اتسعت خلال الأيام الماضية رقعة الاحتجاجات الشعبية في عدد من المحافظات، على وقع تصاعد أزمة انقطاع التيار الكهربائي وتراجع الخدمات العامة، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، فيما شهدت محافظات أخرى وقفات واعتصامات للمطالبة بالحقوق الوظيفية، وصرف المستحقات المالية، وتوزيع الأراضي السكنية، ومعالجة ملفات المياه والإدارة المحلية. وبينما حمّل محتجون الجهات الحكومية مسؤولية استمرار الأزمات، تمسكت وزارة الكهرباء بتبريرات تتعلق بانخفاض إمدادات الغاز والتجاوزات على الشبكة، الأمر الذي قوبل برفض واسع من المواطنين الذين عدّوا الأزمة نتيجة سنوات طويلة من سوء الإدارة والفساد.
وتصاعدت وتيرة الاحتجاجات الشعبية في مختلف المحافظات ضد الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، في ظل استمرار فشل المنظومة الحاكمة في معالجة هذا الملف منذ سنوات عديدة، ويحمل المتظاهرون القوى الحاكمة مسؤولية هذا الفشل، مطالبين بإجراءات عاجلة لمعالجة الأزمة.
وشهدت محافظات البصرة وذي قار والمثنى والديوانية وبابل والنجف وبغداد وديالى وكركوك تظاهرات غاضبة ضد انقطاع التيار الكهربائي.
وفي تظاهرة جديدة، نظم العشرات من الفلاحين أمام مبنى وزارة التجارة تظاهرة للمطالبة بصرف مستحقاتهم، فيما نظم أعضاء منظمة الشهيد عزيز محمد للحزب الشيوعي العراقي في الرصافة الأولى، وقفة احتجاجية، في شارع الفضل، مطالبين بتوفير الخدمات.
تبريرات الوزارة
وفي موقف جديد، ألقت وزارة الكهرباء مسؤولية الأزمة على كثرة التجاوزات على شبكة الكهرباء وانخفاض إمدادات الغاز نتيجة الصراع الإقليمي في المنطقة، ودعت المواطنين إلى التعاون لعبور الأزمة.
في المقابل، يؤكد متابعون أن هذه التبريرات غير مقنعة، إذ إن الوزارة لم تعالج المشكلات التي تتحدث عنها منذ سنوات، وبالتالي فإن منظومة الحكم تتحمل مسؤولية الإخفاق في إيجاد الحلول، فضلاً عن حالة الفساد المستشري في الوزارة، والتي سبق أن كشفتها لجان برلمانية في دورات سابقة.
وفي محاولة لتهدئة الأوضاع، طالب مجلسا محافظتي ديالى والنجف وزارة الكهرباء بإعفاء المواطنين من أجور الجباية لشهري تموز وآب المقبلين، مراعاة لاستمرار الانقطاعات. إلا أن مواطنين عدّوا هذا الإجراء غير واقعي، مشيرين إلى أن الوزارة نفسها تحدثت مراراً عن عجزها عن جباية مستحقاتها من مؤسسات الدولة والمشاريع الصناعية والدوائر المختلفة، في حين يلتزم المواطنون بدفع الفواتير، إضافة إلى تكاليف إصلاح الأعطال والمبالغ المرتفعة التي يدفعونها للمولدات الأهلية.
وتعقيبا على أزمة الكهرباء، أكد الخبير النفطي حمزة الجواهري أنها نتيجة مباشرة للفساد المستشري، معتبراً أن جميع الأموال التي أُنفقت على هذا القطاع ذهبت إلى "جيوب الفاسدين"، وأن أي إصلاح حقيقي يبقى مرهونا بالقضاء على الفساد ومحاسبة المتورطين.
وقال الجواهري لـ"طريق الشعب"، إن العراقيين يعيشون المشهد ذاته كل صيف منذ ما يقارب عقدين، حيث تتكرر أزمة انقطاع الكهرباء بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، واصفاً الواقع بأنه مأساوي، في ظل معاناة المواطنين، ولا سيما الأطفال الذين لا يستطيعون النوم بسبب الحر الشديد.
