اخر الاخبار

لم تعد المهن التي ارتبطت طويلاً بالرجال حكراً عليهم، إذ دفعت الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة عدداً متزايداً من النساء إلى دخول سوق العمل في مجالات مختلفة، بعضها يتطلب جهداً بدنياً كبيراً، بحثا عن مورد يعينهن على مواجهة أعباء الحياة. وبين عاملة البناء وسائقة سيارة الأجرة والنجارة، تتشابه الحكايات في جانب أساسي هو الحاجة إلى العمل والاعتماد على الذات في ظل محدودية فرص العمل وتدني مستوى الحماية الاجتماعية.

رقية: عاملة بناء من أجل إعالة سبعة أطفال

بعد وفاة زوجها إثر أزمة صحية مفاجئة، وجدت رقية فيصل نفسها أمام مسؤولية تربية سبعة أطفال من دون سند يوفر لهم احتياجاتهم الأساسية. تقول رقية لـ "طريق الشعب" إن راتب الرعاية الاجتماعية الذي تتقاضاه "لا يكفي لسد احتياجات أسرة بهذا العدد، ولا يوفر للأطفال ما يحتاجونه من غذاء وملابس ودراسة".

وتوضح أن ظروفها التعليمية أسهمت في تضييق فرص العمل أمامها، فهي لم تتمكن من إكمال دراستها وتزوجت في سن صغيرة، وتضيف "في البداية كنت أعتمد على المساعدات التي تصلني من أهلي وأقاربي، لكنني كنت أتثاقل من طلب المساعدة وأشعر بأنني أحملهم فوق طاقتهم، لذلك قررت أن أعمل بنفسي مهما كانت طبيعة العمل".

وتعمل رقية اليوم مع والدها كعاملة بناء، وتقوم بما تستطيع به من مهام، وتتقاضى أجرها مثل بقية عمال البناء. وتؤكد أن مشقة المهنة لم تمنعها من الاستمرار، لأن إعالة أطفالها أصبحت مسؤوليتها الأساسية. مشيرة إلى أن "المرأة قادرة على العمل في مختلف المجالات، حتى في المهن التي يعتقد البعض أنها صعبة عليها، فالظروف قد تجبر المرأة على القيام بأعمال لم تكن تتوقع يومًا أن تعمل بها".

ولا تبحث رقية عن امتياز خاص، بل عن فرصة عمل أكثر استقراراً، حتى لو كانت في مجال التنظيف. وتختصر طموحها بالقول: "كل ما أريده أن أستطيع تلبية احتياجات أطفالي وأن أكمل تعليمهم، لا أريد لهم أن يعيشوا الظروف التي عشتها أنا".

وتنتقد ضعف الدعم الحكومي للنساء فتذكر بأن "راتب الرعاية الاجتماعية لا يسند أسرة، والحصة التموينية بائسة، وفرص العمل للنساء قليلة، فما بالك إذا كانت المرأة غير متعلمة؟ من الذي يحتويها ويوفر لها فرصة حقيقية للعيش بكرامة"؟

علا.. خلف مقود سيارة الأجرة

أما علا فريد، كابتن في أحد تطبيقات التكسي في بغداد، فقد اختارت العمل في قيادة السيارات مستفيدة من مرونة ساعات العمل. تقول علا إن "ساعات العمل مرنة جداً، لأني أنا من تختار وقت العمل والرحلة المناسبة".

وتشير إلى أن الشركة لم تمانع عملها، بل وجدت منها الدعم والتشجيع، لكنها تواجه في المقابل عدداً من المعوقات، أبرزها تردد بعض الزبائن في الصعود إلى سيارة تقودها امرأة، فضلا عن المضايقات والمعاكسات التي تتعرض لها أحياناً.

وتوضح أن بعض الزبائن لا يثقون بقيادة المرأة للسيارة، فيما يطرح آخرون أسئلة كثيرة عن طبيعة عملها وأسباب اختيارها لهذه المهنة. كما تعمل علا في توصيل طلبات مستحضرات التجميل والملابس إلى المنازل، وتقول إن دخلها الشهري قد يصل أحيانا إلى نحو مليون ونصف المليون دينار، ما يساعدها على تلبية احتياجاتها الأساسية بعيداً عن انتظار التعيين والوعود المرتبطة به.

النجارة نور تتحدى الصورة النمطية

وفي مجال آخر، اختارت نور الجنابي مهنة النجارة، متحدية الصورة النمطية التي تحصر التعامل مع الأخشاب والورش بالرجال. وتقول إن ظروفها القاسية كانت وراء دخولها هذا المجال، بعدما صممت أثاث منزلها يدويا لعدم قدرتها على شرائه، قبل أن يتحول الأمر إلى شغف ومشروع.

وتوضح نور، وهي أم لأربعة أطفال، أنها أسست في البداية ورشة صغيرة في المنزل، ثم توسعت بعد أن لاقت أعمالها إقبالا، مؤكدة أن العمل في النجارة يحتاج إلى جهد وخبرة ودقة، لكنها تمكنت من تطوير مهاراتها وتحويل هوايتها إلى مهنة ومشروع. وتضيف قائلة "لا مستحيل، الإرادة تحقق المعجزات، وتحقيق الأحلام يبدأ من خطوة نتقدمها فتتراجع المعوقات".

وتكشف قصص رقية وعلا ونور أن دخول النساء إلى المهن غير التقليدية لا يرتبط دائما بالرغبة في كسر المألوف، بل كثيراً ما يكون استجابة مباشرة للحاجة الاقتصادية والرغبة في الاستقلال وإعالة الأسرة. وبينما تثبت هؤلاء النساء قدرتهن على العمل في مجالات مختلفة، تبقى مسؤولية توفير فرص العمل والحماية الاجتماعية والتدريب ملقاة على كاهل المؤسسات الحكومية والمجتمع، لضمان ألا تتحول الحاجة إلى العمل إلى طريق محفوف بالاستغلال والمخاطر.