تشهد مناطق واسعة في محافظة ديالى، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، انتشاراً كثيفاً للبعوض والذباب والحشرات الزاحفة، فضلا عن ظهور قوارض وزواحف، لا سيما في الأحياء القريبة من البساتين والأنهار والجداول، وفي المناطق التي تنتشر فيها برك مياه راكدة والتي تعاني ضعفا في خدمات الصرف الصحي والنظافة، الأمر الذي يثير مخاوف الأهالي من تداعيات صحية وبيئية، وسط مطالبات بإطلاق حملات مكافحة واسعة.
ومنذ بداية الصيف في كل عام، تعود الحشرات بمختلف أنواعها لتفرض نفسها على حياة العراقيين في معظم المحافظات، من البعوض والذباب إلى الصراصير والحشرات الزاحفة، خاصة في ظل تراجع الواقع البيئي والخدمي في كثير من المدن، حتى باتت ساعات المساء تتحول إلى معاناة يومية تدفع الكثير من العائلات إلى إغلاق الأبواب والنوافذ رغم الحر الشديد وانقطاع التيار الكهربائي.
ولا يرتبط انتشار الحشرات بالمناخ وحده، إنما يتداخل مع مشكلات خدمية مزمنة، أبرزها تراكم النفايات، وتهالك شبكات الصرف الصحي، وطفح المجاري، ووجود المياه الراكدة والمستنقعات الآسنة، فضلا عن ضعف حملات التنظيف والرش الدوري، ما يوفر بيئة مثالية لتكاثر الحشرات داخل الأحياء السكنية.
ويرى اختصاصيون أن هذه الظاهرة لم تعد تقتصر على الإزعاج، إنما أصبحت تمثل تحديا صحيا وبيئيا، لما قد تسببه من انتشار الحساسية والأمراض الجلدية، فضلا عن احتمالية نقل بعض الأمراض، الأمر الذي يجعل تحسين خدمات النظافة والصرف الصحي جزءا أساسيا من أي خطة للحد من انتشار الحشرات، إلى جانب حملات المكافحة التقليدية.
طفح جلدي يصيب الأطفال
في حديث صحفي، يقول المواطن قحطان العبيدي، وهو من سكان حي الرحمة غربي بعقوبة، أن "الحشرات باتت تنتشر بكثافة مع حلول المساء، وان الأطفال لم يعودوا قادرين على اللعب أمام المنازل بسبب لدغات البعوض وانتشار الحشرات بأصناف مختلفة، لا سيما النمل الفارسي الطائر والصراصير".
ويضيف قوله أن "أطفالي تعرضوا خلال الأسابيع الماضية إلى طفح جلدي وحكة مستمرة استدعت مراجعة الطبيب، بينما لم تعد المبيدات المنزلية والأجهزة الطاردة للحشرات تحقق النتائج التي كانت تحققها سابقاً".
فيما يقول طبيب الأمراض الجلدية د. علي علوان، أن لدغات البعوض وغيره من الحشرات ترتفع بصورة ملحوظة خلال شهور الصيف، وتؤدي إلى حالات متكررة من الحساسية الجلدية والحكة والالتهابات، لا سيما لدى الأطفال، موضحا في حديث صحفي أن الحك المستمر للجلد قد يسبب التهابات بكتيرية تستدعي العلاج.
تراجع حملات المكافحة
من جانبه، يقول المزارع محمد مجيد، وهو من قرى ناحية العبارة شمال شرقي بعقوبة، أن "قرب المنازل من البساتين والسواقي والمبازل جعل المشكلة أكثر تعقيداً"، مبيّناً أن "البرك ومياه الري الراكدة تحولت إلى بيئة مثالية لتكاثر الحشرات، في وقت تراجعت فيه حملات المكافحة خلال السنوات الأخيرة".
ويوضح في حديث صحفي أن "الأهالي يضطرون إلى إغلاق أبواب منازلهم منذ ساعات الغروب، رغم ارتفاع درجات الحرارة، لتجنب دخول البعوض والذباب"، مطالباً بـ"تكثيف حملات الرش، وردم المستنقعات، وتنظيف الجداول التي تحولت إلى بؤر لتكاثر الحشرات".
وفي السياق، يؤكد عدد من الأهالي في أحاديث صحفية، أن الأطفال هم الأكثر تضررا. إذ تتسبب لدغات الحشرات في حالات حساسية جلدية واحمرار شديد وحكة متواصلة، فضلا عن اضطرابات في النوم، نتيجة الانتشار الكثيف للبعوض داخل المنازل، ما يزيد من معاناة العائلات خلال فصل الصيف.
عوامل بيئية وخدمية
بدوره، يقول الباحث البيئي مصطفى العزاوي، أن "ارتفاع درجات الحرارة مع توفر المياه الراكدة والرطوبة، كل ذلك يسرّع من تكاثر الحشرات بصورة كبيرة، كما في البيئات المدارية"، مشيراً إلى أن "المشكلة ترتبط بعوامل بيئية وخدمية عدة، أبرزها وجود البرك والمستنقعات والمبازل غير المنظفة، وتراكم النفايات داخل الأحياء السكنية وحول البساتين".
ويبيّن في حديث صحفي أن "استمرار هذه الظروف يساهم في زيادة أعداد الحشرات عاماً بعد آخر"، مشيرا إلى أن "تأثير الحشرات لا يقتصر على الإزعاج، بل قد يؤدي إلى ارتفاع حالات الحساسية والأمراض الجلدية، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن، فضلاً عن احتمالية نقل بعض الأمراض في ظل غياب برامج مكافحة منتظمة".
عمليات "التضبيب" غير كافية
الناشط البيئي سيف الجميلي، يدعو من جانبه إلى "اعتماد خطة متكاملة لمكافحة الحشرات"، لافتا إلى أن "عمليات التضبيب (تحويل المبيدات السائلة إلى ضباب حراري) التي تنفذها دوائر الصحة بين الحين والآخر، لا تكفي وحدها، لأنها تعالج النتائج ولا تعالج أسباب المشكلة".
ويرى في حديث صحفي أن "الحل يبدأ بتنظيف المبازل والجداول بشكل دوري، وردم المستنقعات، وإزالة النفايات ومخلفات النباتات، وتحسين شبكات تصريف المياه، إلى جانب تنفيذ حملات رش منتظمة، بما فيها الرش الجوي للمناطق الأكثر تضرراً، فضلاً عن إطلاق برامج توعية تشجع المواطنين على التخلص من المياه الراكدة داخل المنازل والأحياء".
ويشير الجميلي إلى أن "نجاح أي حملة يعتمد على تكامل جهود المؤسسات الحكومية مع تعاون المواطنين"، داعياً البلديات والدوائر الصحية والبيئية إلى "إطلاق حملة مكافحة واسعة تستهدف المناطق الزراعية والأحياء المحاذية للأنهار، للحد من انتشار الحشرات وحماية السكان من آثارها الصحية والبيئية".
ويرى مراقبون أن نجاح حملات مكافحة الحشرات يقاس باستدامتها وليس بتنفيذها موسميا. إذ إن الاقتصار على حملات الرش عند ذروة انتشار الحشرات لا يحقق نتائج طويلة الأمد، ما لم يترافق مع تحسين خدمات البلديات، وإدامة شبكات الصرف الصحي، ومنع تراكم النفايات، وتفعيل الرقابة البيئية، وهي ملفات لا تزال تعاني تحديات في معظم مدن البلاد.