اخر الاخبار

في بلد يعتمد اقتصاده بشكل شبه كلي على النفط، تتقاطع عوائد الثروة مع أثمان بيئية وصحية متصاعدة، تزداد حدّتها في المحافظات المنتجة، ولا سيما في الجنوب. 

ومع تسجيل نسب مرتفعة لانبعاثات الكربون وحرق واسع للغاز المصاحب، يبرز ملف التلوث بوصفه أحد أخطر التحديات المؤجلة، وسط تحذيرات خبراء وباحثين من أن استمرار السياسات الحالية، يقوض فرص التنمية والاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.

الاعلى من حيث الكثافة

 وأظهرت بيانات حديثة صادرة عن بلومبيرغ، أن العراق سجّل أعلى كثافة للانبعاثات الكربونية المصاحبة لإنتاج النفط في منطقة الشرق الأوسط خلال العام 2024.

ووفقاً لهذه البيانات، فإن كثافة الانبعاثات في البلاد وصلت الى نحو (56.2) كغم من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل برميل نفط مكافئ.

تحديات هيكلية كبيرة

وفي هذا الصدد، قال رئيس مؤسسة الحقوق الخضراء، فلاح الأميري، أن تسجيل نسبة انبعاثات كربونية تبلغ 56.2 كغم لكل برميل نفط مكافئ، يعكس الواقع البيئي والتقني لعمليات استخراج وإنتاج النفط في العراق، ولا سيما في ظل اعتماد البلاد شبه الكامل على الصناعة النفطية لتمويل الموازنة العامة.

وأضاف الأميري في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن هذه النسبة "تُستخدم معياراً أساسياً في قياس كثافة انبعاثات الكربون على مستوى الشرق الأوسط والإقليم، وتقدم دلالات مباشرة على أوضاع الصحة العامة والتنمية والاقتصاد"، لافتاً إلى أن العراق "رغم كونه بلداً غنياً بالموارد، يواجه تحديات هيكلية كبيرة في قطاعه النفطي الحيوي".

وبيّن أن كثافة الانبعاثات "تختلف من دولة إلى أخرى تبعاً للبنى التحتية والتقنيات المعتمدة في الاستخراج والإنتاج، حيث تعتمد بعض الدول تقنيات حديثة عالية الكفاءة ومعالجات بيئية متقدمة، فيما لا تزال عمليات الإنتاج في العراق تعتمد في كثير من الأحيان على أساليب تقليدية وقديمة، تفتقر إلى المعالجات السليمة، للحد من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون والغازات المصاحبة الأخرى، مثل أكاسيد الكبريت والميثان، الذي يُعد من أكثر الغازات تأثيراً في التغير المناخي".

وفي ما يتعلق بالتغير المناخي، شدد الأميري على أن "العراق يقاسي من التأثيرات البيئية من جفاف ونقص في المياه وتراجع الغطاء الأخضر، لكنه لا يُعد من الدول الأعلى تهديداً على المستوى العالمي، بل هو جزء من منظومة دولية أوسع، نفطية وغير نفطية، تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في انبعاث الغازات الدفيئة، وعلى رأسها ثاني أوكسيد الكربونة".

وأشار إلى أن محافظة البصرة "تمثل المركز الرئيس لإنتاج النفط والغاز في العراق، تليها كركوك، ثم محافظتي ذي قار وميسان"، مبيناً أن "أنشطة الحقول النفطية، ومحطات التكرير، وحرق الغاز، ولا سيما في مناطق الرميلة الشمالية والجنوبية وحقول مجنون، تسهم في انبعاث ملوثات لا تقتصر على ثاني أوكسيد الكربون، انما تشمل الجسيمات الدقيقة التي تؤدي إلى تدهور واضح في جودة الهواء".

ولفت إلى أن الآثار الصحية لهذه الانبعاثات باتت واضحة، و"تشمل أمراض الجهاز التنفسي، وتساقط الشعر، إضافة إلى آثار أعمق مثل التغيرات الجينية، وحالات الإجهاض، والفشل الكلوي، وانتشار السرطانات بأنواعها المختلفة، بما فيها اللوكيميا"، مؤكداً "وجود علاقة طردية بين ارتفاع نسب الانبعاثات وتردي جودة الهواء وزيادة الأمراض".

