أصبحت أزمة تلوث الهواء في البلاد، مصدر خطر صحي يُداهم المواطنين في منازلهم وأماكن عملهم، وسط تعدد مصادر الانبعاثات الدخانية الضارة، من السيارات ومولدات الكهرباء والمصانع وعمليات حرق النفايات وصهر المعادن. وفي الوقت الذي تتحدث فيه الجهات البيئية عن تراجع جودة الهواء بشكل كبير، يتحدث أطباء ومواطنون عن أعراض صحية خطيرة باتت تحضر بقوة، من أمراض الحساسية والربو وتهيّج العينين والجهاز التنفسي، إلى أمراضٍ أخطر ترتبط بالتعرّض الطويل للملوّثات، ومنها الأورام السرطانية.
وكانت "منظمة آيندة" لحماية البيئة قد حذرت في أيلول الفائت من تفاقم مستويات تلوث الهواء والتهديدات البيئية في البلاد، معتبرةً أنها باتت من أبرز التحديات التي تهدد الصحة العامة والتوازن البيئي.
وذكرت أن "العراق يحتل المرتبة 166 عالميا من أصل 177 دولة، في مجال الحفاظ على البيئة". فيما لفتت إلى أن "أحد أبرز مصادر التلوث هي المصافي النفطية غير النظامية، ومولدات الكهرباء الأهلية، والنفايات والمخلّفات، وملايين السيارات، إلى جانب انبعاثات معامل الإسمنت والطابوق".
وبيّن فترة وأخرى توثق جهات بيئية ووسائل إعلام انتشار روائح الكبريت في أجواء بغداد، وسط تحذيرات من احتباس تلك الملوّثات. فيما أعلنت وزارة البيئة إبان آذار الماضي، قرب إدخال 20 محطة لمراقبة نوعية الهواء إلى الخدمة، إلى جانب إغلاق أعداد كبيرة من مصاهر المعادن المخالفة في محيط العاصمة.
ولم يعد تلوث الهواء مجرد أزمة بيئية عابرة أو سحابة دخان تتلاشى مع الرياح، إنما تحول إلى مهدد صحي يومي يتربص بأجساد المواطنين. فمع الارتفاع القياسي لمعدلات الغازات السامة، تسجل الرقابة الطبية والمستشفيات تصاعدا مقلقا في الحالات المرضية، الأمر الذي يضع حياة الملايين تحت طائلة ملاحقة بيئية قاتلة لا تستثني صغيرا أو كبيرا.
وفي مقابل ذلك، لا تزال الإجراءات الحكومية دون المستوى المطلوب. إذ توصف بالخجولة والموسمية التي لا ترتقي لحجم الكارثة الصحية المحيطة بالمواطنين. ويظهر هذا القصور جليا في عجز الجهات المعنية عن فرض قيود صارمة على الانبعاثات النفطية والمصانع ومصافي التكرير القريبة من المدن، فضلا عن غياب الاستراتيجيات الوطنية الحقيقية لتوسيع الأحزمة الخضراء وتحديث شبكات الرصد البيئي – وفقا لمراقبين يرون أن هذا التراخي المؤسساتي في إنفاذ القوانين البيئية يترك أجواء البلاد مستباحة للسموم، ويجعل الحلول الرسمية مقتصرة على التنديد والتحذير والمعاقبة الجزئية، بدلا من تفكيك مسببات التلوث بشكل تام.
تفاقم المشكلات الصحية
في حديث صحفي، يقول طبيب الأمراض الصدرية عمر النعيمي، أن "المشكلات الصحية الناجمة عن تلوث البيئة والهواء تزايدت خلال الأعوام الأخيرة"، مبينا أن "المشكلة لا تتوقف عند ضيق التنفس أو السعال المؤقّت. فالتعرّض المستمر للجسيمات الدقيقة والغازات الملوّثة يؤدّي إلى ارتفاع نسب الإصابة بتهيّج الشعب الهوائية ونوبات الربو والحساسية".
ويؤكد أطباء واختصاصيون في الأمراض التنفسية والأورام أن هواء المدن بات محملا بخليط مرعب من الجسيمات الدقيقة والغازات السامة التي تتجاوز المعايير العالمية للأمان، ما يجعله مسببا مباشرا لطفرات مرضية خطيرة.
ويلفت الأطباء إلى أن أضرار استنشاق الهواء الملوث بشكل يومي ومستمر، لا تقف عند حدود النوبات الحادة لمرضى الربو والحساسية وتهيج العينين والجهاز التنفسي فحسب، بل تتعدى ذلك إلى أضرار تراكمية خطيرة تؤدي إلى تلف الأنسجة الرئوية، وازدياد حالات الجلطات القلبية والوعائية، وصولا إلى الإصابة بالأورام الخبيثة.
دخان حرق النفايات
يسكن الموظف جواد كاظم في بغداد، قرب طريق يؤدي إلى موقع لطمر النفايات. وبسبب حرق النفايات بين فترة وأخرى، تدفع الرياح الأدخنة إلى منزله وبقية المنازل في المنطقة.
