تشهد البلاد تصاعداً مقلقاً في وتيرة التضييق على حرية التعبير، وسط مؤشرات متزايدة على توظيف الأدوات القانونية والأمنية، لمعاقبة الرأي والنشاط الحقوقي والنقد السياسي، في مشهد يعكس تراجعاً خطيراً عن الضمانات الدستورية التي كفلها القانون؛ فبين ملاحقات قضائية، وأحكام بالسجن، وإعادة فتح ملفات أُغلقت سابقاً، تتكشف ملامح نمط متكرر يستهدف الأصوات الناقدة والصحفيين والناشطين، ويعيد إلى الواجهة مخاوف حقيقية من تقويض الفضاء الديمقراطي وتكميم الأفواه تحت ذرائع قانونية فضفاضة.
تقارير وتحذيرات أطلقتها منظمات حقوقية وشخصيات إعلامية وسياسية، تكشف أن ما يجري لم يعد حالات فردية معزولة، وامتد ليصبح نهجاً متصاعداً يهدد حرية التعبير، ويقوّض دور الإعلام والمجتمع المدني، في وقت يُفترض فيه أن تكون الدولة حاميةً لهذا الحق لا خصماً له
انتهاكات جسيمة وتضييق متزايد
في هذا الصدد، قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن التطورات الأخيرة في البلاد تكشف عن مسار مقلق يتجه نحو تضييق متزايد على حرية التعبير، عبر استخدام أدوات قانونية وإدارية لمعاقبة الرأي السلمي، والنشاط الحقوقي، والنقد الوظيفي، والمواقف السياسية، في مؤشر واضح على تراجع خطير في الضمانات الدستورية للحريات العامة.
واضاف المرصد أن هذه القضايا، على اختلاف أطرافها وسياقاتها، لا يمكن التعامل معها كحوادث منفصلة أو استثنائية، بل تشكّل بمجملها نمطاً متكرراً يعكس خللاً بنيوياً في كيفية فهم وتطبيق حرية التعبير داخل مؤسسات الدولة، وفي العلاقة بين السلطة والرأي العام، حيث يجري الانتقال تدريجياً من حماية الرأي إلى معاقبته.
ففي محافظة البصرة، وثّق المرصد توقيف مدير مركز العراق لحقوق الإنسان، علي العبادي، بعد مراجعته جهاز الأمن الوطني، حيث جرى إبلاغه بوجود مذكرة قبض بحقه وفق المادة (433) من قانون العقوبات العراقي.
وبحسب إفادة منسوبة له، فإن الدعوى المقدّمة ضده تعود إلى لواء 41 التابع لهيئة الحشد الشعبي، على خلفية تداول مناشدة لشخص ادّعى تعرّضه للتعذيب. ويؤكد العبادي أن القضية كانت قد أُغلقت قانونياً منذ شباط 2025، قبل أن يُعاد تحريكها لاحقاً دون الإعلان عن أسباب قضائية جديدة أو وقائع مستجدة.
ولفت المرصد إلى أن إعادة فتح قضايا سبق حسمها تمسّ أحد أهم مبادئ العدالة الجنائية، وهو مبدأ استقرار المراكز القانونية، الذي يُفترض أن يوفّر للأفراد حماية من الملاحقة المتكررة عن الفعل ذاته.
كما نوه الى أن استخدام المادة (433)، الخاصة بالسبّ والقذف، في سياقات تتعلق بنقل ادعاءات عن تعذيب أو انتهاكات محتملة، يثير إشكاليات قانونية جسيمة، خصوصاً أن المعايير الدولية لحقوق الإنسان تشدد على أن التعبير المتعلق بالشأن العام يجب أن يتمتع بحماية معززة، وأن أي نزاع بشأنه ينبغي أن يُنظر فيه – إن وُجد – ضمن المسار المدني لا الجزائي.
تجريم الرأي السياسي
وفي بغداد، اتخذ ملف حرية التعبير، بحسب المرصد، بعداً قضائياً أكثر وضوحاً، مع صدور حكم بالسجن ثلاث سنوات بحق الأكاديمي ضياء العزاوي وزميله سنان الشمري، على خلفية بيان عبّرا فيه عن مواقف سياسية تتعلق باستعادة السيادة ورفض التدخل الخارجي.
واكد أن هذا الحكم أثار قلقاً لما يحمله من دلالات تتعلق بتجريم الرأي السياسي، وغياب الخط الفاصل بين التعبير المكفول دستورياً وبين الأفعال التي يمكن أن تُعد جرائم وفق القانون.
