اخر الاخبار

أعادت قرارات رفع التعرفة الجمركية، فتح نقاش واسع حول جدوى السياسات المالية المتبعة، في ظل غياب إصلاح اقتصادي وإداري متكامل وجدي يسبقها. وبينما تؤكد الحكومة أن هذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز الإيرادات غير النفطية ودعم استقرار الموازنة، يحذّر اقتصاديون وخبراء من أن التطبيق الحالي للتعرفة، في توقيت يشهد تباطؤاً اقتصادياً وتراجعاً في القدرة الشرائية، قد يحوّلها من أداة إصلاحية إلى جباية مباشرة تثقل كاهل المواطنين وتعمّق الاختلالات القائمة.

ويقول المراقبون أن تطبيق التعرفة الجمركية دون إصلاح مالي وإداري شامل مسبق، وضبط الإيرادات العامة، سيزيد من الأعباء على المواطنين، ويحدّ من قدرة الاقتصاد على الصمود أمام الصدمات السعرية، ما يجعل مراجعة هذه السياسات أمراً ضرورياً لتحقيق التوازن بين الموارد الحكومية والاستقرار المعيشي للمواطنين.

دعم التدفقات المالية

وقال مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني، في تصريح صحفي، إنّ “الإجراءات المالية الأخيرة تهدف الى دعم التدفقات النقدية للموازنة العامة من خلال تفعيل أوعية إيرادية كانت مهملة أو غير مستثمرة بالكفاءة المطلوبة”، معتقداً أنها “لا تتعارض مع الحفاظ على استقرار المستوى المعيشي للمواطن ورفاهيته، بل تأتي ضمن إطار إصلاحي أوسع يسعى الى توسيع قاعدة الإيرادات غير النفطية، وتحسين كفاءة إدارة الموارد العامة، وتعزيز الانضباط المالي بوصفه شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار المالي واستدامة التمويل العام”.

جباية مالية لا إصلاح اقتصادي

فيما قال استاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي، إن فرض التعرفة الجمركية من حيث المبدأ لا يُعد فكرة خاطئة، إلا أن توقيتها الحالي غير مناسب إطلاقاً، مشيراً الى أن السياسة الجمركية التي تنتهجها الحكومة حالياً تفتقر إلى التوقيت السليم والدراسة الاقتصادية المعمقة.

وحذر السعدي في تعليق لـ "طريق الشعب"، من أن "فرض رسوم مرتفعة في ظل تباطؤ اقتصادي وتذبذب في سعر صرف الدينار، سيؤدي إلى آثار سلبية تفوق المكاسب الإصلاحية المرجوة، خاصة وأن السوق المحلية والمستهلك لا يمتلكان القدرة حالياً على امتصاص الصدمات السعرية الناتجة عن هذه القرارات".

وقال السعدي إن هذه التعرفة "تحولت فعلياً من أداة لحماية المنتج الوطني إلى ضريبة استهلاك مباشرة يدفع ثمنها المواطن، وذلك بسبب الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد وضعف الإنتاج المحلي الذي لا يزال غير قادر على توفير البديل المنافس من حيث الجودة والكمية، ما يجعل المستورد حاضراً في الأسواق ولكن بأسعار مضاعفة".

وأشار إلى أن الإصرار على "فرض هذه الرسوم قبل تهيئة البنية التحتية الصناعية ودعم البيئة الاستثمارية لا يمكن تبريره اقتصادياً، حيث أن الحماية يجب أن تتبع القدرة الإنتاجية لا أن تسبقها"، مبيناً أن السياسة الحالية "مرشحة للمساهمة في تعميق حالة الركود التضخمي من خلال رفع التكاليف وإضعاف الطلب في آن واحد".

كما انتقد السعدي غياب الرؤية بعيدة المدى، مشيراً إلى أن "الدافع المالي قصير الأجل لسد عجز الموازنة وتغطية النفقات التشغيلية، يبدو هو المحرك الأساسي لهذه القرارات، بدلاً من إعادة توظيف تلك الإيرادات في تطوير القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة التي كان من الممكن أن تلمس نتائجها على أرض الواقع لو تم استثمارها بشكل صحيح".

ولفت الى أن المواطن "بات محاصراً بين مطرقة فقدان قيمة العملة وسندان الرسوم الجمركية المرتفعة".

وفي ختام حديثه، شدد على ضرورة "اعتماد سياسة جمركية مرنة وتدريجية تميز بين السلع الأساسية والكمالية، وتربط أي رفع للرسوم بخطط زمنية واضحة لدعم الإنتاج المحلي مع توفير شبكات حماية اجتماعية تحمي الفئات الهشة من موجات الغلاء، لتحقيق التوازن الضروري بين تعظيم موارد الدولة والحفاظ على الاستقرار المعيشي للمجتمع".

