اخر الاخبار

مع إني قابلتُها مرتين أو ثلاثًا، إلا إني دأبتُ على متابعة كتابات السيدة لطفية الدليمي بحرص وشغف بالغين منذ أن قرأتُ مجموعتها القصصية (موسيقى صوفية) منذ ثلاثة عقود تقريبًا، وطوال الأعوام التالية شرعتُ أقتني كتبها المؤلفة والمترجمة. ومنذ البداية استأثرت السيدة الدليمي باهتمامي لا ككاتبة أو مترجمة فقط بل كإنسانة نبيلة، مفعمة بالأمل والحيوية والمحبة، والثقة بالمستقبل، وكمدافعة عنيدة عن الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص، وداعية إلى نبذ العنف السياسي والطائفي، والوقوف ضد الحروب البربرية التي لا يجني منها البشر إلا الدمار بكلّ صنوفه.

كنتُ شبهتها في مقالة سابقة نُشرت في مجلة (الأقلام) العراقية، العدد الثاني، 2026، بكونها "جندية المعرفة". نعم، كانت جندية بكلّ معنى الكلمة، جندية مزوّدة بكلّ الأسلحة الضرورية لها كإنسانة، وكأنثى، وكأُمّ، وكمثقفة عضوية، وكثائرة، هي التي دافعت عن القيم الإنسانية السامية، وعن الحريات الشخصية، ومنها، بالطبع، حرية الرأي، والانتماء الفكري والسياسي، مع أنها في سنواتها الأخيرة لم تعد تنتمي إلا إلى أولئك النخبة من العابرين إلى الأفق الإنساني البعيد عن الأحقاد، والضغائن بشتى أنواعها وأساليبها ومظاهرها. كما دافعت عن حياة كريمة للبشر، لا يعكر صفوها حُبّ المال، ولا اللهاث وراء الشهرة والسلطة ولا تخزين السلع ولا اقتناء المجوهرات ولا الاستحواذ على عقارات الآخرين من دون وجه حق، كما يفعل بعض ساستنا المتنفذين الآن.  

واليوم، أُحب التوكيد على لقب "الثائرة" أو "المتمردة"؛ هي التي شاءت بملء إرادتها أن تعصي الوصايا، وتتمرد على الثوابت والمسلّمات، وتمزق قيود الولاءات السياسية، والدينية، والاجتماعية. ومن هنا تكتسب كتاباتها بُعدًا استثنائيًا جديدًا، لم يكن واضحًا جدًا في بداية مسيرتها الأدبية. وكأني بها تردد ما قاله فلاديمير ماياكوفيسكي: لنضع السوط بيد الله، علّه يُحرضنا على الثورة".

وهنا لا بد لي أن أُشير إلى حقيقةٍ تكشفت لي في السنوات الأخيرة من حياة عزيزتنا، وملهمتنا السيدة المحتفى بها اليوم، (لطفية الدليمي)، وهي أنها توفرت على قدرة هائلة في تحفيز الجماهير وتحريضهم على الثورة، والاحتجاج على الظلم والتعسف ومصادرة الحريات. وأنا، هنا، أتذكر ما قاله ألبير كامو: " ليس النضال هو الذي يدفعنا إلى أن نكون فنانين ، بل أنّ الفن هو الذي يفرض علينا أن نكون مناضلين".

لم تكن لطفية الدليمي كاتبًة ومترجمة حسب بل كانت نموذجًا فريدًا في المثابرة والدأب، وقيمًة معرفيًة وأخلاقية، وعنوانًا للتوازن والعقلانية، جمعت بين عمق الفكر ونبل السلوك، وسمو الروح، وكان حضورُها الأدبي والمعرفي لافتًا بكلّ المقاييس، وبالأخص في العقود الثلاثة الأخيرة من حياتِها، ومصدرَ إلهامٍ لكلّ الكُتّاب والمترجمين الجادين في العراق والعالَم العربي؛ وما زَرَعته في نفوس القراء والقارئات من حكمة واستبصار وانفتاح سيبقى حيًا يتردد صداه في عقول وقلوب هذا الجيل والأجيال القادمة..

كان من بين أهداف السيدة الدليمي الأدبية والمعرفية أن تزحزح الأفكار المتكلّسة في ذهن المتلّقي، وأن تصحح الانطباعات التي رسخّها أو روّج لها الإعلام المُضاد، أو حاول أشخاص، أو منظمات، أو جهات إعلامية أو ثقافية أن يطمسوها أو يمحوها من ذاكرة القارئ، أو سعوا جاهدين إلى التخلّص من كلّ ما من شأنه أن ينوّر المتلقي ويزوده بالمعارف والأفكار الخلاّقة، وتدعو قراءها، وأنا منهم، إلى تغيير سلوكه في ظل الثورة التكنولوجية والمعلوماتية في القرن الحادي والعشرين.

