في العمر الذي يُفترض أن تحمل فيه الفتاة حقيبتها المدرسية وتحفظ دروسها، كانت سارة تتلقى تعليمات مختلفة تمامًا: اتركي المدرسة واستعدي للزواج. لم تكن تعرف يومها ماذا يعني أن تصبح زوجة، ولا حجم المسؤوليات التي تنتظرها، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا: أنها لن تعود إلى مقعدها الدراسي. أُغلقت دفاترها قبل أن تكتمل، وتبدلت أحلام الطفولة بمسؤوليات بيت لم تختره.
هذه ليست قصة سارة وحدها، فنساء كثيرات يحملن اليوم آثار قرار اتُّخذ نيابةً عنهن في سنوات مبكرة، حين انتصرت اعتبارات العائلة والتقاليد والظروف الاقتصادية على حق الفتاة في مواصلة تعليمها واختيار مستقبلها.
"كنت أريد أن أكمل دراستي"
تروي المواطنة سارة محمد، التي تزوجت في الرابعة عشرة من عمرها، أنها كانت تحب المدرسة وتتطلع إلى إكمال تعليمها، لكن قرار والدها كان حاسمًا. فتقول لـ"طريق الشعب": "لم يسألني أحد إذا كنت أريد الزواج. كنت أسمعهم يتحدثون عن الموضوع وكأنه شيء انتهى، وكل ما كان مطلوبًا مني أن أوافق". وتضيف أن أصعب لحظة بقيت في ذاكرتها كانت يوم ذهبت إلى المدرسة للمرة الأخيرة: "كنت أعرف أنني لن أعود. صديقاتي كنّ يتحدثن عن الدراسة والجامعة، وأنا كنت أفكر بقرار الزواج".
بعد الزواج، بدأت المسؤوليات تتراكم عليها سريعًا، لتجد نفسها أمام حياة أكبر من عمرها: "في البداية كنت أظن أن الزواج يعني أن يكون لدي بيت وزوج فقط، لكنني اكتشفت أن هناك مسؤوليات كثيرة. وبعد أن أصبحت أمًّا، لم يعد لدي وقت حتى لأفكر في الدراسة".
حقيبة مدرسية مغلقة وأحلام معلقة
أما ترك المدرسة بالنسبة للمواطنة أميرة فالح، ذات الـ46 عامًا، والتي خضعت مؤخرًا لعملية استئصال الرحم، لم يكن خيارًا. "كنت في الصف الثاني المتوسط، وكنت المتفوقة على زميلاتي في المدرسة. تفاجأت بعد عودتي إلى البيت بحديث أخي، الذي يكبرني بعشرة أعوام، عن رغبة أخ زوجته في الزواج مني، على الرغم من أنه يكبرني بعشرين عامًا. أخي فرض موقفه على أمي وأبي، وبعدها بدأت العائلة بالتحضير لمراسم الزواج التي لم تستغرق سوى شهرين".
وتذكر في حديثها لـ"طريق الشعب": "لم أكن أملك القرار. كانوا يقولون إن الزواج مصلحة لي وإنني سأعيش حياة أفضل، ولم يكن مسموحًا لي أن أقول إنني أريد إكمال الدراسة".
تستعيد أميرة سنواتها الأولى في الزواج قائلة: "كنت صغيرة جدًا، كنت أرى بنات بعمري يذهبن إلى المدرسة، وأشعر أنني مختلفة عنهن. كنت أريد أن أكون مثلهن، لكنني لم أستطع". ومع مرور السنوات، لم يختفِ شعورها بالخسارة. تقول: "أكثر شيء يؤلمني أنني لم أحصل على فرصة. ربما لو أكملت دراستي لكان لدي عمل وحياة مختلفة. لا أعرف ماذا كان سيحدث، لكن على الأقل كنت أريد أن أجرب".
وبخصوص عملية استئصال الرحم، تفيد: "لم تكن حالتي مستعصية، فالعلاج متوفر، ولكني لا أمتلك الإمكانيات المادية لشراء العلاج الذي يشفي حالتي، لذلك فضّلت العمل كخبازة إلى أن جمعت مبلغ العملية وأجريتها على مسؤوليتي، لكون زوجي الآن كبيرًا في العمر ويعاني من أمراض مزمنة وجالسًا طوال الوقت في البيت".
حين يصبح الفقر سببًا في تغيير مصير الفتاة
في بعض الحالات، لا يأتي الزواج المبكر منفصلًا عن الظروف الاقتصادية الصعبة. فالأسر التي تعاني من الفقر قد ترى في تزويج الفتاة وسيلة لتخفيف الأعباء المعيشية أو ضمان مستقبلها، بينما تكون الفتاة الطرف الأقل قدرة على الاعتراض.
لكن هذا الخيار قد ينقل العبء من الأسرة إلى الفتاة نفسها، التي تجد بعد الزواج مسؤوليات اقتصادية وأسرية جديدة، مع فرص محدودة للتعليم والعمل.
وبهذا الصدد تقول المواطنة هدى سامي، وهي أم لثلاثة أبناء: "أهلي كانوا يعتقدون أن الزواج سيحميني من الفقر، لكنهم لم يفكروا في أنني سأكبر وأنا بلا شهادة وبلا عمل. عندما أصبحت لدي عائلة، أصبحت المسؤولية أكبر". وتحاول هدى اليوم ألا تتكرر تجربتها مع بناتها، قائلة: "أنا خسرت دراستي، ولا أريد أن تخسر بناتي الشيء نفسه. أريدهن أن يكملن تعليمهن، وأن يكون القرار بشأن حياتهن بأيديهن".
ندم لا ينتهي مع مرور السنوات
ما يجمع شهادات هؤلاء النساء ليس فقط تجربة الزواج المبكر، وإنما الشعور بأن قرارًا مصيريًا اتُّخذ في مرحلة لم يكن لديهن فيها الوعي أو القدرة على الدفاع عن اختياراتهن.
وتكشف هذه التجارب أن مواجهة الزواج المبكر لا تتعلق فقط بمنع الفتاة من الزواج في عمر صغير، وإنما بمعالجة الظروف التي تدفع الأسرة إلى اتخاذ هذا القرار، وفي مقدمتها الفقر، والتسرب المدرسي، والنظرة التقليدية إلى دور المرأة، وضعف الوعي بأهمية التعليم.
فالفتاة التي تُجبر على ترك المدرسة لا تخسر عامًا دراسيًا أو مرحلة تعليمية فحسب، بل قد تخسر سلسلة كاملة من الفرص التي كان يمكن أن تقودها إلى الجامعة والعمل والاستقلال الاقتصادي.