يواجه قطاع الثروة السمكية العراقي واحدة من أشد الأزمات في تاريخ البلاد. حيث تضافرت عوامل التغير المناخي والإهمال البيئي لتوجه ضربة قاصمة لأحد أهم مصادر الأمن الغذائي، الأمر الذي جعل الأزمة تتجاوز حدودها الاقتصادية والبيئية وتصيب الهوية الغذائية للعائلة العراقية.
وبين مطرقة الشح غير المسبوق في مناسيب نهري دجلة والفرات، وسندان التلوث الكيميائي والصرفي الذي حوّل مجاري المياه إلى بيئات طاردة للحياة، أصبحت الأحواض والمصايد الطبيعية ساحات لكوارث متلاحقة، تجسدت في موجات النفوق الجماعي المرعبة المتكررة. هذا التدهور البيئي المتسارع ألقى بظلاله القاتمة على الواقع المعيشي لآلاف الصيادين ومربي الأسماك، الذين باتوا يسحبون شباكا فارغة ويتكبدون خسائر مالية، ما دفع بالكثيرين منهم إلى هجرة مهنتهم التاريخية، وسط تحذيرات من فقدان البلاد أحد أبرز ركائزها الاقتصادية والغذائية.
ولم تقتصر أسباب هذا التراجع الحاد في إنتاج الثروة السمكية على التداعيات الطبيعية والبيئية وحسب، إنما ارتبطت أيضا بالقرارات والإجراءات الحكومية المتخذة لمواجهة شح المياه. حيث نفذت الجهات المعنية حملات واسعة النطاق لإغلاق آلاف البحيرات والأقفاص العائمة غير المرخصة وحتى المرخصة. ورغم أن هذه الخطوة جاءت بدافع الحفاظ على الحصص المائية المحدودة، إلا أن إزالة تلك المنشآت، أحدثت فجوة هائلة في العرض، ما أدى إلى هبوط حاد في مستويات الإنتاج الوطني، ودفع بالأسعار نحو قفزات قياسية.
لكن الصورة قد لا تبدو قاتمة بالكامل. فبينما يحذر منتجو أسماك وصيادون من تراجع الإنتاج، تقول وزارة الزراعة إنها وسعت برامج إكثار الأسماك وإطلاقها في الأنهار والمسطحات المائية، وإنها أطلقت خلال هذا العام نحو 155 مليون سمكة، بزيادة تقارب 65 في المائة عن العام السابق.
المياه لم تعد كما كانت!
في قضاء السنية بمحافظة الديوانية، لا يحتاج الصياد أبو علاء إلى إحصاءات رسمية ليدرك أن المياه التي اعتاد أن يكسب منها رزقه لم تعد كما كانت.
يجلس أبو علاء يوميا قرب مجرى الصيد، يتابع حركة الماء ويبحث عن أماكن تجمع الأسماك، لكن شح المياه وتغير مساراتها جعلا مهنته أكثر صعوبة.
يقول في حديث صحفي، أن الأسماك التي يصطادها لم تعد تأتي بالطريقة نفسها التي اعتادها، فيما بدأت أنواع تدخل إلى مناطق الصيد عبر نهر الحفار جنوب غربي المحافظة، في انعكاس للتغيرات التي طرأت على المجاري المائية وبيئة الأسماك.
وبالنسبة إليه، أصبح الصيد أكثر من مجرد مهنة ورثها أو مصدر دخل يومي. فهو اليوم يخوض تحدياً مع تراجع المياه، في محاولة لمعرفة مدى قدرتها على تأمين ما يكفي لإعالة أسرته.
وتلخص تجربة أبو علاء، جانباً من أزمة أوسع يواجهها قطاع الثروة السمكية في عموم البلاد. حيث تتراكم تداعيات شح المياه وتراجع مناسيب الأنهار والأهوار وتلوث المجاري المائية ونفوق الأسماك وإغلاق بعض مزارع التربية وانتشار الأمراض، بالتزامن مع دخول الأسماك المستوردة وظهور أنواع دخيلة مثل السلور أو القرموط الأفريقي.