وحذر المرصد من أن استمرار هذا النهج لا يضر فقط بالأفراد المتأثرين مباشرة بهذه الإجراءات، بل ينعكس على المجتمع ككل، من خلال إضعاف دور المجتمع المدني، وتقييد النقاش العام، وإفراغ الفضاء الوظيفي والإعلامي من أي نقد بنّاء، بما يقوّض أسس أي مسار ديمقراطي حقيقي.
وخلص الى التأكيد على أن حرية التعبير ليست امتيازاً تمنحه السلطة متى شاءت، بل حق أصيل للمواطن، وأن المساس بها عبر القضاء أو الإدارة يُعد مؤشراً خطيراً على تراجع سيادة القانون، ورسالة سلبية للمجتمع مفادها أن التعبير قد يُقابل بالعقاب بدل الحماية.
صمت مطبق إزاء الانتهاكات
من جانبه، أكد رئيس مركز رؤية بغداد، محمود النجار، أن حالة الصمت المطبق إزاء الانتهاكات المتواصلة بحق الصحفيين خصوصاً أو بشكل عام في العراق تعود إلى جملة من العوامل المتشابكة، في مقدمتها الخوف المتراكم نتيجة القمع المستمر، سواء من جهات رسمية تتحدث باسم الدولة والقانون.
وقال النجار في حديث لـ"طريق الشعب"، أن هذا الواقع "دفع العديد من الصحفيين إلى التراجع عن أداء دورهم المهني، بل إن بعضهم اضطر إلى اعتزال العمل الصحفي بالكامل، فيما تحول آخرون من صحفيين استقصائيين يكشفون الملفات الحساسة إلى ناقلي أخبار فقط"، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة "قد تشمل ما بين 70 إلى 80 في المائة من الصحفيين في العراق، خصوصاً بعد تصاعد الانتهاكات منذ عام 2003، وصولًا إلى أحداث تشرين 2019، وما تبعها من تمدد نفوذ الجماعات المسلحة وسيطرتها على مفاصل الدولة".
وأضاف النجار أن العامل الثاني "يتمثل بضعف المؤسسات الرقابية والقانونية التي يُفترض أن تحمي الصحفيين، مثل هيئة الإعلام والاتصالات، ونقابة الصحفيين، وبعض الجهات القضائية"، مؤكدًا أن "الصحفي حين يتعرض للتهديد أو الاعتقال التعسفي لا يشعر بوجود مؤسسة حقيقية، تقف إلى جانبه أو تدافع عن حقه".
وتابع أن العامل الثالث يتمثل بما وصفه بـ”التواطؤ السياسي”، حيث تتقاطع مصالح السلطة مع جماعات نافذة، من بينهم ميليشيات وتجار ومهربون، ما يؤدي إلى التغاضي عن الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون عند كشفهم ملفات حساسة تتعلق بالفساد أو النفوذ أو تهريب الأموال والنفط والمخدرات.
وأشار إلى أن هذا التواطؤ يصل أحياناً إلى تشريع قوانين أو التأثير على القضاء لتطويق هذه القضايا أو إفراغها من مضمونها، مبينا أن العامل الرابع يرتبط بالمجتمع ذاته، "الذي يعاني من إنهاك نفسي واقتصادي شديد، ما جعله أقل حساسية تجاه استهداف الصحفيين، لاسيما مع تصاعد خطاب الكراهية والتشكيك بالإعلاميين المهنيين، الأمر الذي أضعف التعاطف الشعبي مع قضايا حرية التعبير".
أما العامل الخامس، فيكمن – بحسب النجار – في ضعف التضامن الإعلامي، نتيجة التنافس المهني وارتباط بعض المؤسسات الإعلامية بأجندات سياسية، ما أضعف الجبهة المدافعة عن حرية الصحافة.
واكد انه برغم "وجود محاولات من منظمات مثل تحالف حرية الصحافة وجمعيات الدفاع عن الصحفيين، إلا أنها تفتقر للدعم المادي والغطاء القانوني، فضلًا عن تعرضها للتهديد والمضايقات".
وفي ما يخص البيئة الآمنة للعمل الصحفي، شدد النجار على "ضرورة توفر مجموعة من المقومات الأساسية، أبرزها وجود تشريعات واضحة تحمي حرية الصحافة وتضمن حق الوصول إلى المعلومات، إلى جانب قضاء مستقل ونزيه قادر على محاسبة المتورطين في استهداف الصحفيين دون ضغوط سياسية أو أمنية".
