اخر الاخبار

خلال السنوات الأخيرة، ازداد انتشار ظاهرة تدخين منتجات التبغ بين طلبة المدارس، ومنهم ممن لم يصلوا بعد إلى مرحلة المراهقة، ما دفع إدارات مدرسية عديدة إلى اتخاذ إجراءات مشددة تصل إلى تكرار تفتيش حقائب الطلبة وملابسهم خلال أوقات الدوام، فضلا عما تخوضه الأسر من معارك يومية مع أبنائها، لحمايتهم من هذه الآفة الخطيرة على الصحة.

ولعبت السجائر الإلكترونية دورا رئيسا في تنامي هذه الظاهرة واستقطاب صغار السن، نظرا لسهولة إخفائها في الحقائب والملابس بفضل أشكالها الشبيهة بالأدوات المدرسية، إضافة إلى تنوع نكهاتها، وهو ما شجّع الكثيرين من الطلبة على تجربتها وتداولها داخل الأروقة المدرسية بعيدا عن أعين المراقبة.

ورغم عدم وجود أرقام رسمية حديثة تكشف عن حجم الظاهرة، إلا أن مسحا ميدانيا أجرته منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع وزارة الصحة العراقية في عام 2019، شمل 2560 طالباً من الفئة العمرية بين 13 و15 سنة (مرحلة المتوسطة)، أظهر أن 15.7 في المائة من هؤلاء الطلبة كانوا يستخدمون أحد منتجات التبغ. ولم يقف المسح عند السجائر التقليدية. إذ أظهر أن 7.5 في المائة من الطلبة كانوا يدخنون السجائر الإلكترونية. وكثيرا ما يُحذّر اختصاصيون وأطباء من خطورة التدخين على الصغار ودوره الكبير في استنزاف صحتهم. إذ يؤكدون أن دخول النيكوتين إلى أجساد لم تصل بعد إلى مرحلة النضج تترتب عليه عواقب صحية وخيمة قصيرة وبعيدة المدى، مشيرين إلى أن التدخين في سن مبكرة يهاجم الجهاز التنفسي والقلب في طور النمو، ويتسبب في ضعف كفاءة الرئتين، فضلا عن تأثيره المباشر على الخلايا العصبية والتركيز الذهني، ما يهدد بظهور أمراض مزمنة في عمر مبكر ويحول الصغار إلى ضحايا لإدمان يستنزف طاقاتهم الجسدية والعقلية.

نسبة الطلبة المدخنين أعلى من المُعلن!

في حديث صحفي، يرى المرشد التربوي علي حسين، أن نسبة الطلبة المدخنين التي كشف عنها مسح منظمة الصحة، تبدو متواضعة، معتقدا أن "نسبة مدخني السجائر التقليدية بين طلبة الثانوية قد تصل إلى 30 في المائة، فضلاً عن انتشار تدخين السجائر الإلكترونية والأراكيل التقليدية".

ويوضح أنه "إذا ما أردنا حصر نسبة المدخنين بين طلبة المدارس، بما يشمل السجائر العادية والإلكترونية والأراكيل، فإن النسبة قد تصل إلى نحو 60 في المائة في بعض المدارس"!

معركة يومية

في ظل هذه الأرقام الخطيرة، تؤكد عائلات أن مواجهة تدخين الأطفال أصبحت معركة يومية، تبدأ عادة بمراقبة السلوكيات والأصدقاء، وتنتهي بفرض قيود على حركة الأبناء، في محاولة لمنع تجربة التدخين التي قد تتحول لاحقا إلى عادة.

في هذا الصدد يقول عمر جاسم، وهو أب لثلاثة أبناء تبلغ أعمارهم 10 و12 و16 سنة، انه اكتشف أن ابنه الأكبر يدخن السجائر الإلكترونية والأركيلة، مبيناً في حديث صحفي أن "المشكلة لم تكن في خطورة التدخين وحده، بل في الخوف من أن يكون بداية لسلوكيات يصعب السيطرة عليها لاحقاً".

ويضيف جاسم قائلا: "اضطررت إلى مراقبة جميع أولادي، وفرضت عليهم نوعاً من الحصار. فإذا أراد أحدهم الخروج من المنزل يجب أن يكون مع أحد أفراد العائلة الكبار. لن أنتظر حتى تتطور المشكلة، خصوصاً أن أزمات عديدة نشاهدها حالياً سببها سلوك الشباب والمراهقين الطائشين".

فيما يقول المواطن فيصل الجواري، انه اتخذ قراراً أكثر صعوبة قبل عامين، عندما ترك الحي الشعبي الذي عاش فيه سنوات طويلة وسط بغداد، وانتقل إلى حي بعيد نسبياً، خوفاً على مستقبل ولديه اللذين يبلغان 14 و15 سنة.

