مع اندلاع شرارة الحرب الإقليمية الحالية، سارعت المواطنة أم عامر إلى شراء خمسة أكياس من الطحين وأكياس أخرى من الرز، فضلا عن قناني زيت ومواد غذائية أساسية متعددة، وخزنها في غرفة المعيشة داخل المنزل.
وتبرر المواطنة هذا السلوك، بتفادي أزمات الغذاء التي قد تنعكس عن تداعيات الحرب، مستذكرة أزمات من هذا النوع مرت على البلاد خلال حروب سابقة.
تقول أم عامر في حديث صحفي، أنه "مع بدء الحرب وإغلاق مضيق هرمز وصعوبة وصول المواد الغذائية بين الدول، قمنا بتخزين كميات كبيرة من المواد الغذائية القابلة للحفظ فترة طويلة، تحسباً لأي أزمة غذاء قد تواجهنا"، مضيفة القول: "لم تحصل أزمة حتى الآن، لكن الطحين بدأ يتلف ومثله الرز"!
ويهرع المواطنون خلال الأزمات الطارئة إلى شراء المؤن والسلع التي قد تشح في السوق، خشية تعطل سلاسل الإمداد أو ارتفاع الأسعار أو صعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية في الأيام اللاحقة. وتزداد هذه الظاهرة كلما تصاعدت التوترات الأمنية أو السياسية في المنطقة. إذ يسعى كثيرون إلى تأمين مخزون احتياطي من المواد الغذائية ومياه الشرب والأدوية، فضلا عن الوقود ومشتقاته في بعض الأحيان.
ومع اندلاع الحرب الإقليمية واتساع رقعة المخاوف من تداعياتها الاقتصادية، شهدت الأسواق المحلية عادة زيادة في الطلب على السلع الأساسية، مدفوعة بمخاوف المستهلكين أكثر من وجود نقص فعلي في المعروض.
ويؤكد اختصاصيون أن هذه السلوكيات، رغم كونها مفهومة من الناحية النفسية، قد تؤدي أحيانا إلى خلق اختناقات مؤقتة في الأسواق ورفع مستويات الطلب بصورة تفوق الحاجة الحقيقية.
كما تلعب الشائعات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي دورا في تعزيز حالة القلق لدى المواطنين، خاصة تلك المتعلقة باحتمال انقطاع الوقود أو تراجع كميات المواد الغذائية المستوردة، ما يدفع بعض العائلات إلى تخزين كميات كبيرة من السلع تفوق احتياجاتها الفعلية. ويرى الاختصاصيون أن هذه الممارسات قد تساهم في إرباك الأسواق وإثارة موجات شراء جماعي، حتى في ظل تأكيد الجهات الرسمية استمرار تدفق السلع وتوفر الخزين الاستراتيجي.
فيما يرى آخرون أن هذه العادة لا ترتبط فقط بالمخاوف الآنية من تطورات الأحداث، بل تعود أيضاً إلى تراكم تجارب سابقة رسخت لدى المواطنين شعورا بعدم اليقين بقدرة المؤسسات على إدارة الأزمات وتوفير الاحتياجات الأساسية في الظروف الاستثنائية.
ويشير هؤلاء إلى أن ذاكرة العراقيين لا تزال تحتفظ بمحطات عديدة شهدت اضطرابات أمنية أو اقتصادية رافقها نقص في بعض السلع أو صعوبات في الحصول على الوقود والخدمات، ما جعل اللجوء إلى التخزين سلوكا احترازيا متكررا عند كل أزمة جديدة، معتقدين أن سنوات الحروب والأزمات الأمنية المتعاقبة ساهمت في ترسيخ ثقافة الاستعداد للأسوأ لدى شريحة واسعة من المجتمع.
تخزين البنزين
في آخر أزمة بنزين شهدتها بغداد والمحافظات، قام المواطن علي صالح الساعدي، ومثله كثيرون، بتعبئة البنزين في "جلكانات" عديدة وخزنها في المنزل، بعد أن ملأ سيارته وسيارة والديه وإخوته، خوفا من استمرار الأزمة.
يقول الساعدي في حديث صحفي: "اشتريت من السوق السوداء الكثير من عبوات البنزين، وقمت بملء كل سيارة في المنزل دون أدنى اكتراث للتصريحات الحكومية التي كانت تشير إلى أن هذه الأزمة مفتعلة وأنها في طريقها إلى الحل".
ويعزو سبب خوفه وخوف المواطنين من الأزمات بأنه يعود إلى "عدم وجود إدارة ناجحة تضمن توفر السلع والبضائع عند اشتداد الأزمات"، مؤكداً أن "أصحاب المحال التجارية يرفعون أسعار بضائعهم بشكل خيالي مع وجود أي بوادر لأزمة ما من خلال احتكار المواد، وهو ما يدفع الناس إلى الادخار".