وأوضح أن "تقليل حرق الغاز والاستفادة من نواتج الاستخراج النفطي من شأنه أن ينعكس إيجاباً على الصحة العامة والبيئة، ويسهم في تحسين الظروف الزراعية وتوفير المياه، بما يحد من التغير المناخي، ويقلل من المشكلات الاجتماعية والنزاعات العشائرية، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الأمني وتعزيز جاذبية الاستثمار المحلي والأجنبي".

وانتقد الأميري "ضعف الإطار التنظيمي وغياب التشريعات والحوافز الرادعة للحد من التلوث"، معتبراً أن "اعتماد العراق على اقتصاد ريعي أحادي جعل هذه القضايا تُصنّف ضمن الأولويات الثانوية، ولا سيما في ظل الأزمة المالية".

واكد أن "هذه المقاربة خاطئة، وأن السياسة الأجدى تتمثل في تحويل التحديات البيئية إلى فرص اقتصادية عبر استثمار الكربون والغاز المصاحب وتعظيم الإيرادات العامة".

ودعا الأميري إلى "استثمار الغاز المصاحب في توليد الطاقة الكهربائية، لا سيما مع تفاقم أزمة الكهرباء في البلاد"، مشدداً على أهمية "المزج بين قطاعي الطاقة والوقود، وفتح المجال أمام استثمارات جديدة، بما فيها الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لتحويل الانبعاثات والغازات إلى مصادر طاقة منتجة". واقترح المتحدث "دمج وزارتي النفط والكهرباء تحت مسمى وزارة الطاقة خلال الدورة البرلمانية الحالية"، معتبراً هذا الخيار "الأكثر فاعلية للعراق، إذ يسمح بإدارة الموارد الطبيعية ضمن سلة مالية واحدة، وتحويل نقاط الضعف إلى نقاط قوة دون الحاجة إلى تشريعات صارمة قد تزيد الضغط على الاقتصاد". وأوضح أن "تجارب دول أخرى أثبتت نجاح هذا النموذج في تحويل قطاع الطاقة من عبء استهلاكي متذبذب إلى قطاع منتج يعظم الإيرادات، ويخفض كلفة الطاقة على المواطنين، محققاً مستويات أعلى من الرفاه". وختم الأميري بالتأكيد على ضرورة "مواكبة التحولات العالمية في التكنولوجيا والطاقة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والتمويل الرقمي"، مشدداً على أن الاستثمار في اقتصاد الطاقة يمثل فرصة استراتيجية حقيقية لإعادة توجيه المسار الاقتصادي للعراق في المرحلة المقبلة.

بحاجة لمراجعة جذرية

من جانبه، قال الباحث في الشأن البيئي محمد رشيد، ان استمرار العراق في الاعتماد على أساليب إنتاج قديمة وحرق واسع للغاز المصاحب يمثل هدراً مزدوجاً، اقتصادياً وبيئياً، إذ تتحول الثروة الوطنية إلى مصدر تلوث وأعباء صحية، بدلاً من أن تكون رافعة للتنمية المستدامة.

وذكر رشيد في حديث لـ "طريق الشعب"، أن "المشكلة لا تكمن في كون العراق دولة نفطية، وانما بغياب التخطيط الاستراتيجي الذي يربط بين الإنتاج النفطي وحماية البيئة والصحة العامة". وانتقد الخبير البيئي ما وصفه بالتعامل التجزيئي مع ملف الانبعاثات، معتبراً أن "السياسات الحالية تركز على تعظيم الإنتاج والإيرادات قصيرة الأمد، مقابل إهمال الكلف طويلة الأمد التي تتحملها المدن المنتجة، وفي مقدمتها البصرة، من تردي جودة الهواء وانتشار الأمراض وتدهور الموارد الطبيعية".

وزاد بالقول أن "ربط الانبعاثات العالية فقط بالتغير المناخي العالمي يُعد تبسيطاً مضللاً، لأن الأثر الأخطر يظهر محلياً، عبر الضغط المتزايد على النظام الصحي، واستنزاف المياه، وتراجع الإنتاج الزراعي، ما يفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية ويقوض فرص الاستقرار".