وأضاف أن ما أُنفق على قطاع الكهرباء يقدّر بنحو 100 مليار دولار، لو استُثمر بصورة صحيحة، لكان كفيلاً بإحداث نهضة كبيرة، قائلاً: مائة مليار دولار لو أُنفقت بالمسار الصحيح لوصلت بدول إلى القمر.
وشدد على أن ما جرى في هذا الملف يستوجب محاسبة شاملة، معتبراً أن جميع من تولى إدارة قطاع الكهرباء أو تعاقد على مشاريعه ينبغي أن يخضع للمساءلة القانونية، نظراً لحجم الإخفاق الذي رافق هذا القطاع على مدى السنوات الماضية.
وفي ختام حديثه، وصف الجواهري الفشل في قطاع الكهرباء بأنه انعكاس لفشل أوسع يطال معظم قطاعات الدولة.
احتجاج واسع في المثنى
وشهدت محافظة المثنى تظاهرة غاضبة احتجاجاً على تردي واقع الكهرباء، وردد المشاركون هتافات تندد بالفساد وسوء الإدارة في معالجة هذا الملف منذ سنوات.
وقال مراسل "طريق الشعب" عبد الحسين السماوي إن التظاهرة انطلقت من كورنيش السماوة وجابت شوارع المدينة باتجاه ساحة الاحتفالات، بمشاركة شرائح مختلفة.
وقال المواطن علي محمد (متقاعد) لـ"طريق الشعب": "الكهرباء لم تتحسن رغم صرف أكثر من 80 مليار دولار عليها، لأن أغلب هذه الأموال ذهبت إلى جيوب الفاسدين بسبب المحاصصة وسرقة المال العام وعدم المهنية في إدارة هذا الملف".
من جانبها، أكدت المواطنة منتهى الصافي وجود امتعاض شديد في الشارع السماوي نتيجة زيادة ساعات القطع، وما تسببه من معاناة، خاصة للأطفال وكبار السن، في ظل ارتفاع درجات الحرارة، معتبرة أن جميع التبريرات الرسمية لا تعالج أزمة متراكمة منذ عقود.
وطالب المتظاهرون الحكومة المحلية بتوفير الكهرباء بعدالة في ساعات التجهيز، وأمهلوا الجهات المعنية وقتاً محدداً لمعالجة الأزمة، ملوحين بتصعيد احتجاجاتهم.
وفي قضاء المجد، خرجت أعداد كبيرة من المواطنين للمطالبة بتحسين تجهيز الكهرباء، مؤكدين أن ساعات التجهيز تراجعت إلى ساعة واحدة مقابل أربع ساعات إطفاء، فضلاً عن انخفاض الفولتية.
أبناء النجف يتظاهرون
وقال مراسل "طريق الشعب" في النجف أحمد عباس، إن تظاهرة كبيرة خرجت في ساحة مجسرات ثورة العشرين، قبل أن يغلق المحتجون طريق النجف – الكوفة في الاتجاهين ويتوجهوا نحو مبنى المحافظة، رافعين شعارات تندد بالفساد وتطالب بإقالة المسؤولين ومحاسبتهم على فشلهم في توفير الكهرباء.
وأكد المتظاهرون استمرار احتجاجاتهم حتى تحقيق مطالبهم، داعين إلى إقالة محافظ النجف ونائبيه وإحالة المسؤولين المقصرين إلى هيئات النزاهة، محملين الجهات المتنفذة مسؤولية الإخفاق الخدمي.
وقال المتظاهر منير العامري، إن المواطنين يعانون من انقطاع مستمر للكهرباء، في وقت يتم فيه تحويل حصة النجف إلى مناطق أخرى، مشيراً إلى أن شدة الحرارة باتت تهدد حياة الأطفال.
كما أكد المتظاهر حسين الكعبي استمرار الاحتجاجات، مشيراً إلى أن ساعات التجهيز الحالية لا تتناسب مع حجم معاناة المواطنين.
.. وفي الديوانية وبابل
وشهدت محافظة الديوانية تظاهرات غاضبة للمطالبة بتحسين واقع الكهرباء، إذ خرج مواطنون في تظاهرة ليلية بمركز المحافظة، فيما تظاهر المئات في قضاء الحمزة الشرقي للمطالبة بزيادة حصة المحافظة من الطاقة.