ويوضح في حديث صحفي أنه "بالرغم من أن أولادي ولدوا في ذلك الحي، وعاشوا سنوات عمرهم الأولى فيه، إلا أنني قررت الانتقال. القرار لم يكن سهلاً، لكن انتشار التدخين بين الشباب والمراهقين في حيّنا القديم  جعلني أشعر أنه لم يعد بيئة مناسبة لتربية أطفالي. إذ كنت أخشى أن يقود الانخراط المبكر في التدخين إلى سلوكيات أخطر، مثل إدمان المخدرات"!

عائلات تستسلم أمام نزوات أبنائها

يُنبّه مراقبون إلى تحول خطير في تعاطي بعض الأسر مع المشكلة، يتمثل في استسلام عائلات لنزوات أبنائها المدخنين تحت ذريعة الخوف عليهم من رفاق السوء. حيث تضطر هذه العائلات إلى السماح للأبناء بالتدخين داخل المنزل وتوفير أجوائه لهم، ظنا منها أن حصر الممارسة داخل البيت أهون من لجوئهم إلى المقاهي والشارع، وهو ما يراه اختصاصيون تشجيعا غير مباشر يرسخ سلوك الإدمان لدى الصغار بدلا من معالجته.

ومثال على ذلك ما اتخذته الأرملة جنان كريم من إجراء للتعامل مع المشكلة منذ اكتشافها ان ابنها البكر البالغ 17 سنة، يدخن السجائر الإلكترونية والاركيلة التقليدية منذ نحو عامين، وأنه ينفق جزءاً كبيراً من مصروفه على شراء التبغ.

تقول في حديث صحفي: "بدأت التركيز على بناء السلوك الجيد لدى أولادي، ومنعهم من بناء صداقات مع أشخاص أشك في سلوكياتهم. ابني الأكبر مجتهد في دراسته، وهذه أكثر نقطة تجعلني حائرة. هو ليس ابناً سيئاً، لكنني أخاف عليه من التدخين، لأنه لا يزال صغيراً، وأخشى أن يؤثر ذلك في صحته ومستقبله".

وتضيف قائلة: "حاولت كثيراً منعه من التدخين، وحين لم تنفع محاولاتي، لجأت إلى توفير جو مناسب لتدخين الأركيلة في المنزل، ليس تشجيعاً له، إنما هدفي أن لا يجبره التدخين على قضاء وقت طويل في المقاهي، وإهمال دراسته. هو حالياً يركز على دراسته بينما يدخن الأركيلة داخل غرفته. كان هذا هو الحل الأنسب، وقد نصحني به عمه الذي عاش مع ابنه تجربة مماثلة".

التدخين الجاذب

من جانبها، تشير الباحثة الاجتماعية زهراء العامري، إلى أن المحيط يؤثر كثيراً في سلوك الأطفال والمراهقين، والبيئة الاجتماعية المحلية باتت تغزوها ظواهر غريبة ودخيلة، من بينها ما يمكن أن يُطلق عليه "التدخين الجاذب"، المتمثل في السجائر الإلكترونية والأراكيل.

وتوضح في حديث صحفي أن "السجائر الإلكترونية رائحتها زكية، ومطعمة بنكهات، ولا تترك رائحة كريهة مثل السجائر العادية، ما يجعلها جاذبة للصغار والمراهقين، والحال نفسه بالنسبة إلى الأراكيل. فطريقة تحضيرها وشكلها ونكهتها تجذبهم، ونشهد جميعاً الانتشار الكبير للمقاهي التي تقدم الأراكيل في مختلف أنحاء البلاد، ما يشجع الصغار على تجربتها".

معجبون بالسجائر!

في المقابل، يقول جعفر عامر (17 سنة)، أن سبب تدخينه هو إعجابه بالسجائر، فضلاً عن محاولة التشبه بالكبار أو تقليدهم. لكنه يضيف سبباً آخر، هو "الضغوط النفسية"، مشيراً إلى أنه ترك المدرسة مبكراً من أجل العمل لمساعدة عائلته، ويعمل حالياً في مجال ميكانيك السيارات، وقد اكتسب مهارة مهنية يفخر بها. وهو يربط بين تدخينه والظروف التي يعيشها، إضافة إلى مقارنته نفسه بأقرانه الذين يراهم يعيشون ظروفاً أفضل.

ويرى عامر أن "التدخين بالنسبة ليّ مجرد وسيلة للهرب من الضغوط النفسية".

أما عبد الله أنور (15 سنة)، فيقول انه بدأ برفقة أصدقائه تدخين السجائر الإلكترونية والأراكيل قبل عام، وحينها دفعه الفضول إلى التجربة، لكن التجربة لم تتوقف عند السيجارة الأولى، بل تحولت إلى عادة متكررة.

ويتابع قائلا: "غالبية أصدقائي يدخنون أيضاً، لكننا لسنا أشخاصاً سيئين. نذهب إلى المدرسة، ونحترم الآخرين، ونعيش حياتنا بشكل طبيعي. التدخين بالنسبة لنا مجرد أمر اعتدناه".