أجل، كانت السيدة لطفية تضيءُ عالَمنا بنور معرفتِها، ونور محبتِها في آن، من دون أن نشعر أنها تتفضّل علينا بهما، بل تتبرع بهما انطلاقًا من شخصيتها المُحِبة للسلام والخير، و"شغفها العقلي الذي تحفزه دافعية ذاتية"، ومحاولاتها المخلصة في ملامسة آفاق حاضِرنا ومستقبلِنا، و"مساءلة روح العصر"، كما تقول في مقدمة كتابها المُترجَم "روحُ عصرنا: تنويعات معرفية في عالم مُشتبك".

كانت تُجهِد دماغها إلى أقصى حدّ، كي تقدّم شيئًا نافعًا لنا، كي تُلهِمنا، كي تفجّر فينا كلّ الأحاسيس الجميلة، وكلّ الأفكار الخلاقة، والنبيلة، والمفعمة بالمحبة والإيثار. ومع أنّ الحياة الصعبة، الحافلة بالخسارات، قد آلمتها وعذبّتها، لكنها لم تُحبِطها، أو تضعف عزيمتها وإرادتها. لم تعرف اليأس يومًا، ولا حتى الهزيمة أو الانكسار، ولم يكن ردّها الوحيد على ذلك كلّه سوى المزيد والمزيد من العمل الإبداعي، لأنه إذا انتهى بك الحال في منحدَر زلِق لا يمكنك أن تتوقف، وتستسلم، بخاصة إذا كانت عزيمتُك متقدة، وروحُك متمردة، كما هو الحال مع "جنديّة المعرفة"، التي آمنت بقول ناظم حكمت الشهير: "إذا لم أحترق أنا، وتحترق أنتَ، ونحترق نحن، فكيف ينبثق من هذي الظلمات نور؟"

كانت الدليمي مستعدة دومًا للتغلّب على العقبات، وعلى كلّ ما ينغصّ حياتها، وكانت حيويتها تحرّضها على الانتاج، وتشعر دومًا أنّ ما تحققه هو في نهاية المطاف هديتُها للقراء، والكُتاب الناشئين، للمجتمع، وللحياة الاجتماعية، مع إنها كفت عن الانخراط في الأنشطة الاجتماعية في العقدين الأخيرين من حياتها، إلا إنها كانت تتابع عن كثب تفاصيل حياة العراقيين، لكنها كانت تنأى بنفسها عن العداوات والتحيّزات الشخصية واللاعقلانية، وظلت منهمكًة في مشروعها الفكري والمعرفي والتنويري من دون أن تلتفت للوراء، ساعيًة أبدًا إلى البحث عن هويتها التي لا تُشبه هويات الآخرين، وعن ضالتها المنشودة، وإذا ما شغلها شاغلٌ ما برهًة من الزمن تعاود البحث عنه مرارًا وتكرارًا، "من دون حاجة إلى تبرير عملها، أو تبرير تركيزها عليه بل وحتى تبرير شغفها به"، إذا جاز لنا أن نحوّر قليلًا كلمات أناييس نن، في مقالتها "عن الحقيقة والواقع"، في كتاب "تقديرًا للرجل الرهيف، ومقالات أخرى". وهي، إلى ذلك، تتحلّى بـ "إرادة السعادة"، وهذا عنوان كتاب لأوتو رانك، الذي عملت معه نن؛ هو الذي كان معالجًا نفسيًا. ترسخت كلماتُه التي دوّنها في كتابه هذا في عقل الكاتبة الفرنسية ــــ الأمريكية. ونحن نشعر الآن أنّ السيدة الدليمي تمتلك تلك "الإرادة الخلاقة" التي تحدث عنها رانك في كتابه آنف الذكر، ومثلما ألهمت كلماتُه أناييس نن، كانت الكاتبة العراقية من دون علم منها، أو ربما بعلمِها، تُلهِمها هي أيضًا، وتُلهمنا نحن أيضًا، نحن القلة القليلة من الكتاب العراقيين والعرب؛ وربما كانت السيدة الدليمي أكثرنا عنادًا، وأكثرنا إصرارًا، وأكثرنا عصيانًا للوصايا، وهذا، كما لا يخفى عنكم، عنوان أحد كتبها المميزة، والأثيرة لديّ.

حين تزورها في مقر إقامتها بالعاصمة الأردنية، عمّان، هي التي تجاوزت سن الثمانين، تلمس مقدار تواضعها وأدبها الجم، إلى درجة أنك تهمس في سرّك: كم هو جميل هذا التواضع لدى المبدعين الحقيقيين! تستقبلك مُرّحبًة وعلى ثغرها تلك البسمة المشرقة غير المتكلّفة. وفضلًا عن ذلك تكتشف أنها لا تمشي مشيًة متيبسًة أو واهنة، فتقدّم العمر لم يحرمها من المرونة والرشاقة، ولا قلّل من أناقتِها التي تعوّدت عليها منذ سني شبابها المبكر، كما أنّ بلوغها هذا السن لم يمنعها من أن تحرث في أرضٍ بكر، جديدة، في كلّ مرة، فيتفتق ذهنها المتقد، وخيالها الخصب، والمتدفق عن مكتشفات جديدة، عن رؤى وأفكار وتجارب لم يسبقها إليها إلا القلّة القليلة من مثقفينا وكُتابنا العراقيين والعرب. تنجز كلّ ذلك بإيقاعٍ طبيعي، غير مرتبك، وغير مُتسرّع، ولا يغلّفه الغموض الذي يتباهى به بعض كُتّابنا المتحذلقين، إلى درجة أننا نتساءل كيف امتلكت هذه السيدة العراقية كلّ هذه الحيوية والنشاط البالغين لتتجاوز الطاقة الطبيعية للإنسان، بحيث نشعر في كلّ مرة أنها "تأخذنا إلى مروجٍ ذهبية تغتسل بنور الشمس، وبعضها يتوهج بالندى، أو بماء الشلال"، إذا جاز لنا أن نقتبس من أناييس نن، هذا الوصف الساحر في معرض حديثها عن زيارةٍ قامت بها لجزيرة بالي.

إن كلّ ما تبتغيه الدليمي هو أن تعيد اكتشاف ذاتها، إنها تُريد أن تكون إنسانة مختلفة. بوسعنا دومًا أن نكون أناسًا مختلفين، وأن نحوّل ذاتنا من حال إلى حال، أن نعيش بصورة أفضل مما نحن عليه الآن. وكانت الروايات التي تكتبها بمنزلة تعبير عن إحساسها بالتضامن مع النسوة المُعذبات، المحرومات من الحب والحنان وفرص العمل. الروايات تعمق إحساسنا بالألم، وتنمي فينا الشعور بالرأفة. إنها باختصار "تكافح الجفاف العاطفي الذي تعاني منه أعداد غفيرة من البشر"، بحسب تعبير سوزان سونتاج. وفضلًا عن ذلك تضخ الكاتبة في ثنايا عملها الروائي معلوماتٍ وافيًة وغزيرًة في التاريخ، والجغرافيا، وعلم الاجتماع، والفيزياء، والاقتصاد، والسياسة، والأساطير، والخرافات، والملاحم، والأمثال، والأغاني، والأشعار، وسواها ؛ وهذا ما فعلته لطفية الدليمي في روايتها الضخمة الموسومة (عشاق وفونوغراف وأزمنة) الصادرة في العام 2016، وفعله، أيضًا، الكاتب البنغلاديشي ضياء حيدر رحمن في روايته الفذة التي يبلغ عدد صفحاتها بالإنكليزية نحو خمس مئة صفحة " في ضوء ما نعرفه  In the light of what we know "، الصادرة في العام 2014. بحيث إننا نشعر أنّ الفكر الإنساني لا حدود له، فالشعر يمتزج بالسياسة، والفلسفة بالرياضيات، والاقتصاد بالحب الجارف، والأساطير بفن النجارة والديكور الداخلي، والخيال بالواقع، والجغرافية بالأنثروبولوجيا. والاثنان الدليمي ورحمن يضعان اقتباسات لكتاب وشعراء وباحثين وعلماء في مطلع كلّ فصل من فصول روايتيهما الآسرتين. ولدى قراءتنا رواية الدليمي المذكورة آنفًا نجد اقتباسات من النفري، وإبن عربي، وقسطنطين كفافي، وجلال الدين الرومي، وأخوان الصفا، ونيكوس كازنتزاكي، وجوزيه ساراماغو، وحافظ الشيرازي، وبرتراند رسل، وأرنستو ساباتو، وإبن عطاء الصوفي، وهيراقليطس، وأمين معلوف، وبابلو بيكاسو، وسواهم.