تراجع حاد في الإنتاج
من جهته، يرى رئيس الجمعية العراقية لمنتجي الأسماك، إياد الطالبي، أن القطاع مر بتراجع حاد منذ 2018.
ويوضح في حديث صحفي أن "إنتاج البلاد كان يتجاوز 900 ألف طن في ذلك العام، بينما يقدّر الإنتاج الحالي بنحو 250 إلى 300 ألف طن".
وكانت تقديرات سابقة نقلت عن الطالبي تشير إلى أن إنتاج العراق في السنوات من 2018 إلى 2020، تجاوز مليون طن سنويا، عند احتساب إنتاج المزارع المرخصة وغير المرخصة، ما يعكس حجم التغير الذي أصاب القطاع خلال السنوات الأخيرة.
ويعزو الطالبي التراجع الحالي إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها شح المياه، وردم الأحواض غير المرخصة، ثم القرارات المتعلقة بإغلاق المزارع المرخصة، فضلاً عن التلوث والأمراض والمنافسة من الأسماك المستوردة.
ويؤكد أن قرار إغلاق المزارع المرخصة الذي اتخذته الجهات المعنية على خلفية أزمة المياه، أضر بالمربين، خصوصا أن الكثير من هذه المشاريع يعمل بتراخيص رسمية ويدفع الرسوم المستحقة.
وبحسب الطالبي، فإن "مشكلة المزارع لا تتعلق بالمياه فقط، إنما أيضاً بطريقة الانتقال إلى نماذج إنتاج جديدة. فالمزارع التي تضم أسماكا لا يمكن إفراغها خلال أيام أو أسابيع، لأن دورة الإنتاج تحتاج إلى شهور. بينما يؤدي الإغلاق المفاجئ إلى دفع المربين لتسويق الأسماك بصورة مكثفة، الأمر الذي يضغط على الأسعار ويهدد جدوى الاستثمار".
الأنظمة المغلقة
كانت وزارة الموارد المائية قد اتجهت إلى إلزام أصحاب المزارع بالتحول إلى الأنظمة المغلقة، التي تعيد تدوير المياه وتستهلك كميات أقل منها، في محاولة للتكيف مع أزمة الجفاف.
وتشير الوزارة، إلى أن هذا النموذج أكثر كفاءة في استخدام المياه، وهو توجه تتبعه دول تواجه شحاً مائياً، كما شهدت السنوات الماضية حملات لإزالة أحواض سمكية غير مرخصة في إطار سياسة ترشيد استخدام المياه.
لكن الطالبي يرى أن الانتقال يجب أن يكون تدريجياً ومدعوماً، وليس عبر إغلاق المشاريع القائمة من دون توفير بدائل كافية أو تعويضات، مشيرا إلى أن كلفة إنتاج كيلوغرام السمك تصل إلى نحو 5 آلاف دينار، بينما تدخل أسماك الكارب المستوردة إلى السوق بأسعار تقارب 3 آلاف دينار للكيلوغرام، ما يجعل المنتج المحلي عاجزاً عن المنافسة.
ويضيف أن بعض الأسماك المستوردة تدخل حية وبكميات كبيرة، معتبراً أن استمرار ذلك يضعف قدرة المربي العراقي على الصمود. ووفقا للطالبي فإن مشاريع تربية الأسماك تعرّضت أيضا إلى مشكلات مرضية، منها فيروس الهربس، الذي تسبب في نفوق نسب مرتفعة من الإنتاج، في ظل غياب الدعم الكافي للمنتجين وعدم توفير اللقاحات اللازمة، محذرا من أن استمرار هذه الظروف لا يهدد أصحاب المزارع وحدهم، بل يمتد إلى العمال والصيادين وسلسلة واسعة من المهن المرتبطة بالقطاع، من النقل والتجارة إلى المطاعم.
