اخر الاخبار

يتواصل تأخر صرف رواتب موظفي الدولة للشهر الثاني على التوالي، رغم تأكيدات الحكومة ووزارة المالية أن الرواتب مؤمّنة وعدم وجود توجه لاعتماد دورة صرف تمتد إلى 45 يوماً. وبينما أعلنت وزارة المالية في 26 آب المباشرة بتمويل رواتب الشهر الحالي، بقيت شرائح من الموظفين بانتظار مستحقاتها مع اقتراب نهاية الشهر، في مشهد يعيد إلى الواجهة أسئلة تتعلق بانتظام التدفقات النقدية وقدرة الخزينة على الوفاء بالتزاماتها في مواعيدها. ومع بلوغ الكلفة الشهرية للرواتب نحو 7.7 تريليون دينار، وتجاوز الإنفاق الجاري 54 تريليوناً خلال النصف الأول من العام، تتزايد المخاوف من أن يتحول التأخير المتكرر من مسألة إجرائية إلى مؤشر على ضغوط مالية أوسع.

شهران والنهاية واحدة

دخل ملف رواتب موظفي الدولة شهره الثاني من التأخير، بعدما أعلنت وزارة المالية، في 26 آب، المباشرة بتمويل رواتب الشهر الحالي. ومع اقتراب نهاية يوم 30 آب، وبقاء ساعتين فقط على دخول اليوم الأخير من الشهر، لا يزال موظفون بانتظار مستحقاتهم، رغم مرور خمسة أيام على إعلان بدء التمويل.

ولم يعد تأخر الرواتب مرتبطاً بشهر واحد. ففي تموز، أعلنت وزارة المالية المباشرة بتمويل رواتب الموظفين في 28 من الشهر، قبل أن يتكرر المشهد في آب، إذ أعلنت في 26 آب بدء التمويل، أي في الأيام الأخيرة من الشهر أيضاً.

ومع حلول 31 آب، لم تكن الرواتب قد وصلت بعد إلى شرائح من الموظفين، ما يبرز فجوة بين إعلان بدء التمويل وبين وصول المستحقات فعلياً. وهي فجوة تكتسب أهمية أكبر مع تكرارها للشهر الثاني، وتطرح تساؤلات بشأن ما إذا كان التأخير إجرائياً، أم مرتبطاً بتوفر السيولة وتوقيت إطلاقها.

"مؤمّنة".. فلماذا تتأخر؟

المفارقة أن التأخير يأتي في وقت تؤكد فيه الحكومة أن رواتب الموظفين مؤمّنة، فيما نفت وزارة المالية وجود توجه لاعتماد دورة صرف تمتد إلى 45 يوماً. لكن استمرار الانتظار حتى نهاية الشهر يعيد السؤال من زاوية مختلفة: إذا كانت الأموال مضمونة، فما الذي يؤخر وصولها؟

إعلان المالية في 26 آب تحدث عن مباشرة دائرة المحاسبة إجراءات التمويل تمهيداً للصرف، وهو ما يعني أن «بدء التمويل» لا يساوي بالضرورة إيداع الرواتب فوراً في حسابات الموظفين. وفي المقابل، ربطت تقارير التأخير السابق بعدم استكمال إجراءات التمويل، إلى جانب نقص السيولة وتراجع الإيرادات، وهي عوامل تجعل انتظام الصرف نفسه جزءاً من النقاش المالي، وليس مجرد مسألة مواعيد إدارية.

7.7 تريليون دينار كل شهر

وراء انتظام الرواتب التزام مالي ضخم؛ إذ حدد وزير المالية فالح الساري كلفتها الشهرية بنحو 7.7 تريليون دينار، ما يعادل نحو 92.4 تريليون دينار سنوياً إذا بقي الإنفاق عند المستوى نفسه. وأشار أيضاً إلى وجود نحو 20 تريليون دينار مستحقات لوزارة المالية بذمة جهات أخرى، بالتزامن مع مساعٍ لضبط الإنفاق ومعالجة تضخم الكلف.

وتكشف بيانات المالية العامة للنصف الأول من 2026 حجم الضغط بصورة أوسع؛ إذ بلغت المصروفات الفعلية نحو 57.19 تريليون دينار، استحوذ الإنفاق الجاري منها على 54.67 تريليوناً، فيما بلغت تعويضات الموظفين وحدها نحو 30.77 تريليون دينار. وهي أرقام تجعل انتظام الرواتب مرتبطاً بقدرة الخزينة على توفير تدفقات نقدية كبيرة ومتواصلة شهرياً.