عادة مجتمعية
من جانبه، يقول الطالب الجامعي وليد مهدي، أن "نسبة كبيرة جدا من المواطنين تميل إلى استباق الأزمات بإدخار المواد تحسبا لأي وضع طارئ قد تفرزه ظروف معينة"، مشيرا في حديث صحفي إلى انه "منذ سنين طويلة اعتاد المواطنون على شراء المواد الغذائية خلال الحروب أو الأزمات التي تعصف بالبلاد أو بالدول المجاورة".
ويبيّن مهدي أن "الناس قد يكونون على حق في ذلك بسبب عدم وجود تخطيط متقن للأمن الغذائي ومتابعة جادة لحركة الأسواق، خاصة بالنسبة للمواد الغذائية الضرورية"، لافتا إلى أن "أزمة البنزين التي شهدتها البلاد أخيرا، مع كونها طارئة، خلقت مشكلات عديدة وأضرت بأصحاب سيارات الأجرة، فيما ارتفع سعر البنزين في السوق السوداء ولم تتدخل الجهات المعنية".
لكنه يرى أن "الأمور قد تنقلب إلى الضد في حال المبالغة في الادخار"، موضحا أن "شراء المواد بكميات تزيد كثيرا على الحاجة سيشكل ضغطا على السوق ويسبب نقصا في تلك المواد، وهو ما يؤدي إلى زيادة أسعارها وحرمان مواطنين آخرين من الحصول عليها".
تجارب سابقة أم عدم ثقة؟
يتساءل كثيرون عن السبب الذي يدفع الناس إلى سلوك التخزين خلال الأزمات: هل يتمثل في تراكم تجارب سابقة مع الأزمات؟ أم في عدم ثقة في قدرة الجهات الحكومية على التعامل مع تلك الأزمات؟ أم أن الأمر متعلق بطابع اجتماعي راسخ توارثه المواطنون جراء الجوع والقمع والفقر الذي عاشوه خلال حقب مختلفة؟
تقول الباحثة في علم النفس مناهل الصالح أن "الخوف من الأزمات عامل نفسي يظهر في لحظة الأزمة. حيث يتعامل الدماغ معها ويعدّها تهديدا للبقاء، فيقوم بتشغيل جرس الإنذار المبكر".
وتضيف في حديث صحفي قولها أن "الإنسان في وقت الأزمات لا يشعر فقط بأن شيئا سيئا يحدث، بل يشعر بأن سيطرته على الحياة برمتها اهتزت، أو أنه يكاد يفقدها، وهو ما يدفعه إلى التهافت على تفادي الخطر".
وتنوّه إلى أن "العراقيين ليسوا استثناء من بقية شعوب العالم في محاولة تأمين احتياجاتهم ودرء خطر الأزمات، وهو أمر يقع في صميم اهتمامات أغلب الناس، لكن الفارق بين العراقيين وغيرهم في هذا المجال يقوم على عدد من المسببات، أولها قدرة الحكومة على توفير الأمن الغذائي من خلال الاحتياطي الفائض الذي يضمن تجاوز الأزمة، وعدم وجود محددات تلزم المواطنين بشراء كميات تسد حاجتهم وتسمح للآخرين بالحصول على كميات مماثلة".
وتضيف مناهل قولها أن "هناك أزمات حادة شهدها العالم خلال الحربين العالميتين وما بعدهما، بيد أن الخطط الرصينة التي تضعها الحكومات تكون غالبا كافية لتجاوز الأزمات خلال مدة قصيرة"، مستدركة "لكن الأمر في العراق يبدو معكوسا. إذ لا يوجد تنظيم أو خطط واضحة. كما أن البلاد تعاني أزمات متتالية سواء في السيولة المالية أم السلع الغذائية أم الوقود أم غير ذلك".
تهديد معيشي
إلى ذلك، يرى الباحث في علم الاجتماع كريم الأزرقي، أن "شراء المواد وتخزينها خلال الأزمات، لا يرتبط بالحاجة الفعلية لها بقدر ما هو ردة فعل إزاء التهديد المعيشي الذي قد يتعرض له المواطن".
ويشير في حديث صحفي إلى ان "اندفاع المواطنين نحو تخزين المواد الغذائية كالطحين والرز خلال الأزمات، لا يرتبط بالحاجة الفعلية فقط، بل يعكس استجابة نفسية للخوف وعدم اليقين"، مبيّنا أن "الشعور بتهديد الأمن المعيشي يدفع الأفراد إلى البحث عن وسائل تمنحهم الإحساس بالسيطرة، ويأتي تخزين الطعام في مقدمة هذه الوسائل باعتباره أبرز رموز الأمن والاستقرار خلال الأزمات".
ويضيف قائلا أن "هذه الظاهرة تعد استجابة نفسية طبيعية لحالة القلق الجماعي. فحين يشعر الناس بأي تهديد محتمل لمصادر الغذاء، يتجهون إلى شراء كميات تفوق حاجتهم الفعلية بهدف استعادة الشعور بالأمان والسيطرة على الظروف المحيطة".