بحاجة لمراجعة شاملة

في هذا الصدد، حذّر الخبير في شؤون الجمارك مصطفى الفرج من تداعيات رفع التعرفة الكمركية على الواقع المعيشي للمواطنين، مؤكداً أن العراق بلد استيرادي منفتح بشكل كامل على الأسواق الخارجية، في ظل عجز المنتج المحلي عن تغطية احتياجات السوق.

ونوه الفرج في تعليق لـ"طريق الشعب"، بأن "أي زيادة في التعرفة الجمركية، سواء على المواد الأساسية أو غير الأساسية، ستنعكس بصورة مباشرة على المواطن، إذ يعمد التاجر إلى تحميل نسب الضرائب المفروضة، التي تتراوح بين 5 و10 في المائة، على أسعار السلع، ما يؤدي إلى ارتفاع كلفتها النهائية".

وأشار إلى أن العراق "لا يمتلك حالياً قاعدة إنتاج محلية كافية، ما يجعل رفع التعرفة الجمركية إجراءً غير مناسب في هذا التوقيت".

وبيّن الفرج أن "الحكومة ماضية في تطبيق زيادات كبيرة على بعض السلع، إذ وصلت التعرفة الجمركية على مواد مثل المنظفات إلى 65 في المائة، وعلى الستائر إلى 100 في المائة"، محذراً من "التأثيرات المباشرة لهذه الزيادات على القدرة الشرائية للمواطن".

وانتقد الفرج شمول نحو (16) الف مادة بالزيادة الجمركية دفعة واحدة، واصفاً ذلك "بالإخفاق في إدارة الملف"، ومؤكداً أن "تطبيق التعرفة كان يجب أن يتم بشكل تدريجي وعلى مراحل، لتقليل الأعباء الاقتصادية على المواطنين".

كما لفت إلى أن "رفع الرسوم الجمركية على المواد الداخلة في البنى التحتية والمواد الأولية للمصانع، أدى إلى تهديد بعض المصانع بالإغلاق، ما سينعكس سلباً على مسار التنمية الاقتصادية وفرص تشغيل الأيدي العاملة".

وأوضح أن "الرسوم على بعض المواد الأولية ارتفعت بنسب تصل إلى 300 في المائة و200 في المائة، ما سيشكّل عبئاً كبيراً على القطاع الصناعي ويعيق استمراريته".

ودعا الفرج الحكومة العراقية إلى مراجعة بنود التعرفة الجمركية المتعلقة بالمصانع والمواد الأولية"، مشيراً إلى أن الإيرادات الجمركية "بلغت نحو تريليوني دينار بعد تطبيق نظام “الآسيكودا” والحوكمة الالكترونية، في حين بلغت قيمة الاستيرادات ما بين (70 إلى 80) مليار دولار، ما يعني أن ما تم تحصيله فعلياً لا يتجاوز ملياراً ونصف المليار دولار.

وتساءل عن مصير "ما يقارب (6 - 7) مليارات دولار"، مرجحاً ضياعها بسبب عمليات التهريب ومخالفات أخرى، ومشدداً على ضرورة الانتباه إلى هذه الفجوة الكبيرة بين حجم الاستيرادات والإيرادات المتحققة.

وأضاف أن العديد من "إيرادات الدولة لا يُعرف مصيرها حتى الآن، مثل عوائد بيع المشتقات النفطية داخلياً، والضرائب المرورية، ورسوم الاستيراد والتصدير، وأرباح دوائر الفحص والسيطرة النوعية"، مرجعاً ذلك إلى "غياب الحسابات الختامية وضعف الرقابة على الوزارات والمؤسسات الإيرادية".

وأكد الفرج أن على الحكومة، قبل الشروع برفع الضرائب والتعرفة الجمركية، أن تبدأ بإصلاحات حقيقية، تشمل مكافحة الفساد المالي والإداري، وضبط الإيرادات، وتقليص رواتب كبار المسؤولين في السلطتين التنفيذية والتشريعية، معتبراً أن أزمة الثقة بين المواطن والحكومة ما تزال قائمة.

وختم بالقول إن "ثبات رواتب المواطنين عند مستوياتها الحالية، في ظل الارتفاع المتسارع للأسعار، سيؤدي إلى زيادة الأعباء المعيشية"، مؤكداً أن "مراجعة بنود التعرفة الجمركية، ولا سيما تلك المتعلقة بالأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الأساسية، باتت ضرورة ملحّة".