كما دعا إلى "توفير دعم مؤسسي حقيقي للصحافة، من خلال تمويل المشاريع الإعلامية المستقلة، وتأمين الحماية القانونية والمهنية، وخلق بيئة تتيح استدامة العمل الصحفي، خاصة للشباب الخريجين من كليات الإعلام".
وأكد أهمية توفير "الأمن الميداني والرقمي، وحماية المصادر، ومنع المراقبة التعسفية أو اختراق الخصوصية، إضافة إلى ضمان سلامة الصحفيين أثناء تغطيتهم للأحداث والتظاهرات والنزاعات".
وحول آليات التضييق على الصحفيين، أوضح النجار أن الأمر "لا يبدأ بالاعتقال فقط، بل يمر بمراحل عدة، تبدأ بتشريعات فضفاضة تُستخدم لتجريم العمل الصحفي تحت ذرائع مثل “المساس بالأمن القومي” أو “نشر أخبار كاذبة”، ثم التضييق المالي ومنع التمويل عن المؤسسات المستقلة، يليها التحريض والتشويه الإعلامي الذي غالباً ما يسبق عمليات الاغتيال أو التهديد، وصولًا إلى الترهيب المباشر واستهداف الصحفيين وعائلاتهم".
وبيّن أن غياب الدعم المؤسسي يدفع بعض المؤسسات الإعلامية إلى التخلي عن صحفييها عند أول تهديد، حفاظًا على بقائها، ما يزيد من هشاشة الوضع العام للعمل الإعلامي.
وختم النجار حديثه بالقول إن الصحافة العراقية "تمر بمرحلة خطيرة وغير مسبوقة من التراجع، نتيجة القيود والانتهاكات وغياب الإنتاج الصحفي العميق"، مشيراً إلى أن الجهات المتنفذة تسعى إلى تفريغ الفضاء العام من أي صوت ناقد، وتحويل الإعلام إلى أداة دعائية، وإفراغه من دوره الرقابي في مساءلة السلطة وكشف الفساد".
دكتاتورية مقنعة
من جانبه، أكد المحلل السياسي داوود سلمان أن ما يجري من مضايقات بحق مواطنين بسبب إبداء آرائهم يتنافى بشكل صارخ مع القيم الإنسانية والحضارية، ويعيد إلى الأذهان ممارسات العهود الديكتاتورية التي عانى منها العراقيون سابقاً.
وأضاف سلمان في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "الدستور العراقي نصّ بشكل واضح وصريح على أن حرية الرأي والتعبير خط أحمر لا يمكن المساس به، وأن لكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ومعتقده بحرية تامة، ما دام لا يتضمن إساءة شخصية أو اعتداءً على حقوق الآخرين".
وأضاف أن النقد والتقويم وإبداء الرأي هي "أدوات مشروعة في أي نظام ديمقراطي"، محذراً من أن استمرار المضايقات الأمنية ومنع المواطنين من التعبير عن آرائهم يمثل سلوكاً غير قانوني وخطير، وقد يقود البلاد نحو ما الديكتاتورية المقنّعة، حيث يتحول بعض المسؤولين إلى أصحاب قرارات فردية تمنع الناس من ممارسة حقهم الطبيعي في التعبير".
وأشار سلمان إلى أن "ما يثير القلق هو شروع بعض الجهات، بمن فيهم نواب، بتقديم شكاوى بحق مواطنين لمجرد إبدائهم آراء أو انتقادات"، مؤكداً أن "الدستور والقوانين النافذة، كما هو الحال في الدول المتحضرة، لا تجيز معاقبة أي شخص بسبب رأيه ما دام ضمن الإطار القانوني".
وشدد على أن القضاء "ملزم بالالتزام التام بنصوص الدستور، ولا سيما ما ورد في الفصول الخاصة بالحريات العامة وحرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان"، منبهاً الى انه "من غير المعقول ان يتعاطى القضاء مع قضايا ودعوات فيها دوافع انتقامية أو بهدف تكميم الأفواه، فهذا سيقود إلى خنق الحريات وتوسيع دائرة الظلم، لا سيما بحق الصحفيين والإعلاميين والكتّاب وأصحاب الرأي الحر".
وختم بالقول إن "ما يحدث اليوم ينذر بتضييق تدريجي على الحريات، وصولاً إلى واقع خطير تمارسه بعض الشخصيات السياسية"، مؤكداً أن "الحرية لا تخص فئة دون أخرى، بل تشمل كل فرد عراقي، أينما كان، وأن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على إدارات المؤسسات والجهات الرسمية في حماية هذا الحق لا مصادرته".