لم تعد الدروس الخصوصية تقتصر على طالب يحتاج لمساعدة إضافية لفهم مادة دراسية، بل تحولت الى جزء ثابت من كلفة التعليم التي تتحملها الأسر، ومع توسع المعاهد والمنصات الالكترونية التي تقدم دروسا وخدمات تعليمية مدفوعة الثمن، بات الحصول على التعليم الاضافي مرتبطا في أحيان بقدرة الاسرة على تحمل كلفته، ما يخلق تفاوتا بين الطلبة في فرص الوصول لمصادر تعليمية إضافية.
وبين اكتظاظ الصفوف، وصعوبة بعض المناهج وتفاوت مستويات الطلبة، تجد عائلات نفسها مضطرة لتخصيص جزء من دخلها للدروس الخصوصية، فيما تتسع سوق التعليم خارج المدرسة لتشمل الدروس الحضورية والمنصات الإلكترونية، حتى باتت هذه الخدمات بالنسبة لبعض الطلبة جزءاً من مسارهم الدراسي، لا خيارا إضافيا ومع اختلاف القدرة الاقتصادية للأسر على الوصول إليها، تبرز مخاوف من أن يتحول التعليم الإضافي إلى عامل جديد يعمق الفوارق بين الطلبة ويلغي مجانية التعليم.
دروس خصوصية للأول الابتدائي!
قالت نادية قاسم، أم لولدين، ان الدروس الخصوصية أصبحت عبئا ماليا على العائلات، مبينة أنها سجلت ابنيها في دروس خصوصية، فيما دخل أحدهما السادس الإعدادي، وصار يتلقى دروسه عبر الإنترنت طوال فترة العطلة.
وأضافت لـ"طريق الشعب"، أن تكاليف الدروس ترتفع بشكل أكبر مع اقتراب الطالب من المراحل النهائية، ولا سيما السادس الإعدادي، موضحة أن "بعض الدروس قد تصل كلفتها إلى مليون دينار وأكثر، الأمر الذي يجعل الأسرة أمام مصاريف متراكمة على مدار العام. خاصة ان جميع زملاء ابني سجلوا ضمن المعاهد الخاصة، ما اجبرني أن أضع ابني أيضا، حتى لا يشعر باننا مقصرون معه".
وأوضحت أن الدروس الخصوصية لم تعد بالنسبة إلى كثير من الأسر خياراً إضافياً، وإنما أصبحت، بحسب تجربتها، جزءاً أساسياً من استعداد الطلبة للامتحانات، خصوصاً في السادس الإعدادي، الأمر الذي يفرض على العائلة تخصيص جزء كبير من دخلها لتغطية تكاليف التعليم خارج المدرسة.
وبينت أن ابنها الأصغر اضطرت الى إلحاقه بدروس خصوصية منذ الصف الأول الابتدائي، بعد ان لاحظت بحسب قولها، أنه لم يكتسب المهارات الأساسية التي كان يفترض أن يتعلمها في المدرسة، الامر الذي دفعها للاستعانة بمدرس خصوصي لتعويض ما فاته ومساعدته على متابعة المنهج.
ورأت ان اللجوء الى الدروس الخصوصية لم يعد مقتصرا على الطلبة في المراحل الدراسية النهائية بل امتد الى الصفوف الأولية، ما يضيف أعباء مالية جديدة على الأسر ويجعل الإنفاق على التعليم خارج المدرسة يبدأ في سن مبكرة.
ضعف البيئة التعليمية
تقول التربوية، هناء جبار، أن "انتشار الدروس الخصوصية لا يمكن فصله عن المشكلات التي يعانيها التعليم الحكومي، مشيرة الى ان ضعف البيئة التعليمية واكتظاظ الصفوف وصعوبة بعض المناهج وقلة الخدمات، كلها عوامل تدفع الطلبة وأسرهم إلى البحث عن بدائل خارج المدرسة".
وتضيف جبار لـ"طريق الشعب"، ان "الدروس الخصوصية تُعد من مخرجات وإفرازات سوء واقع التعليم"، مبينة أن تحميل الكوادر التربوية وحدها مسؤولية هذا الواقع، ليس دقيقا إذ تتداخل عوامل عدة في تكريس المشكلة، تبدأ من البيئة المدرسية وتنتهي بقدرة الطالب على استيعاب المادة الدراسية.