وفي قضاء السدير، قطع الأهالي الطريق العام الرابط بين الديوانية ومحافظات الجنوب، كما شهد قضاء الشامية تظاهرة مماثلة، فيما نظم أهالي ناحية الفضيلية وقفة احتجاجية ضد استمرار الانقطاعات.
كما قطع محتجون من قضاء السنية الطريق الرابط بين الديوانية وبابل مطالبين بتحسين ساعات التجهيز.
وفي محافظة بابل، خرج عدد كبير من المواطنين في تظاهرة ليلية وقطعوا شارع 60 الرئيسي، احتجاجاً على انخفاض ساعات التجهيز، فيما لم يستجب المحافظ لمطالبهم، إذ غادر موقع الاحتجاج من دون تقديم أي حلول.
كما شهد قضاء المحاويل ومناطق شمالي بابل احتجاجات بسبب انقطاع الكهرباء وأزمة شح مياه الشرب، مع تهديد المحتجين باتخاذ خطوات تصعيدية إذا استمر تجاهل مطالبهم.
وفي منطقة الحي العسكري بالمحافظة، خرجت تظاهرة للمطالبة بإكمال مشروع مجاري الحلة الكبير.
الناصرية تصعّد
وفي محافظة ذي قار، تظاهر المواطنون احتجاجاً على استمرار انقطاع الكهرباء وتردي الخدمات، رغم المخصصات المالية الكبيرة للمحافظة.
كما نظم أهالي ناحية الفضلية تظاهرة أمام دائرة الكهرباء للمطالبة بزيادة ساعات التجهيز، في ظل ارتفاع درجات الحرارة.
بغداد
وفي بغداد، اعتدى أفراد من القوات الأمنية على المتظاهرين من جرحى وزارة الداخلية المعتصمين أمام هيئة التقاعد، المطالبين بإنجاز معاملات تقاعدهم.
كما تظاهر عدد من الخريجين أمام مجلس محافظة بغداد للمطالبة بتثبيتهم ضمن احتياط تربية الكرخ الثالثة.
قطع شارع رئيسي في كركوك
وفي محافظة كركوك، قطع محتجون شارعاً رئيسياً احتجاجاً على استمرار انقطاع الكهرباء وتوقف عدد من المولدات الأهلية بسبب نقص الوقود.
وقال رئيس رابطة المولدات في كركوك، ثامر الإسحاقي، إن 138 مولدة أهلية توقفت عن العمل بسبب نقص الوقود، موضحاً أن الكميات المجهزة لا تكفي لتشغيلها طوال الشهر.
وقطع سكان حي الشهداء الثانية الطريق الرئيسي للمطالبة بمعالجة الأزمة.
وخلال الأسابيع الماضية، انخفضت ساعات تجهيز الكهرباء في عموم المحافظات، فيما شهدت بعض المناطق انقطاعاً تاماً، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات تقترب من 50 درجة مئوية.
احتجاجات لموظفي البلدية
واعتصم موظفو بلدية الديوانية للمطالبة بإبعاد الدائرة عن المحاصصة والتدخلات الحزبية، وصرف رواتبهم المتأخرة وإطلاق العلاوات والترفيعات المتوقفة منذ سنوات.
وفي ديالى، تظاهر عدد من ذوي الشهداء وجرحى العمليات الإرهابية للمطالبة بحسم ملف توزيع قطع الأراضي السكنية ضمن استحقاقاتهم القانونية، محذرين من تصعيد احتجاجاتهم إذا استمر التأخير.
احتجاجات أخرى في البصرة
ونظم موظفو الشركة العامة لموانئ العراق وقفة احتجاجية للمطالبة بإدارة نزيهة للشركة وضمان حقوق الموظفين.
كما طالب خريجو علوم البحار والمعهد البحري بتعيين نحو 400 خريج، مؤكدين أن الأولوية يجب أن تكون لأبناء الاختصاصات البحرية.
وفي احتجاج آخر، طالب أهالي حي الغدير بمعالجة تلوث مياه الإسالة، مؤكدين أنها أصبحت غير صالحة للاستخدام البشري، وداعين إلى التحقيق في أسباب التلوث ومعالجته.