بين ضغط الدعاوى وتفاوت الأداء بين المحافظات، يقف ملف التحقيقات في مراكز الشرطة عند مفترق حساس بين متطلبات الأمن وحفظ وصون حقوق المواطنين من بعض ضعاف النفوس في السلك الامني.
فعلى الرغم من الدور المحوري الذي تؤديه وزارة الداخلية في تثبيت الاستقرار وحفظ النظام العام، وما حققته من إنجازات ميدانية وتنظيمية، لا سيما في التحول الرقمي ومكافحة الجريمة والمخدرات، إلا أن مؤشرات متزايدة عن تأخير التحقيقات، واستغلال الصلاحيات، وضعف الرقابة في بعض المفاصل، تعيد فتح الأسئلة حول كفاءة الإجراءات، وحدود المساءلة، وحجم الفجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي.
زخم كبير في الدعاوى
في هذا الصدد، قال مصدر أمني أن عمل مراكز الشرطة يختلف بشكل واضح بين المحافظات وبغداد، سواء من حيث حجم الدعاوى أو طبيعة القضايا أو الإمكانات البشرية والإدارية.
وأضاف المصدر الذي طلب حجب هويته في حديث مع "طريق الشعب"، أن هناك مؤشرات مقلقة تتعلق بحالات عنف أو تعامل غير مهني من قبل بعض الضباط من ضعاف النفوس، ممن يستغلون سلطة القانون ويسيئون استخدام صلاحياتهم، الأمر الذي ينعكس سلباً على ثقة المواطنين بالمؤسسة الأمنية.
وبيّن المتحدث أن "استمرار بقاء التحقيق الابتدائي داخل مراكز الشرطة لا يعود إلى رغبة في احتكار الملف، بل إلى تعقيد المهمة وضخامة العبء الواقع على هذه المراكز، في ظل العدد الهائل من الدعاوى المسجلة يومياً".
واوضح أن المركز الواحد قد يتعامل مع آلاف القضايا سنوياً، ما يجعل فكرة نقل التحقيق بالكامل إلى المحاكم أمراً بالغ الصعوبة في الوقت الحالي، وربما يتطلب ـ على حد تعبيره ـ "محكمة لكل مركز شرطة".
وأشار إلى أن بغداد "تشهد زحاماً غير مسبوق في الدعاوى القضائية"، لافتاً إلى أن "مركز الشرطة الذي اعمل فيه انجز أكثر من خمسة آلاف دعوى في سنة واحدة، في حين أن هناك مراكز أخرى تتجاوز هذا الرقم بكثير، وهو حجم قد تكون المحاكم بعددها الحالي غير قادرة على استيعابه، ما يفرض واقعاً عملياً يستدعي بقاء مرحلة التحقيق الابتدائي داخل المراكز".
وفي المقابل، أوضح أن الفوارق بين المحافظات كبيرة، مستشهداً بمحافظة كركوك، حيث إن بعض مراكز الشرطة في مناطق تشهد خروقات أمنية لا تسجل أكثر من (200 إلى 300) دعوى سنوياً، وهو رقم متدنٍ جداً مقارنة بالعاصمة، ما يعكس اختلاف الضغط الأمني والديموغرافي بين المناطق".
وأكد المصدر أن المحقق القضائي "يبقى صاحب الدور الأهم في مسار العدالة، إذ يتولى التحقيق في القضايا المحالة إليه، ثم يقوم باحالة المتهمين الى قاضي التحقيق، الذي يمتلك الصلاحية الكاملة في الإفراج الفوري عن أي شخص يثبت براءته بمجرد الاستماع إلى أقواله"، مشدداً على أن "القضاء هو الفيصل النهائي في ضمان الحقوق ومنع التعسف".
وفي ختام حديثه، شدد المصدر الامني على أن هناك حاجة ملحّة اليوم تتمثل في تعزيز إجراءات الرقابة والضبط المؤسسي داخل مراكز الشرطة، من أجل القضاء على حالات الاستغلال والابتزاز والاحتجاز غير القانوني، مؤكداً أن "فرض رقابة فاعلة ومستمرة هو السبيل الوحيد لحماية المواطن، وضمان نزاهة التحقيق، وترسيخ الثقة بين المجتمع والأجهزة الأمنية".
من هنا يبدأ الفساد واستغلال المواطن
من جهته، أكد الخبير الأمني عماد علو وجود مؤشرات في عدد من القضايا تشير إلى مماطلة وتأخير في إجراءات التحقيق الابتدائي داخل بعض مراكز الشرطة، ولا سيما في مرحلة الإحالة إلى القضاء، رغم وجود تعليمات واضحة وسجلات رسمية تُلزم المراكز بتدوين توقيتات بدء التحقيق، وتسجيل الشكاوى، والإجراءات المتخذة، وتحديد مواعيد إحالة الملفات إلى قاضي التحقيق.
وقال علو في حديث مع "طريق الشعب"، أن "بعض حالات التأخير تعود لأسباب موضوعية، مثل نقص الأدلة، أو الحاجة إلى استدعاء شهود، أو استكمال متطلبات تحقيقية وفنية تتعلق بجمع الأدلة وتدقيقها، وهو ما يستغرق وقتاً إضافياً لضمان إحالة القضايا إلى القضاء بشكل مكتمل وقانوني".
وأشار إلى أن هذه المرحلة "تتطلب تعاوناً وثيقاً بين مختلف الأجهزة الأمنية، بما في ذلك مراكز الشرطة، وأقسام التحقيقات الجنائية، والمؤسسات المعنية بجمع الأدلة الفنية التي تحتاج إلى إمكانات وتقنيات خاصة للوصول إلى وقائع يمكن البناء عليها قضائياً".
ولفت الخبير الأمني إلى ان "وجود ضعاف النفوس وبعض العناصر الفاسدة داخل الأجهزة الأمنية يمثل عاملاً سلبياً مؤثراً، إذ يلجأ بعضهم إلى ابتزاز المواطنين لتحقيق مصالح شخصية، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على سير التحقيقات ويؤخر إحالة القضايا إلى المسار القضائي الصحيح".
وبيّن علو أن "وزارة الداخلية تواصل جهودها الرقابية في هذا الملف، من خلال متابعة سجلات الدعاوى، وآليات إلقاء القبض، ومدد التوقيف، ومراقبة أداء مفاصلها الأمنية"، مؤكداً أن "الوزارة اتخذت إجراءات صارمة بحق المتورطين في الفساد أو التسبب بالتأخير، شملت الإبعاد عن المواقع الإدارية، والفصل، والإحالة إلى التحقيق، فضلاً عن نقل بعض العناصر من مناطق عملهم إلى مواقع أخرى لضبط الأداء وإلزامهم بالسياقات القانونية المعتمدة".