يقول في حديث صحفي أن "الدخان تسبب في إصابة بعض أفراد عائلتي بحساسية جلدية. بينما يُعاني الآخرون حساسية في الصدر ومشكلات في التنفس".
ويؤكد أن "معظم سكان المنطقة يشكون من أمراض مختلفة، ولا نعرف ماذا نفعل؟ إمكاناتنا المادية لا تسمح لنا ببيع منازلنا والانتقال إلى حيّ آخر".
فيما تقول فاطمة حسن، من سكان النهروان، انّ أسرتها اضطرّت إلى مغادرة وسط المدينة والتوجه نحو مكان قريب من المناطق الريفية، بعد أن أصبح الهواء المحيط بالمنزل مشبعاً بالدخان المنبعث من معامل صناعة الطابوق.
وتضيف في حديث صحفي قولها: "كنا نغلق النوافذ معظم الوقت، ورغم ذلك كان الدخان يدخل إلى البيت. بعض أفراد العائلة تعرّضوا لحالات تسمّم، فيما صرتُ أعاني بدوري حساسية شديدة في العين"، مشيرة إلى أن "قرار الانتقال لم يكن سهلا، خصوصاً أنّ عمل زوجي كان قريبا من المنزل، لكننا بتنا أمام خيارين، إمّا أن نبقى وسط الدخان أو نبحث عن مكانٍ آخر نستطيع أن نتنفس فيه"!
المولّدات ضرر متواصل
لا تقتصر غيوم التلوث على دخان المصانع وحرق النفايات وصهر المعادن. فهناك خطر آخر يربض فوق أسطح المنازل وفي الأزقة الضيقة، ناتج عن المولدات الأهلية التي تحولت إلى مصادر انبعاثات يومية مستمرة. وتتضاعف هذه المعاناة الإنسانية والصحية بشكل مأساوي لدى العائلات التي تقع منازلها على مسافة أمتار قليلة من هذه المولدات. إذ يجد السكان أنفسهم محاصرين داخل بيوتهم خلف نوافذ مغلقة لا تحميهم من تسلل عوادم الديزل السامة الخانقة.
في هذا الصدد، يقول فهد العياشي، الذي يقع منزله بالقرب من مولدة أهلية في بغداد، أن "دخان المولّدة بات يملأ منزلي الصغير، ما اضطرني إلى عرضه للبيع للانتقال إلى مكان آخر"، مضيفا في حديث صحفي أنه "سأخسر موقع منزلي المميّز، لكن صحة أسرتي أهمّ. فطفلتي وزوجتي أُصيبتا بأمراضٍ في الجهاز التنفسي".
روائح غريبة
لا يقتصر تلوّث الهواء على الأحياء الشعبية والمناطق الواقعة في أطراف المدن. فحتى المجمعات السكنية الحديثة لم تسلم من هذا التلوث.
عن ذلك، يقول المواطن ليث حسن، الذي يسكن في مجمع بسماية جنوبي بغداد: "احياناً نستيقظ على رائحة غريبة، ونجد أنّ الهواء في الخارج غير ملائم للتنفس"، مبيّنا أنه "في بعض الأيام نُفضل البقاء داخل الشقة، خصوصاً أنّ المجمّع يوفّر الكهرباء بصورة مستمرة، ما يتيح لنا تشغيل أجهزة التكييف وتنقية الهواء".
وكان مرصد "العراق الأخضر" المعني بالبيئة، قد حذّر في وقت سابق من تصدّر مجمّع بسماية مناطق ومدن البلاد بنسب تلوّث الهواء، مشيرا في بيان صحفي إلى أن "مدينة بسماية كان يمكن لها أن تكون من المدن الجديدة والنظيفة والنموذجية، كونها بعيدة عن صخب وازدحامات العاصمة، إلا أن آفة التلوث لاحقتها بسبب قربها من معامل الطابوق، فضلاً عن مقالع النفايات التي تحيط بها والتي تتعرض للحرق بشكل دائم".
سماء سوداء!
ومن محافظة البصرة، بؤرة التلوث النفطي، يقول المواطن ميثم المنصوري، الذي يسكن قريبا من أحد الحقول النفطية، ان عائلته تعيش تحت سماء سوداء لا يتغيّر لونها، بفعل غازات الشعلات النفطية المنبعثة ليلا ونهارا.
ويضيف في حديث صحفي قائلا: "لقد تحول هذا الدخان إلى شريك إجباري يتغلغل في تفاصيل حياتنا اليومية. لم يعد يمر أسبوع دون أن أراجع المستشفى بأحد أطفالي بسبب اختناقات حادة أو نوبات ربو مفاجئة تداهمهم وهم نيام، حتى حالات تهيج العينين والحساسية الجلدية المزمنة باتت علامة مسجلة على وجوه أفراد عائلتي".
ويتابع المنصوري قائلا أن "الطامة الكبرى هي الرعب اليومي الذي نعيشه من شبح السرطان الذي بات يجتاح أقاربنا وجيراننا واحداً تلو الآخر.. إننا ندفع ضريبة إنتاج النفط من صحة وأجساد أولادنا دون أي إجراء بيئي أو صحي ينقذنا من هذا الموت البطيء"!