرين، التي انطلقت من مطالب معيشية، قبل أن تتطور إلى دعوات لإصلاح النظام السياسي"، محذرا من أن "استمرار نظام المحاصصة، القائم على تغليب الولاءات السياسية على الكفاءة، يمثل تهديداً حقيقياً لبنية النظام السياسي نفسه، لأن تقديم الثقة الحزبية على الخبرة العلمية والإدارية يُنتج مؤسسات ضعيفة وعاجزة عن الاستجابة لتحديات الدولة والمجتمع".

ويرى الفيلي أن "أي حراك جماهيري مستقبلي، مهما بلغت قوته الشعبية، سيبقى بحاجة إلى قيادة تنظيمية واضحة وقوى سياسية وطنية أو اجتماعية قادرة على توجيهه، لأن غياب التنظيم كان أحد أبرز التحديات التي واجهت الاحتجاجات السابقة".

وفي ما يتعلق بازدواجية مواقف القوى السياسية المشاركة في السلطة، يلفت الفيلي إلى أن "إدانة الاعتداءات على المحتجين من قبل قوى مشاركة فعلياً في السلطة تكشف عن أزمة عميقة في بنية المسؤولية السياسية داخل العراق، إذ غالباً ما تتحول الإدانة إلى محاولة لتبرئة الذات والتنصل من المسؤولية".

ويؤكد أنّ غياب النظام المؤسساتي الفاعل يعني عملياً غياب المساءلة، ما يتيح للقوى السياسية التنصل من مسؤولياتها المباشرة عن الأزمات.

السلطة تدير الأزمات بعقلية ترقيعية

ويؤكد داوود سلمان، محلل سياسي، أن "تصاعد الاحتجاجات اليومية في ظل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، وتدهور الواقع الخدمي، واستمرار الضغوط الاجتماعية، لم يعد يمثل مجرد حراك مطلبي عابر، ويعكس حالة احتقان شعبي عميقة قد تنفجر في أي لحظة على شكل هبة جماهيرية متجاوزة المطالب الفئوية إلى مساءلة النظام السياسي القائم نفسه".

ويقول سلمان لـ"طريق الشعب"، أن "خطورة المشهد لا تكمن فقط في تعدد الأزمات، وانما في إصرار السلطة على إدارة البلاد بعقلية الترقيع السياسي، من دون تقديم حلول بنيوية حقيقية تعالج أساس المشكلة المتمثل في نظام المحاصصة".

ويرى أن تراكم هذه الأزمات، من البطالة والفقر إلى غياب العدالة الاجتماعية، قد يدفع باتجاه انفجار شعبي أكبر من كل الموجات الاحتجاجية السابقة، خصوصاً إذا استمرت القوى الحاكمة في تجاهل الرسائل المتكررة التي يبعثها الشارع عبر الاحتجاجات.

ويضيف أن تكرار الاعتداء على المحتجين يكشف بوضوح طبيعة العلاقة المختلة بين السلطة والمواطن، إذ باتت المطالب المشروعة تُواجَه في كثير من الأحيان بالقمع أو الاحتواء الأمني، بدلاً من الاستجابة الجادة والتطمين وحسن التعامل.

لا للتدريب الوطني

ونظم عدد كبير من خريجي المهن الطبية والصحية دفعات ٢٠٢٣-٢٠٢٤-٢٠٢٥ بمشاركة من محافظات عديدة بضمنها العاصمة بغداد، صباح امس، تظاهرة كبيرة أمام مبنى وزارة الصحة في بغداد، وشارك فيها عدد من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي، بحضور الرفيقتين بشرى أبو العيس ودينا الطائي من قيادة الحزب.

ولوح المتظاهرون بتصعيد احتجاجاتهم وتنظيم اعتصام مفتوح امام مقر الوزارة، في حال عدم الاستجابة الى مطالبهم المتعلقة في إلغاء البرنامج التدريبي الذي فُرض عليهم، واعتماد التعيين المركزي لخريجي الكليات والمعاهد الطبية والصحية، وفقاً للقانون.

ونصّ برنامج التدريب الوطني على اجراء تعاقدات مع ذوي المهن الطبية والصيادلة والأطباء، بأجور زهيدة لضمان سد العجز بالكوادر الطبية، وهو ما يتعارض مع قانون التدرج الطبي رقم (6) لعام 2000 وكذلك قانون العمل، وفقاً لعدد من المتظاهرين.

ورفع المحتجون لافتات طالبوا فيها الحكومة ووزارة الصحة، بالاستجابة لمطالبهم والإسراع في إطلاق درجاتهم الوظيفية.

وأشار عدد من المحتجين إلى أن استمرار تأخير التعيينات تسبب بزيادة معاناة الخريجين وارتفاع نسب البطالة بين الكوادر الطبية، رغم حاجة المؤسسات الصحية إلى ملاكات متخصصة.

وبعد انتهاء التظاهرة، قال أحد ممثلي المتظاهرين الذين قابلوا الوزير لـ"طريق الشعب"، ان الحسناوي رفض مطالبهم، ووعدهم بمبلغ 50 الف شهرياً، مقابل التعاقد معهم، وذكر انه سيخرج من الوزارة قريباً!.

