اخر الاخبار

تشهد تجارة المياه المُعبّأة انتعاشا كبيرا في الأسواق العراقية. إذ لم يعد الاعتماد على هذه المياه في الشرب، مقتصراً على السفر أو الأماكن العامة، إنما تحول إلى سلوك يومي لدى ملايين المواطنين، بعد تراجع الثقة في جودة ماء الإسالة.

ومع ضعف كفاءة الكثير من محطات المعالجة وتقادم شبكات النقل والتوزيع، باتت قناني المياه الصغيرة والكبيرة، فضلا عن محطات التصفية الأهلية (آر أو)، المصدر الرئيس لمياه الشرب، رغم ما تمثله من كلفة إضافية تثقل كاهل الأسر، إلى جانب ما تحمله من مخاطر صحية في حال عدم الالتزام بالشروط المطلوبة في الإنتاج والتخزين.

ويؤكد اختصاصيون أن توفير مياه شرب مأمونة عبر شبكات الإسالة يعد من أبسط الخدمات الأساسية التي يفترض أن تضمنها الدولة، إلا أن استمرار الاعتماد الواسع على المياه المعبأة يعكس - حسب رأيهم - وجود فجوة في منظومة تجهيز المياه الصالحة للشرب، دفعت المواطنين إلى البحث عن بدائل يرونها أكثر أمانا، حتى وإن كانت أكثر كلفة.

لكن هذا البديل لا يخلو من تحديات ومخاوف صحية. إذ لا تتوقف سلامة المياه على عملية التنقية وحدها، إنما تمتد إلى مراحل التعبئة والنقل والخزن والعرض. إذ يؤكد مراقبون واختصاصيون في المجال الصحي، أن عبوات المياه يجري نقلها، غالبا، في شاحنات مكشوفة، ويتم خزنها في أماكن غير مستوفية للشروط الصحية المطلوبة. فيما يقوم معظم أصحاب المحال التجارية بعرض العبوات تحت الشمس، ما يُحمّلها أضرارا صحية بسبب تفاعل الحرارة مع البلاستيك. 

وبينما يُحذّر الاختصاصيون من تعريض القناني البلاستيكية لأشعة الشمس ودرجات الحرارة المرتفعة، تبرز تساؤلات أخرى بشأن مدى التزام بعض معامل إنتاج المياه ومحطات التصفية الأهلية بإجراءات الصيانة الدورية، لا سيما من ناحية تبديل الفلاتر وإجراء الفحوصات المختبرية المنتظمة.

ويؤكد مواطنون قيام كثيرين من أصحاب المحال التجارية بعرض عبوات المياه، فضلا عن عبوات العصائر والمشروبات الغازية، في الهواء الطلق تحت أشعة الشمس، في ظاهرة عامة بات من الصعب على الجهات المعنية السيطرة عليها. 

تخزين سيئ

المواطن أحمد هشام، يقول في حديث صحفي أن "عملية شراء المياه المعبّأة تتطلب تحريا ومتابعة دقيقة للحصول على مُنتج مخزّن بطريقة نظامية"، مبيّنا أنه "أكثر من مرة أحسست بطعم غير مستساغ في ماء مُعبأ، وأعتقد أن السبب هو سوء التخزين".

ويضيف قوله أنه "لو كان سوء التخزين حالة فردية لقدمت شكوى بهذا الأمر، لكنه أصبح ظاهرة عامة تقريبا. فعلى الرغم من وجود قانون للصحة العامة وجهات رقابية، إلا أن المحال التجارية لا تزال تخزن المياه على الأرصفة تحت أشعة الشمس، ما يعني عدم الالتزام بالتعليمات الصحية، فيما لا تشكل العقوبات أو الغرامات رادعاً لهؤلاء".

اما المواطنة حسناء مزهر، فتقول: "نحن نشتري المياه المعبأة من المحل المجاور لمنزلنا"، مشيرة في حديث صحفي إلى أن "صاحب المحل يترك كميات كبيرة من قناني المياه البلاستيكية منذ الصباح حتى الليل تحت أشعة الشمس، وفي درجات حرارة مرتفعة جدا".

وتتابع قولها: "أصبت أكثر من مرة بأمراض معوية. كما تعرّضت شقيقتي إلى حالة مماثلة. ونعتقد أن السبب هو المياه المُعبأة، وهذا ما رجّحه الطبيب أيضا"، مبيّنة أن "الأمر لا يقتصر على المياه وحسب، بل حتى علب العصائر التي يشتريها أطفالنا تتعرض للحرارة لفترات طويلة، وهو ما ينعكس سلبا على صحتهم".

وتلفت حسناء إلى انه من أجل حصولها على مياه نقية صحية، تضطر إلى قطع مسافات طويلة بحثا عن أسواق لا تعرض عبواتها تحت الشمس، لكن دون جدوى، ما يضطرها إلى العودة لشراء الماء من المحل المجاور لمنزلها.

بين التحذيرات الرسمية وعدم الالتزام

تزامنا مع شهر محرّم. حيث يوزع أصحاب المواكب المياه المُعبأة على المواطنين، دعت دائرة صحة الكرخ إلى عدم وضع قناني المياه تحت أشعة الشمس بعد تجميدها أو تبريدها، لأنها تشكل ضررا على الصحة.