وشدد على أن "غياب تشريعات بيئية فاعلة، وضعف الرقابة على الشركات العاملة في القطاع النفطي، يعكسان خللاً في أولويات الدولة، حيث تُقدَّم الإيرادات النفطية على حساب صحة السكان وحقوق الأجيال المقبلة"، محذراً من أن "كلفة المعالجة المستقبلية ستكون أعلى بكثير من كلفة الوقاية الحالية".

وواصل حديثه أن العراق بحاجة إلى "مراجعة جذرية لسياساته في ملف الطاقة، تقوم على تقليل الانبعاثات، واستثمار الغاز المصاحب، وربط قطاع الطاقة بمؤشرات الصحة والتنمية"، مؤكداً أن "أي حديث عن إصلاح اقتصادي أو جذب استثمارات سيبقى فاقداً للمصداقية ما لم يُقترن بإصلاح بيئي حقيقي يعالج جذور المشكلة لا نتائجها".

تراخٍ حكومي

الى ذلك، أكد رئيس مرصد العراق الأخضر، عمر عبد اللطيف، أن حرق الغاز المصاحب في الحقول النفطية، ولا سيما في محافظات البصرة وذي قار وميسان، يشكّل خطراً بيئياً وصحياً حقيقياً، ولا يمكن التقليل من آثاره، مشيراً إلى أن الارتباط بين الشعلات الغازية وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض، بما فيها السرطانات، بات واضحاً على المديين المتوسط والبعيد. وقال عبد اللطيف في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن التأثيرات الصحية "لا تقتصر على حالات الغثيان والاختناق واضطرابات الجهاز التنفسي، انما تمتد إلى التسمم المزمن والإصابة بالأورام وتضرر التربية بسبب الأمطار الحامضية وتدهور البيئة الزراعية"، مؤكداً أن "محافظة البصرة تتحمل العبء الأكبر من هذه الانبعاثات بحكم تمركز أغلب الحقول النفطية فيها".

وأشار إلى أن المشكلة الأساسية "تكمن في استمرار حرق الغاز المصاحب، نتيجة ضعف الفصل والمعالجة"، لافتاً إلى أن "العراق بدأ منذ سنوات بخطط لاستثمار الغاز وتقليل الشعلات، إلا أن هذه الخطط ما تزال غير مكتملة ولم تُنفذ ضمن جداول زمنية صارمة".وبيّن أن مستويات حرق الغاز "شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، قد يصل إلى 60–70 بالمئة في بعض الحقول، بفضل عمل شركات استثمار الغاز مثل شركة غاز البصرة وشركات أخرى، إلا أن هذا التقدم ما يزال دون المستوى المطلوب مقارنة بدول نفطية نجحت في إنهاء الشعلات الغازية بشكل شبه كامل".

وانتقد عبد اللطيف ما وصفه بالتراخي الحكومي في "الالتزام بالمواعيد المعلنة لإنهاء حرق الغاز"، مشيراً إلى أن "الحكومة سبق أن حددت عام 2028 موعداً لحسم هذا الملف، لكن من دون ضمانات واضحة أو إجراءات ملزمة، رغم ما تعانيه المحافظات الجنوبية من أعباء بيئية وصحية متراكمة".

وشدد على أن "استمرار حرق الغاز يمثل خسارة مزدوجة، إذ يحرم البلاد من مصدر طاقة مهم يمكن استثماره في توليد الكهرباء وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وفي الوقت ذاته يفاقم التلوث ويضر بالإنسان والزراعة والموارد الطبيعية".

وخلص الى التأكيد على ضرورة "التعامل مع عام 2028 بوصفه موعداً غير قابل للتأجيل"، متمنيا ان يكون هناك "عمل حكومي مستمر وجاد لإنهاء حرق الغاز داخلياً واستثماره محلياً وتصدير الفائض مستقبلاً، واي تأخير إضافي يعني تعميق الأزمة البيئية والصحية في الجنوب، ودفع السكان ثمناً لا مبرر له".