الأمن يقمع الفلاحين

وشهدت العاصمة بغداد، الاحد، تظاهرة حاشدة لعدد كبير من الفلاحين والمزارعين، للمطالبة بحماية القطاع الزراعي ودعم المنتج المحلي، وسط تحذيرات من تراجع الإنتاج بسبب ارتفاع التكاليف وتلف الأراضي الزراعية.

وشارك في التظاهرة عدد من الشيوعيين الفلاحين القادمين من مختلف المحافظات، بحضور عدد من كوادر الحزب وقياداته.

وقال مراسل "طريق الشعب"، الذي قام بتغطية التظاهرة: ان "قوات الأمن اعتدت على المتظاهرين السلميين بالماء الحار واستخدام الصعق الكهربائي لتفريقهم"، ما أثار حالة من الغضب بين المحتجين، الذين أكدوا استمرارهم بالمطالبة بحقوقهم.

وقد طالت أعمال العنف الأمني الفريق الإعلامي لـ"طريق الشعب".

ونقل مراسلنا عن عدد من المتظاهرين مطالبهم بدعم القطاع الزراعي لما يمثله من خطوة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، داعين الجهات المعنية إلى الاستجابة لمطالبهم بشكل سريع.

ورفع المتظاهرون لافتات طالبوا فيها الحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الفلاحين، مؤكدين أن الإهمال وشح المياه وارتفاع أسعار المستلزمات الزراعية أثقلت كاهل الفلاحين خلال المواسم الأخيرة.

كما دعا المحتجون إلى "إعادة تسعيرة محصول الحنطة إلى 850 ألف دينار للطن"، معتبرين أن التسعيرة الحالية لا تتناسب مع حجم المصاريف والخسائر التي يتحملها المزارعون، فضلاً عن ضرورة عدم منع الفلاحين من تسويق حبوبهم واستلامها بشكل انسيابي دون قيود أو تأخير.

وطالب الفلاحون أيضاً بـ"تقديم دعم حكومي مباشر للزراعة وتقليل أسعار الأسمدة الزراعية"، مؤكدين أن ارتفاع سعر السماد أثر بشكل كبير على قدرتهم في الاستمرار بالإنتاج.

إدانات واسعة واستجابة للمطالب!

وبعد هذه الحادثة، اصدرت قيادات متنفذة وأحزاب مشاركة في السلطة، مواقف ادانة للقمع الذي قوبلت به هذه التظاهرة، معلنة مساندتها لمطالبها، وهو ما اثار استغراب الفلاحين والمراقبين، الذين اكدوا ان هذه القوى جزء من السلطة التي لم تلبِ المطالب.

ودان الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية التعاونية في العراق، الاعتداءات التي تعرض لها الفلاحون، وطالب الجهات الحكومية بتقديم اعتذار رسمي للفلاحين والمزارعين عمّا جرى وفتح تحقيق عاجل وشفاف لمحاسبة المسؤولين عن هذه التجاوزات، لضمان حماية حقوق الفلاحين المشروعة والاستجابة لها.

واعتبر الاتحاد هذا الاعتداء "تجاوزاً على كرامة شريحة تمثل أساس الأمن الغذائي في البلاد". وشدد على ان "الفلاح العراقي كان ولا يزال سند العراق وسلّة غذائه، ولا يستحق أن يُقابل بهذه الأساليب، بل يستحق الدعم والإنصاف والاستماع إلى مطالبه المشروعة".

ووجه رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته بمتابعة مطالبات الفلاحين والتحقيق في الاعتداء عليهم. كما وجه باستلام طلباتهم، وهو ما قوبل بسيل من النقد على صفحته الشخصية في فيس بوك، بسبب التعامل غير المهني معهم من قبل القوات الأمنية. كذلك عدم تنفيذ الوعود السابقة التي قطعتها الحكومة للفلاحين.

وقرر المجلس الوزاري للاقتصاد، يوم امس، الاستجابة لمطالب المتظاهرين الفلاحين وتسريع صرف مستحقات الفلاحين، فضلاً عن إجراءات للسيطرة على أسعار المواد الغذائية وتعزيز إيرادات الخزينة.

كما قرر المجلس رفع الحظر عن استيراد بيض المائدة، وتكليف اللجنة الخاصة بالموضوع بتقديم توصيات بهذا الشأن خلال فترة محددة!

أربع تظاهرات في البصرة

وشهدت محافظة البصرة خلال اليومين الماضيين، اربع تظاهرات طالبت بتوفير العمل ورفض القرارات الحكومية وتوفير السكن المناسب.

وشهدت بوابة شركة مصافي الجنوب، يوم امس، تظاهرة لليوم الثاني على التوالي، نظمها عدد من العاملين السابقين في مشروع FCC النفطي، واغلقوا بواباتها امام الموظفين، للمطالبة بالتعيين على ملاك وزارة النفط.

