لم تعد أجور العاملات ذوات الدخل المحدود تكفي لتأمين الاحتياجات الأساسية لأسرهن، بعدما تسببت موجة ارتفاع الأسعار في زيادة الأعباء المعيشية، لتجد كثيرات أنفسهن أمام خيارات صعبة بين توفير الغذاء ودفع أجور النقل وشراء مستلزمات الأطفال. ومع قرار رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي، اتسعت الفجوة بين الدخول المحدودة ومتطلبات الحياة اليومية، فيما بقيت الأجور على حالها، من دون اتخاذ إجراءات تحمي القوة الشرائية للعاملات.
دخل محدود واحتياجات متزايدة
تتحمل العاملات بأجور منخفضة جانبًا كبيرًا من هذه التداعيات، ولا سيما العاملات في التنظيف والخدمات والمحال التجارية والأعمال اليومية، إذ لا تتيح الأجور المحدودة مجالًا واسعًا للادخار أو مواجهة الطوارئ.
وتزداد المعاناة لدى النساء اللواتي يُعلنّ أطفالًا أو يساهمن في إعالة أسرهن، إذ يتعين عليهن توزيع الدخل المحدود بين الغذاء والسكن والنقل والعلاج ومستلزمات الدراسة، في وقت ترتفع فيه تكلفة هذه المتطلبات بوتيرة تفوق حتى قدرة الأجور على مواكبتها، إذا ما توفرت فرصة لتعديلها قليلاً.
شهادات من واقع العاملات
تقول عاملة التنظيف سعاد محمد: "أتقاضى راتبًا شهريًا قدره 300 ألف دينار، وأعمل طوال اليوم حتى أستطيع توفير احتياجات البيت، لكن إجراءات تخفيض سعر العملة الوطنية رفعت الأسعار بصورة عامة، بينما يبقى أجري كما هو. عندما أذهب إلى السوق، أجد أن المبلغ الذي كان يكفيني لشراء احتياجات عدة أيام لم يعد يكفي إلا لجزء منها. صرت أحسب ثمن كل مادة قبل شرائها، وأحيانا أضطر إلى ترك بعض الأشياء التي تحتاجها الأسرة".
وتضيف: "المشكلة أن المصاريف لا تتوقف عند الطعام، فهناك أجور النقل والكهرباء والماء واحتياجات الأطفال. نحن لا نطلب المستحيل، بل نريد أجرًا يكفينا للعيش بكرامة".
بدورها، تقول سارة إبراهيم لـ"طريق الشعب" إن "ارتفاع الأسعار جاء بالتزامن مع بداية العام الدراسي الجديد، في وقت عجزت فيه وزارة التربية عن توفير حتى الكتب المدرسية للتلاميذ، الأمر الذي أثقل كاهل أغلب العوائل".
وتفيد: "أنا أم لأربعة أبناء في مراحل دراسية مختلفة، وأعمل في القطاع الخاص مقابل أجر شهري قدره 600 ألف دينار، بالكاد يكفي لسد المتطلبات المنزلية". وترى أن "المسؤولين لا يقدمون أي شكل من أشكال الخدمات للمواطنين، فهم فقط يبدعون في سرقة المال العام، ولا شيء يُذكر لمصلحة البلاد وأمن المواطن".
من جانبها، تتحدث المواطنة أزهار جمال لـ"طريق الشعب" عن أن "الحكومة تتحدث عن دعم أسعار الهايبر ماركت بعد إجراءات رفع سعر الدولار أمام الدينار، على الرغم من أن هذه المراكز التجارية تبيع المواد بأسعار تقل بنحو 250 دينارًا فقط عن أسعار السوق المحلية". وتوضح أن "كيلو البطاطا يباع في السوق التجارية بسعر 2000 دينار، فيما يُباع في الهايبر ماركت بسعر 1750 دينارًا، كما أن هذه المراكز التجارية غير متوفرة في جميع المناطق".
وتقول المواطنة نغم محمد إنها تتقاضى راتبًا شهريًا قدره 500 ألف دينار عن عملها في أحد المراكز التجارية، كما أنها تعاني من مرض السكري من الدرجة الأولى.
وتفيد في هذا الخصوص: "إن الكثير من أصحاب الصيدليات والتجار استغلوا إجراءات رفع سعر الدولار أمام الدينار لرفع الأسعار، رغم التوجيهات الحكومية بعدم رفع أسعار العلاجات، إلا أن ضعف الرقابة جعل الكثير من السماسرة يستغلون واقع الحال، فأول المتضررين من كل ذلك هم المواطنون من أصحاب الدخل المحدود".
حماية العاملات مسؤولية حكومية
وأخيراً، فإن مواجهة هذه الأزمة تتطلب إجراءات تتجاوز الدعوات العامة إلى ترشيد الاستهلاك. فالعاملات ذوات الأجور المحدودة لا يمتلكن مساحة واسعة لتقليص الإنفاق، لأن معظم مصروفاتهن ترتبط باحتياجات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.
ومن الضروري تشديد الرقابة على الأسواق ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار، إلى جانب مراجعة الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، وتعزيز الحماية الاجتماعية للعاملات في القطاعات الهشة، وضمان تطبيق قانون العمل على نحو يحمي حقوقهن في الأجر وساعات العمل والضمان الاجتماعي. كما أن توسيع خدمات الصحة والتعليم والنقل العام يخفف جانبًا من الأعباء التي تتحملها الأسر من دخولها المحدودة.