وكانت وزارة الصحة قد حذرت في وقت سابق، أصحاب المحال التجارية من عرض المواد الغذائية والمشروبات على الأرصفة وتحت أشعة الشمس، مؤكدة أن عقوبات ستطال المخالفين، استنادًا إلى المادة (96) من قانون الصحة العامة رقم (89) لسنة 1981، ونظام الأغذية رقم (29) لسنة 1982 وتعديله رقم (4) لسنة 2011.

وأكدت الوزارة في بيان صحفي أن عرض البضائع بهذه الطريقة يحمل مخاطر صحية، مشددة على ضرورة خزنها وعرضها في أماكن مطابقة للشروط الصحية بما يضمن استمرار صلاحيتها للاستهلاك البشري.

وعلى الرغم من التحذيرات الرسمية، إلا أن هذه الظاهرة لا تزال مستمرة. إذ يعزو أصحاب المحال التجارية سبب ذلك إلى صغر مساحات محالهم.

في هذا الصدد يقول كريم عبد الحسن البهادلي، صاحب أسواق في منطقة البياع، أن كميات المياه والعصائر التي تصله يومياً كبيرة جداً لا يستوعبها محله.

ويضيف في حديث صحفي قوله أن "المياه والعصائر والشيبس لا تمكث فترة طويلة، لأنها سريعة الاستهلاك"، مشيرا إلى أنه يعرض هذه البضاعة خارج المحل، من أجل جذب الزبائن.

فيما يقول وليد خلف، وهو صاحب محل في منطقة الزعفرانية، أنه "مهما اتسعت مساحة المحل فإنها تبقى غير كافية لتخزين عبوات المياه"، موضحا في حديث صحفي أن "المياه سريعة النفاد، ولا يوجد مكان كافٍ لها داخل المحل، كما لم تُسجل حالات مرضية ناجمة عن المياه المعبأة".

ويؤكد أنه لم يتعرض للمساءلة من قبل الجهات الرقابية بسبب ترك المياه أو العصائر خارج المحل.

مخاطر خفية

وبينما ينفي بعض أصحاب المحال وجود أضرار صحية ناجمة عن عرض المياه والعصائر تحت الشمس، يرى طبيب التغذية عماد بليبل أن "تعريض قناني المياه البلاستيكية لدرجات الحرارة المرتفعة، سواء داخل السيارات أم تحت الشمس مباشرة، قد يؤدي إلى تسرب بعض المركبات الكيميائية من البلاستيك إلى المياه، الأمر الذي يستدعي الحذر واتباع إجراءات آمنة في التخزين".

ويبيّن في حديث صحفي أن "الحرارة المرتفعة قد تساعد في انتقال بعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة العبوات البلاستيكية، إلى المياه، مثل مركبات الفثالات. فيما يحتوي بعض المنتجات البلاستيكية على مركّب بيسفينول، وهو مادة مُضرّة تشير دراسات إلى أن التعرض المتكرر لها قد يسبب تأثيرات صحية مختلفة".

ويلفت بليبل إلى أن "من أبرز المخاطر المحتملة للتعرض المستمر لهذه المركبات اضطراب الغدة الدرقية والهرمونات الجنسية، إضافة إلى وجود أبحاث تدرس علاقتها بزيادة احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة، بما في ذلك بعض أنواع السرطان وأمراض القلب، إلا أن هذه العلاقات لا تزال قيد الدراسة".

ويشير إلى ان "تعريض عبوات المياه للحرارة قد يهيئ أيضاً بيئة مناسبة لنمو بعض البكتيريا، لا سيما عند إعادة استخدام العبوات أكثر من مرة أو تخزينها لفترات طويلة، ما قد يزيد من احتمالية تلوث المياه"، لافتاً إلى أن "بعض الدراسات تناولت التأثيرات المحتملة للمركبات البلاستيكية على وظائف الكبد والكلى والجهاز العصبي، فضلًا عن تأثيرها المحتمل في الخصوبة وصحة الحمل".

ويشدد بليبل على أهمية "اتباع إجراءات وقائية بسيطة، مثل تجنب ترك عبوات المياه البلاستيكية في الأماكن الحارة أو داخل السيارات، والحرص على حفظها في أماكن باردة بعيدًا عن أشعة الشمس، مع تفضيل استخدام العبوات الزجاجية، وعدم إعادة استخدام العبوات البلاستيكية المخصصة للاستعمال الواحد".

مِمَ تُصنع العبوات البلاستيكية؟

خبيرة البيئة والتلوث إقبال لطيف، تقول أن "المادة الرئيسة التي تُصنع منها قناني المياه البلاستيكية هي البولي إيثيلين، وتدخل في تصنيعها مواد كيميائية قد تكون ضارة بصحة الإنسان والبيئة".

وتبيّن في حديث صحفي أن "وضع عبوات المياه تحت الشمس يُعرّضها للأشعة فوق البنفسجية، لا سيما مع ارتفاع درجات الحرارة، ما يساعد على تحلل بعض المركبات الموجودة في البلاستيك، مثل البيسفينول والإيثانول، وهي مركبات عضوية قد تؤثر في الجهاز الهضمي"، مشيرة إلى أن "كثيرا من الأمراض، ومنها التهاب القولون، قد ترتبط بالتعرض للدقائق البلاستيكية".

ووفقاً لإقبال، فإن شرب المياه أو العصائر أو الألبان المُعبأة المُعرّضة للحرارة، يتسبب في تراكم بعض المواد الضارة في جسم الإنسان، بما يؤثر في المناعة والأوعية الدموية والجهاز التناسلي.