بين الجفاف والتلوّث
تعتمد الأسماك العراقية على شبكة مائية واسعة تشمل دجلة والفرات والأهوار، فيما تشكل الأنواع المحلية مثل البني والقطان والشبوط جزءاً من المخزون الطبيعي والتراث الغذائي للبلاد.
لكن هذه البيئة تعرضت خلال السنوات الأخيرة لضغوط متزامنة من الجفاف والتلوث وانخفاض مناسيب المياه. ففي آب الفائت تكررت مشاهد نفوق الأسماك في قناة العمشان بمحافظة ميسان، وسط روايات محلية تربط الحادثة بانخفاض الإطلاقات المائية ونقص الأوكسجين الذائب.
ولا تبدو حادثة العمشان منفصلة عن سلسلة أوسع. فقد حذر مرصد "العراق الأخضر" من تحول نفوق الأسماك إلى ظاهرة متكررة، مشيراً إلى حوادث سابقة في الفرات وهور الدلمج ونهر العز في ميسان وهور ابن نجم في النجف.
وفي نيسان الماضي قال المرصد أن أكثر من ألف طن من الأسماك نفقت في دجلة ونهر ديالى، مرجعا الحادثة إلى تلوث حاد بمخلفات الصرف الصحي والصناعي، تزامن مع زيادة الإطلاقات المائية التي جرفت ملوثات متراكمة باتجاه دجلة.
ما إجراءات الحكومة؟!
في مواجهة هذه التحديات، يشير المتحدث باسم وزارة الزراعة قصي الحطاب، إلى ان الوزارة وضعت خطة لدعم الثروة السمكية، وإنها تتابع المخاطر المرتبطة بشح المياه والأنواع الغازية والصيد الجائر.
ويلفت في حديث صحفي إلى أن دائرة الثروة الحيوانية نفذت خطة لإطلاق الإصبعيات والكفيات والأسماك حديثة الفقس في الأنهار والمسطحات والمبازل، بهدف دعم المخزون السمكي.
وبحسب الوزارة، فقد بلغت الإطلاقات خلال الموسم الحالي 155 مليون سمكة، مقارنة بنحو 95 مليوناً في الموسم السابق. وتشمل الإطلاقات أصناف الكارب العشبي والفضي والاعتيادي، إلى جانب الأصناف العراقية مثل الكطان والبني والشبوط.
ولا تقتصر الخطة على الإطلاقات - وفق الحطاب - إذ تعمل فرق جوالة من الاختصاصيين في دائرة الثروة الحيوانية، على متابعة المشكلات وتحديد مواقعها باستخدام أجهزة تحديد المواقع الجغرافية، بهدف تطويقها ومعالجتها.
ويؤكد الحطاب أن الوزارة تتابع أيضاً الصيد الجائر والممارسات المخالفة. فيما ينوّه إلى أن الوزارة ترى أن الواقع السمكي في البلاد "جيد".
خطر الأصناف الغازية
لكن جهود إطلاق الأسماك المحلية تواجه مشكلة أخرى تتمثل في الأصناف الغازية. ففي السنوات الأخيرة ظهر القرموط أو السلور الأفريقي في عدد من المسطحات المائية، وأثار انتشاره مخاوف بيئية بسبب قدرته على التكيف مع ظروف مائية صعبة وافتراسه الأسماك الأصغر.
وأشارت تقارير محلية إلى تسجيل هذا الصنف في دجلة. فيما تتحدث تقديرات ميدانية عن انتشاره في مناطق من ميسان وذي قار والبصرة.
وتتمتع هذه السمكة بقدرة على تحمل نقص الأوكسجين والعيش في ظروف مائية متدهورة. كما أنها شرهة ومرنة غذائياً وقادرة على التكاثر والانتشار بسرعة، وهي خصائص تجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة.