اخر الاخبار

لم تعد الأنهار في العراق مجاري مائية طبيعية، إنما تحولت في كثير من مناطق البلاد إلى مساحات مفتوحة لتصريف المجاري والمخلفات الصناعية والصحية غير المعالجة. يأتي ذلك في ظل ضعف منظومات الرقابة البيئية وتهالك البنى التحتية، ما يثير مخاوف متصاعدة بشأن الأمنين الصحي والبيئي لملايين العراقيين، في وقت تبدو فيه أزمة المياه المتفاقمة في البلاد، بلا معالجات جادة.

وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت شكاوى سكان محافظات عدة، إضافة إلى ناشطين بيئيين، من تدهور نوعية المياه، وتصاعد الروائح الكريهة منها، فضلا عن نفوق أعداد كبيرة من الأسماك، بالتوازي مع ارتفاع ملحوظ في معدلات الإصابة بالأمراض المعوية والجلدية، لا سيما في المناطق القريبة من مجاري الأنهار التي تستقبل مخلفات المستشفيات والمصانع وشبكات الصرف الصحي.

وتشير تقارير بيئية محلية ودولية إلى أن نسب التلوث في بعض المجاري المائية العراقية تجاوزت المستويات البيئية الآمنة كثيرا، نتيجة تصريف المياه الثقيلة غير المعالجة، فضلاً عن رمي المخلفات البلدية مباشرة في الأنهار. ويؤكد اختصاصيون أن جزءاً كبيراً من هذه الملوثات يحمل طابعاً كيميائياً وجرثومياً خطيراً، يصعب احتواؤه في ظل عدم توافر محطات معالجة فعّالة.

مركز حقوق الإنسان يُحذّر

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق، حذّر الأسبوع الماضي في بيان صحفي، من أن "استمرار رمي المخلفات الصناعية والصحية ومياه الصرف الصحي غير المعالجة في الأنهار العراقية رفع نسب التلوث في بعض المجاري المائية لتتجاوز المستويات البيئية الآمنة بنسبة تتراوح بين 70 و80 في المائة، نتيجة تصريف المياه الثقيلة غير المعالجة القادمة من المصانع والمستشفيات والمرافق الخدمية، فضلاً عن المخلفات البلدية التي تُلقى مباشرة في الأنهار دون معالجة أولية".

وأكدت تقارير بيئية وطنية ودولية - حسب البيان، أن أكثر من 60 في المائة من الملوثات المطروحة في الأنهار مصدرها أنشطة صناعية وصحية، وانها غير خاضعة للمعالجة الفعلية.

ورأى المركز أن "معالجة هذا الملف تتطلب مقاربة وطنية شاملة، تبدأ بإصلاح منظومة الرقابة البيئية، وتفعيل القوانين النافذة، وربط منح الرخص الصناعية والطبية بوجود منظومات معالجة فعّالة ومعتمدة، فضلاً عن تعزيز الشفافية في نشر البيانات البيئية أمام الرأي العام".

ونبّه الى أن "استمرار هذا الواقع يُعد انتهاكًا صريحًا للحق في الصحة والبيئة النظيفة الذي كفلته الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، كما يُنذر بتفاقم الأعباء الاقتصادية على الدولة نتيجة ارتفاع تكاليف العلاج وتراجع الإنتاج الزراعي وتلوث مصادر المياه".

أعباء على النظام الصحي

من الجانب الصحي، يحذر اختصاصيون من أن استمرار تلوث المياه يفاقم الأعباء على النظام الصحي في البلاد.

وفي هذا الصدد يوضح الطبيب الاستشاري في الصحة العامة، د. محمود الجنابي، أن "التلوث المائي يرتبط بشكل مباشر بزيادة حالات الإسهال الشديد، والتيفوئيد، والأمراض الجلدية والتنفسية، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن".

ويضيف في حديث صحفي أن "علامات الإصابة لا تظهر فوراً فحسب، بل تتراكم آثارها الصحية على المديين المتوسط والبعيد"، مشيرا إلى أن "كلفة معالجة هذه الأمراض تفوق بكثير كلفة الاستثمار في إنشاء وتشغيل محطات معالجة متكاملة".

ويحذّر الجنابي من أن "الإهمال الحالي سيدفع ثمنه المواطن والدولة معاً".

وتعد بغداد ومحافظات البصرة وذي قار وبابل وديالى من أكثر المناطق تضرراً، بفعل الكثافة السكانية المرتفعة، وتمركز الأنشطة الصناعية والطبية، فضلاً عن تهالك شبكات الصرف الصحي. وتضاعفت المخاطر مع انتقال الملوثات عبر مجاري الأنهار من محافظة إلى أخرى، ما يجعل الأزمة عابرة للحدود الإدارية ومسؤولية وطنية مشتركة.

ويواجه قطاع الصرف الصحي في العراق تحديات جمة. فعلى الرغم من الاستثمارات التي شهدتها البنية التحتية الحضرية الأساسية خلال السنوات الأخيرة، لا يزال معظم مدن البلاد يفتقر إلى شبكات صرف صحي كافية، أو مرافق معالجة لمياه المجاري. أما بالنسبة للتلوث الصناعي. فقد أفاد تقرير حكومي صدر عن هيأة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية عام 2023، بأن معظم المنشآت الصناعية العراقية القديمة، التي شُيّدت في النصف الثاني من القرن العشرين، لا تفي بالمعايير البيئية لإدارة النفايات السائلة. حيث تُصرّف هذه النفايات، التي غالبًا ما تكون مُحمّلة بملوثات خطرة، بشكل روتيني مباشرةً في المجاري المائية أو شبكات الصرف الصحي العامة دون معالجة، أو بمعالجة جزئية، أو بمعالجة كاملة لكن في أنظمة غير فعّالة.

ماذا عن التشريعات البيئية؟!

رغم وجود تشريعات بيئية عراقية تنظم تصريف المخلفات، يرى مراقبون أن المشكلة تكمن في ضعف التطبيق والرقابة.

يقول الناشط البيئي علي اللامي أن "الخلل ليس في نقص القوانين، بل في غياب إدارة جادة تُفعّلها. إذ تُمنح رخص تشغيل لمرافق صناعية وصحية من دون التأكد من امتلاكها منظومات معالجة فعّالة".

ويضيف في حديث صحفي قوله أن "الأنهار تُستخدم حالياً مصبات مفتوحة للنفايات السائلة من دون أي معالجة حقيقية، وهو ما يحول المياه من مورد طبيعي إلى مصدر تهديد دائم للصحة العامة والبيئة"، محذرا من "استمرار إهمال هذا الملف من دون معالجات حكومية، لما يشكله من مخاطر جسيمة تستدعي تحركاً عاجلاً".

ويجري كل ذلك في بلد يواجه أساساً تحديات شح المياه وتغير المناخ. ويبدو أن استمرار التعامل مع الأنهار بوصفها مصبات مفتوحة للنفايات خيار مكلف وخطير، لا سيما مع غياب المعالجات الحكومية الجدية، رغم التحذيرات المتكررة من الخبراء والجهات الحقوقية.