ومع ضغط النفقات، لجأت السياسة المالية إلى أدوات توفر السيولة، من بينها حوالات الخزينة. لكن البنك المركزي شدد في حزيران على أن خصم هذه الحوالات يوفر سيولة مؤقتة مقابل دين حكومي، وليس تمويلاً دائماً للإنفاق أو ما يوصف بطباعة العملة.

وهنا يصبح تكرار تأخر الرواتب أكثر أهمية من التأخير نفسه؛ فالحكومة تؤكد أن الاستحقاقات مؤمّنة، لكن وصول الصرف إلى الأيام الأخيرة من تموز ثم تكرار المشهد في آب يضع انتظام التمويل تحت الاختبار. والسؤال لم يعد ما إذا كانت الدولة ستدفع الرواتب، بل ما إذا كانت قادرة على دفعها بانتظام وفي موعد يمكن للموظف الاعتماد عليه.

تأثيرات تتجاوز الموظفين

في السياق ذاته، حذر الباحث الاقتصادي ناصر التميمي، في حديث تابعته «المدى»، من أن تأخر صرف الرواتب لم يعد يمثل إجراءً مالياً مؤقتاً، بل تحول إلى أزمة متكررة تنعكس بشكل مباشر على الأسواق والقطاع الخاص وحركة التجارة، فضلاً عن تأثيرها على معيشة ملايين المواطنين.

وأوضح التميمي أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى تراجع القوة الشرائية، وانكماش النشاط الاقتصادي، وارتفاع معدلات الديون الشخصية، إضافة إلى زيادة الضغوط النفسية والاجتماعية على شريحة الموظفين، مؤكداً أن انعكاساتها تمتد أيضاً إلى أداء المؤسسات الحكومية نتيجة تراجع الاستقرار الوظيفي والمعنوي للموظفين.

وشدد على ضرورة اعتماد آليات مالية وإدارية تضمن انتظام صرف الرواتب في مواعيدها، معتبراً أن استقرار الرواتب يمثل ركناً أساسياً في دعم الاقتصاد المحلي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

تساؤلات بشأن رواتب المتقاعدين

من جانبه، أثار عضو مجلس النواب ماجد شنكالي، في تصريحات تابعتها «المدى»، تساؤلات بشأن آلية تمويل رواتب المتقاعدين، مبيناً أن العراق ينفق سنوياً نحو 18 تريليون دينار من الموازنة العامة لتغطية هذه الرواتب، رغم وجود صندوق للتقاعد، متسائلاً عن الدور الذي يؤديه الصندوق في ظل استمرار اعتماد التمويل على الخزينة العامة.

وفي قراءة أخرى لأسباب الضغوط المالية، دعا الباحث الاقتصادي صفوان قصي، في تصريحات تابعتها «المدى»، إلى مراجعة شاملة لملف الرعاية الاجتماعية، موضحاً أن تخصيص نحو 14 تريليون دينار سنوياً لهذا القطاع يستدعي تدقيقاً في استحقاق المستفيدين، لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.

وأكد قصي أن الهدف ليس تقليص الرواتب أو المخصصات، وإنما تعزيز كفاءة الإنفاق العام، وإيجاد مصادر تمويل مستدامة بعيداً عن الاعتماد الكامل على إيرادات الموازنة، بما يضمن استقرار المالية العامة ويخفف الضغوط على الخزينة.

من التأخير إلى اختبار الثقة

تكرار التأخير فتح الباب أمام مخاوف من تحوله إلى نمط دائم، خصوصاً بعد تداول حديث عن احتمال وصول دورة صرف الرواتب إلى 45 يوماً. لكن وزارة المالية نفت وجود توجه رسمي لاعتماد هذا النظام، وأكد الوزير فالح الساري أن الرواتب مؤمّنة وأن الحديث عن صرفها كل 45 يوماً غير صحيح.

ومع ذلك، يبقى جوهر المشكلة قائماً: الموظف لا يتعامل مع التخصيصات والموازنات، بل مع موعد وصول راتبه. لذلك فإن استمرار الفجوة بين إعلان التمويل والصرف الفعلي قد يزيد القلق حتى مع تأكيدات الحكومة، ويجعل استعادة الانتظام في الأشهر المقبلة الاختبار الأهم لقدرة المالية العامة على إدارة واحدة من أكبر التزامات الدولة وأكثرها حساسية.