تشهد مدن عراقية عدة موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية مع اشتداد حرارة الصيف واستمرار التراجع في تجهيز الطاقة الكهربائية، في مشهد يعيد إلى الأذهان الاحتجاجات الموسمية التي تتكرر كل عام دون حلول جذرية.
وامتدت التظاهرات خلال اليومين الماضيين إلى محافظات ذي قار وميسان والمثنى والنجف والديوانية وبابل والبصرة، حيث رفع المحتجون شعارات تطالب بتحسين الخدمات، ومحاسبة المسؤولين، ووضع حد لما وصفوه بالإهمال المزمن لملف الكهرباء.
وتنوعت أشكال الاحتجاج بين اغلاق الطرق الرئيسة، وإحراق الإطارات، وتنظيم الوقفات الجماهيرية، فيما شهدت بعض المحافظات احتكاكات مع القوات الأمنية، الأمر الذي ينذر باتساع رقعة الغضب الشعبي إذا استمرت الأزمة دون معالجات حقيقية.
ذي قار تغلي
في محافظة ذي قار، خرج عشرات المواطنين في أحياء مدينة الناصرية وقضاء الفهود في تظاهرات احتجاجية، بسبب الانخفاض الحاد في ساعات تجهيز الكهرباء. وأغلق المحتجون عدداً من الطرق الحيوية باستخدام الإطارات المحترقة، معبرين عن غضبهم من استمرار تردي الخدمات.
وأكد المتظاهرون أن العديد من الأحياء السكنية تعيش انقطاعاً شبه تام للتيار الكهربائي منذ يومين، ملوحين بتصعيد احتجاجاتهم واقتحام محطات التوليد والتوزيع إذا لم تستجب الجهات المعنية لمطالبهم بزيادة حصة المحافظة من الطاقة الكهربائية.
احتجاجات وقمع في ميسان
وفي ميسان، نظم العشرات من أهالي حي الجامعة وسط مدينة العمارة تظاهرة احتجاجية للمطالبة بتحسين تجهيز الكهرباء، قبل أن تتدخل قوة أمنية لتفريق المحتجين باستخدام الرصاص الحي، بحسب ما أفادت به مصادر محلية، دون الإعلان عن حصيلة رسمية للإصابات.
وأثار استخدام القوة في التعامل مع المتظاهرين ردود فعل غاضبة بين الأهالي، الذين طالبوا بحماية حق التظاهر السلمي والاستجابة للمطالب الخدمية بدلاً من اللجوء إلى الإجراءات الأمنية.
قطع للطرق في المثنى
وفي المثنى، شهدت المحافظة احتجاجات واسعة تخللتها عمليات قطع للطريق الرابط بين السماوة والرميثة، والطريق المؤدي إلى ناحية السوير، باستخدام الإطارات المحترقة.
كما أصدر أهالي قضاء الوركاء بياناً عبروا فيه عن استيائهم من استمرار تدهور الواقع الخدمي، محملين الجهات الحكومية مسؤولية نقص الكهرباء وتراجع الخدمات الأساسية، ومطالبين بإجراءات عاجلة لمعالجة الأزمة ووضع حلول دائمة بدلاً من المعالجات المؤقتة.
تظاهرة حاشدة في النجف
وكانت النجف من أكثر المحافظات التي شهدت زخماً في الاحتجاجات، إذ خرج مئات المتظاهرين في ساحة ثورة العشرين، بينهم ناشطون وأصحاب مواكب حسينية وممثلون عن قوى مدنية.
وانطلقت التظاهرة باتجاه مجلس المحافظة مروراً بالطريق الرابط بين النجف والكوفة، قبل أن يقوم المحتجون بقطع شارع الجنسية المؤدي إلى مبنى المجلس.
ورفع المتظاهرون العلم العراقي، ورددوا شعارات تطالب بتغيير المسؤولين المحليين ومحاسبة المقصرين، إلى جانب شعارات تندد بالفساد والمحاصصة السياسية، معتبرين أن سوء إدارة ملف الكهرباء انعكاس مباشر لسنوات من الفشل الإداري.
كما منح المحتجون مجلس المحافظة مهلة حتى يوم الأحد لاتخاذ خطوات عملية لتحسين تجهيز الكهرباء، مهددين بإغلاق المجلس وتصعيد الاحتجاجات في حال عدم الاستجابة لمطالبهم.
الديوانية وبابل
وفي الديوانية، نظم العشرات من سكان حي الجامعة تظاهرة احتجاجية قطعوا خلالها الطريق العام، مطالبين الحكومتين المحلية والاتحادية ووزارة الكهرباء بزيادة حصة المحافظة من الطاقة والحد من ساعات القطع الطويلة.
وفي محافظة بابل، خرج أهالي قضاء المحاويل في تظاهرة أمام مبنى القائممقامية، احتجاجاً على تردي الخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء، داعين الجهات المختصة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لإنهاء الأزمة.
البصرة تحتج
وفي أقصى جنوب العراق، حيث شهدت محافظة البصرة أكثر من احتجاج، إذ نظم أهالي منطقة مناوي لجم وقفة احتجاجية للمطالبة بإطلاق المستحقات المالية للشركة المنفذة لمشروع البنى التحتية، مؤكدين أن توقف المشروع تسبب في استمرار تدهور خدمات الماء والكهرباء، فضلاً عن معاناة السكان من الطرق غير المعبدة والأتربة.
كما تظاهر العشرات من سكان حي بغداد احتجاجاً على نقص الخدمات الأساسية، مطالبين بتوفير مياه الإسالة وتحسين ساعات تجهيز الكهرباء وإنشاء مركز صحي ومركز شرطة يخدم المنطقة، داعين محافظ البصرة إلى زيارة ميدانية للاطلاع على واقع الحي.
وفي الوقت نفسه، نظم موظفو الشركة العامة لإنتاج الطاقة الكهربائية للمنطقة الجنوبية تظاهرة أمام مقر الشركة، مطالبين بتقليص ساعات الدوام الرسمي بسبب ارتفاع درجات الحرارة، أسوة ببقية دوائر المحافظة، إضافة إلى صرف العلاوات والمستحقات المالية المتأخرة.
غضب يتجدد
تعكس هذه الاحتجاجات اتساع حالة الاستياء الشعبي من استمرار أزمة الكهرباء التي تتكرر كل صيف، رغم مليارات الدولارات التي أُنفقت على هذا القطاع خلال السنوات الماضية.
ويرى مواطنون أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الطاقة، بل أصبحت عنواناً لفشل إدارة الخدمات العامة، في ظل تراجع الثقة بقدرة الحكومات المحلية والاتحادية على تقديم حلول مستدامة.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة واتساع رقعة الاحتجاجات، تبدو السلطات أمام اختبار جديد في كيفية التعامل مع المطالب الشعبية، سواء عبر الاستجابة السريعة وتحسين الخدمات، أو مواجهة موجة احتجاجات قد تتصاعد خلال الأيام المقبلة إذا بقيت أزمة الكهرباء دون حلول حقيقية.