تقول السيدة لطفية الدليمي، في مقالة لها بعنوان "الإبداع والنسوية والنقد": "بعد عقود من ممارسة الكتابة السردية في القصة والرواية أجد أن هناك شحنة حيوية متدفقة في لغتي انبثقت من منطقة وعيي بذاتي الإنسانية ورؤيتي للعالم من وجهة نظر (ذات محمولات معرفية وفكرية) وليست نسائية مجردة، وأجدني أقف في منطقة لا تفترض تناقضًا عدوانيًّا مع الرجال كما تفعل النسويات المُتطرفات. واجهت المشهد الثقافي بخبرة نضال اجتماعي مبكر، ثم بشغف الأداء الإبداعي والمثابرة والبحث المعرفي ".

لطفية الدليمي، شأنها شأن كتاب وكاتبات قرأتُ لهم، وترجمتُ لهم، وتأثرتُ بهم، "تمتاز بقدرة فريدة على تحليل العالم، وعلى مهاجمة السلطة، وعلى تقديم الكائن البشري. كانت هي الأفضل في تحيزها للإنسان، وفي آرائها الصائبة، وفي حجم أعمالها وجودتها، وقوتها في الوصول إلى قلوب القراء لأنها تتميز بالشفقة والعاطفة".

وطالما وجدتُ قواسم مشتركة عديدة بينها وبين كتاب وكاتبات كثيرين، من بينهم الروائية والناشطة في مجال حقوق الإنسان الهندية أرونداتي روي، والبرتغالي جوزيه ساراماغو، هذا الكاتب الرائع الذي ينتقد العالم المعاصر لأن همه الرئيسي الظهور والهيمنة. وتُنتهك فيه حقوق الإنسان باستمرار وبلا هوادة، وبات الناس يعيشون كي يتاجروا ويصادروا حقوق الآخرين ، وتختفي القيم الإنسانية شيئًا فشيئًا.

هذا الكاتب نفسه، الذي ظل ملتزمًا بانتمائه للحزب الشيوعي البرتغالي، طوال سنوات حياته حتى وفاته في 2010، هو الذي كتب في رواية (العمى)، على لسان أحد أبطالها الذين شاء أن يجردهم من أسمائهم: "إن لم يكنْ بوسعنا أن نحيا كبشر بكلّ معنى الكلمة ، في الأقل دعونا نفعل كلَّ ما نقدر عليه كي لا نعيش كحيوانات بكلّ معنى الكلمة".

لقد أدانت السيدة لطفية الدليمي الشركات الرأسمالية، وتسخيرها التكنولوجيا لشن الحروب، وحذرت من مستقبل يُختزل فيها الإنسان إلى مادة للاستغلال، وتتحول فيه الحضارة إلى سلعةٍ معروضة للبيع والشراء، كما شجبت النزعة الاستهلاكية التي اجتاحت عالمنا المعاصر، ودفعت الناس إلى شراء وتكديس سلع ليسوا بحاجة إليها في حقيقة الأمر.

أما اليوم، في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، وفي خضم هذه الأزمات السياسية المحلية والإقليمية المتفاقمة، وعلى الرغم من كلّ هذا الألم الفظيع الذي يجتاحنا يوميًا، فنحن       العراقيين، أبناء وادي الرافدين، لن نظل مكتوفي الأيدي، ولن نستسلم طالما أنّ بلادنا تنجب باستمرار مبدعين ومبدعات، على غرار لطفية الدليمي، يحفزوننا، ويُلهموننا، ويسعدوننا، وينوروننا، ويخلخلون قناعاتنا القديمة، المتكلّسة، وستظل شخصيتُها النبيلة، ومواقفها الجريئة، موشومًة في ذاكرتنا، ومتجذرًة في وعينا، وراسخًة في ضمائرنا. واسمحوا لي، أنا، علي عبد الأمير صالح، أن أخاطبها هنا، في حدائق أبي نؤاس، وأثناء مهرجان (طريق الشعب) الحادي عشر، صباح السبت الحادي والثلاثون من تشرين الأول/ أكتوبر 2026: "سيدة لطفية، أنتِ لا تزالين حية ... إنكِ تعيشين بيننا. وإذا لم يعرفك بعضُ القراء العراقيين والعرب حتى الآن؛ فسوف يعرفونك لاحقًا. اطمئني، ولا تقلقي؛ "كتاباتك الثرّة، المُلهِمة، سيأتي وقتها، كما النبيذ المعتّق"، إذا جاز لي أن أحوّر قليلًا قول الشاعرة الروسية مارينا تسفيتاييفا.

ــــــــــــــــــــــ

* اكاديمي وكاتب