وقال أحمد شاكر، أحد المشاركين في التظاهرة: عددنا يقارب 350 عاملاً. عملنا لسنوات طويلة في مشروع FCC قبل تشغيله، لكن جرى الاستغناء عنا دون أية ضمانات أو حقوق واضحة.

ولفت إلى ان "الجهات المسؤولة اعتمدت على المحسوبية في التعيينات الأخيرة، حيث شملت أقارب وأصدقاء بعض المسؤولين، وهو ما أضاع فرصة العمل امامنا، رغم احتجاجنا المستمر منذ ما يزيد على سنة ونصف".

وركزت مطالب المتظاهرين على التعيين بصورة عادلة، وتثبيت جميع العاملين السابقين على وزارة النفط.

واكد متظاهرون أن "احتجاجاهم سوف يستمر حتى تتحقق المطالب وانهاء سياسة التهميش"، فيما شهدت مداخل حقل الرميلة الشمالية غربي البصرة، تظاهرات نظمها عدد من المهندسين والعلوميين، للمطالبة بتوفير فرص عمل والتعيين.

واغلق المحتجون الطرق المؤدية الى الحقل، ومنعوا الموظفين من دخول الحقل، وتعطيل خروج العاملين المناوبين. وهذا ما أدى الى تكدس مركبات الموظفين، وسط انتشار أمني.

وشارك عدد من سائقي الشاحنات، في مسيرة احتجاجية، انطلقت من امام تمثال الشاعر بدر شاكر السياب إلى دائرة الكمارك الجنوبية، احتجاجا على قرار سابق لمجلس الوزراء، يقضي بفرض رسوم جديدة على السيارات الداخلة عبر ميناء أم قصر.

واكد المتظاهرون أن "الحكومة حصلت في وقت سابق على جميع الرسوم والضرائب المترتبة على تلك المركبات"، لافتا الى ان "اعادة فرض الرسوم يشكل عبئاً إضافياً على السائقين خاصة أنهم يعتمدون على دخل يومي لتأمين لقمة العيش".

فيما نظم عدد من منتسبي محطات إنتاج الطاقة الكهربائية في الجنوب، تظاهرة للمطالبة بحقوقهم المشروعة في تخصيص قطع الأراضي.

واكد المتظاهرون، خلال التظاهرة في مقر الشركة، أن "مطالبهم تستند إلى أطر قانونية وتأتي في سياق تحقيق مبدأ العدالة والمساواة مع أقرانهم في شركات القطاع الأخرى"، مشددين على أهمية الإسراع في حسم هذا الملف الذي يمس الاستقرار المعيشي لعوائلهم.

المثنى والديوانية وبابل

وطالب أهالي قرى جنوب السماوة من الحكومة المحلية بالإسراع في تنفيذ مشروع الماء، مؤكدين أن "معاناتهم مع شح المياه مستمرة رغم الوعود المتكررة، وبقاء المشروع دون تنفيذ فعلي".

وذكر بيان مشترك للأهالي أن "تنظيم الوقفة الاحتجاجية جاء للمطالبة بالخدمات الأساسية"، محذرين من تصعيد محتمل في حال استمرار الإهمال مع التأكيد على سلمية التحركات وأنها تهدف لنيل الحقوق المشروعة".

وفي الديوانية، نظم موظفو وعمال بلدية عفك، وقفة احتجاجية للمطالبة بتخصيص قطع أراضي لهم بعد سنوات من التهميش والإهمال.

وطالب المتظاهرون الحكومة المحلية ومجلس المحافظة وبلديات الديوانية بتخصيص قطع أراضي سكنية لهم أسوة بباقي الشرائح.

وفي محافظة بابل، تظاهر العشرات من خريجي الكليات التربوية والمساندة أمام مبنى مديرية تربية بابل للمطالبة بتوفير فرصة للتعيين وإطلاق العقود.

وهدّد المشاركون في التظاهرة بتنظيم اعتصام مفتوح وقطع الطرق في حالة لم تتم الاستجابة لمطالبهم.

تحركات مدنية سلمية

وفي إقليم كردستان، لوّح أطباء غير معيّنين، امس، بالبدء بتحركات مدنية سلمية، احتجاجاً على ما وصفوه بتجاهل مطالبهم، بعد انتهاء المهلة التي منحوها للحكومة من دون رد.

وقال داستان بشارات ممثل الأطباء، إن "الجهات المعنية لم تقدم أي استجابة خلال المهلة المحددة بعشرة أيام رغم مطالبات الخريجين بخطة واضحة للتعيينات"، مشيرا الى انه "مضت اكثر من عشرة أشهر على تخرجهم، من دون إحراز تقدم في ملف التعيين، ما دفعهم إلى اتخاذ قرار بالتحرك المدني حتى الوصول إلى حل جذري".

وأشار إلى ان "هذا التحرك هو حق قانوني، ويهدف إلى حماية نظام التدرج الطبي في الإقليم"، وحذر من أن أي خلل في هذا المسار سينعكس سلباً على المؤسسات الصحية، ويؤثر على المواطنين.