وتشير الى أن اكتظاظ الصفوف يمثل أحد ابرز التحديات، ولا سيما في المناطق الشعبية والنائية التي تعاني قلة المدارس، موضحة أن بعض الصفوف تضم أعداداً كبيرة جداً من الطلبة، تصل في بعض الحالات إلى 70 أو 90 طالبا في الصف الواحد.
وتضيف أن هذا العدد يجعل من الصعب على المدرس إيصال المادة بالشكل المطلوب، إذ يتحول جزء كبير من وقت الحصة لمحاولة إدارة الصف والتعامل مع أعداد الطلبة، بدلاً من التركيز على الشرح والمتابعة الفردية، الأمر الذي ينعكس على مستوى الفهم والتحصيل لدى الطلبة.
وتوضح جبار، أن الطالب الذي لا يحصل على الوقت الكافي لفهم المادة داخل المدرسة، يجد نفسه مضطراً إلى البحث عن دروس إضافية، سواء لدى مدرسين خصوصيين أو في المعاهد، لافتة إلى أن الأمر لا يقتصر على الطلبة الضعفاء، بل قد يشمل أحياناً المتفوقين الذين يسعون إلى تعزيز مستواهم، أو ضمان حصولهم على درجات مرتفعة.
اعباء مالية إضافية
وتجد ان هذه الحاجة تضع الأسر أمام اعباء مالية إضافية، خصوصا العائلات محدودة ومتوسطة الدخل، التي تضطر في بعض الأحيان إلى الضغط على ميزانيتها لتوفير الدروس لأبنائها، فيما تعجز أسر أخرى عن تحمل هذه التكاليف، ما يخلق تفاوتاً إضافياً في فرص الحصول على تعليم جيد.
وترى جبار أن الوضع الحالي يختلف كثيرا عن الصورة التي كان عليها التعليم سابقاً، موضحة أن المدرسة كانت تضطلع بمعظم مسؤولية التعليم، من الشرح والقراءة والكتابة والإملاء إلى حل الواجبات، بحيث يقتصر دور الطالب في المنزل على المراجعة وإنجاز بعض الواجبات البسيطة.
وتشير الى ان "الواقع اليوم مختلف تماما في ظل ضيق الوقت وكثرة العطل وارتفاع أعداد الطلبة لجانب الضغوط التي تواجه المعلمين، فضلا عن انخفاض الرواتب، وتردي الأبنية المدرسية، وارتفاع درجات الحرارة، وانقطاع الكهرباء، وتهالك البنى التحتية، وهي ظروف، بحسب رأيها، لا توفر بيئة تعليمية محفزة للمدرس أو الطالب".
وتؤكد ان المشكلة لا تتعلق بالكفاءات العلمية داخل المدارس الحكومية، مشيرة إلى أن فيها كوادر تمتلك خبرة وكفاءة، وأن المدارس الحكومية يمكن أن تكون أكثر جدية ورصانة من حيث التعليم، إلا أن هذه الكفاءات تصطدم بعوائق تتعلق بالبيئة المدرسية والإمكانات المتاحة وأعداد الطلبة وصعوبة المناهج.
وتلفت الى ان صعوبة بعض المناهج، إلى جانب الاكتظاظ، تزيد الحاجة إلى الدروس الخارجية، لأن الطالب لا يحصل، في ظل هذه الظروف، على الوقت الكافي لاستيعاب المادة داخل الصف، فيضطر إلى استكمالها في المعاهد أو لدى المدرسين الخصوصيين.
وترى جبار ان استمرار هذه الظاهرة ينعكس على التعليم الحكومي نفسه، إذ يؤدي ضعف البيئة التعليمية إلى زيادة الإقبال على التعليم الأهلي والدروس الخصوصية، بينما لا يعني الانتقال إلى المدارس الأهلية بالضرورة انتهاء المشكلة.
وتوضح ان بعض المدارس الأهلية تركز اهتمامها بصورة أكبر على المراحل المنتهية، ولا سيما المراحل التي ترتبط بالامتحانات الوزارية ونتائج الطلبة، باعتبارها مؤشراً على أداء المدرسة، فيما قد لا تحظى الصفوف غير المنتهية بالمستوى ذاته من الاهتمام، الأمر الذي يدفع بعض الطلبة مجدداً إلى الدروس الخصوصية.
وفي ما يتعلق بالمدرسين الذين يقدمون دروسا خصوصية، تشير جبار إلى وجود تعليمات رسمية تمنع المعلم من تدريس طلبته الذين يدرسهم في المدرسة بشكل خصوصي، لكنها تؤكد أن تطبيق التعليمات قد لا يكون متساوياً في جميع الحالات.
وتقول ان هناك حالات فردية قد يتحول فيها ضعف الطالب في مادة معينة إلى فرصة للاستغلال التجاري، من خلال دفعه إلى التسجيل لدى مدرس بعينه، لكنها تشدد في الوقت ذاته على عدم إمكانية تعميم هذه الحالات على جميع المعلمين، مبينة أن كثيراً من المدرسين الذين يقدمون دروساً خصوصية يدرسون طلبة من مدارس أخرى.
وتضيف ان انتشار المعاهد والدروس الخصوصية جعل التعليم الإضافي يتحول تدريجياً إلى نشاط تجاري واسع، مع توسع المعاهد وازدياد الدروس التي تقدم في المنازل، في وقت باتت فيه بعض الأسر تنظر إلى هذه الخدمات بوصفها ضرورة لضمان حصول أبنائها على المستوى التعليمي الذي لم يتمكنوا من الحصول عليه داخل المدرسة.
وتختتم جبار بالقول ان استمرار الظاهرة يرتبط بمجموعة من العوامل، أبرزها اكتظاظ الصفوف، وقلة الخدمات، وتردي البيئة المدرسية، وصعوبة بعض المناهج، مؤكدة أن معالجة الدروس الخصوصية لا تبدأ بمنعها فقط، وإنما بمعالجة الأسباب التي تدفع الطالب إليها، وفي مقدمتها ضمان حصوله على حقه في التعليم والفهم داخل المدرسة.
الظروف الاقتصادية للمدرسين
فيما تقول المدرسة نور الخفاجي ان انتشار الدروس الخصوصية يرتبط بعدة عوامل، من بينها كثافة المناهج واعداد الطلبة داخل الصفوف، واختلاف مستويات الاستيعاب بينهم، فضلا عن حاجة بعض الطلبة لوقت اضافي لفهم المواد الدراسية.
وتضيف الخفاجي لـ"طريق الشعب"، ان "بعض الطلبة اصبحوا يعتمدون على الدروس الخصوصية بشكل متزايد حتى في الحالات التي لا يعانون فيها من ضعف دراسي واضح"، مبينة ان هذا الاعتماد قد يتحول الى اعتقاد بأن النجاح او الحصول على درجات مرتفعة يتطلب بالضرورة الاستعانة بمدرس خصوصي.
وأوضحت ان الدروس الخصوصية تخلق تفاوتا بين الطلبة لان القدرة على تحمل تكاليفها تختلف من اسرة الى اخرى، ما يمنح الطلبة القادرين على دفع تكاليف التعليم الإضافي فرصة أكبر للحصول على ساعات إضافية من الشرح والمراجعة.
وبينت الخفاجي ان الظروف الاقتصادية للمدرسين تمثل عاملا اخر في توسع هذا السوق إذ يلجأ بعضهم الى التدريس خارج المدرسة لتحسين دخلهم، مؤكدة في الوقت ذاته أن الدروس الخصوصية ينبغي أن تبقى وسيلة مساندة، لا أن تتحول إلى بديل عن التعليم المدرسي. وتابعت ان معالجة الظاهرة تتطلب تحسين البيئة التعليمية داخل المدارس، وتقليل أعداد الطلبة في الصفوف، وتوفير وقت كافٍ للشرح والمراجعة، إلى جانب تحسين الظروف المعيشية للمدرسين وتوفير برامج تقوية مجانية للطلبة الذين يحتاجون إلى دعم إضافي.
وأكدت ان انتشار الدروس الخصوصية لا يرتبط بعامل واحد، وإنما هو نتيجة تداخل عوامل تعليمية واقتصادية واجتماعية، الأمر الذي يتطلب معالجة أسباب الظاهرة داخل المدرسة، بدلاً من التعامل معها بوصفها مشكلة منفصلة.