اخر الاخبار

استقرار العراق بين الحقيقة والوهم

نشر موقع معهد تشاتام هاوس البريطاني مقالًا للباحث ريناد منصور عن تطورات العملية السياسية في العراق، ذكر فيه أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد فاجأ الكثيرين بتحذيرٍ صريحٍ على وسائل التواصل الاجتماعي من مغبة تكليف رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بتشكيل الحكومة الجديدة، مما يعكس، حسب الباحث، حقيقة النفوذ الأجنبي في البلاد، رغم كل ادعاءات بغداد بأنها استعادت سيادتها التامة، لاسيما بعد إنهاء كلٍّ من الوجود العسكري الأمريكي ونشاط بعثة الأمم المتحدة العام الماضي.

وضع هش وتنافس محموم

وأشار المقال إلى أن الأحداث الأخيرة قد أكدت أن البلاد ما زالت ساحةً للتنافس الأمريكي الإيراني، الذي كلما اشتد كشف عن هشاشة وضع العراق، حتى حين تكون طهران في مواجهة قاسية مع ضغوط داخلية وإقليمية متزايدة. وهذا ما ظهر جليًا في دعم إيران لمرشحها برباطة جأش افتقدتها الولايات المتحدة، التي بدت مشتتة الذهن بشأن العراق في ظل رئيسٍ يميل إلى الاستعراض أكثر من الاستراتيجية.

انتخابات بلا تأثير

وأكد الباحث أن الانتخابات التشريعية التي جرت في تشرين الثاني الماضي قد أثبتت أن النظام القائم يرفض التغيير ويُقصي مرشحي الإصلاح. فمنذ 2003، دأبت النخب العراقية على تفضيل مرشحين ضعفاء يحظون بتوافق الآراء وبرضا جميع الأطراف لتولي رئاسة الوزراء، لأنهم لا يشكلون تهديدًا يُذكر لأي جهة. وبغض النظر عن بعض التغيير المفاجئ المتمثل بترشيح رئيس الحكومة الأسبق، جاءت الانتخابات بالنتيجة نفسها المتوقعة لتعقيدات عملية تشكيل الحكومة؛ فالرجل، رغم نفوذه، أثار انقسامًا في الائتلاف الحاكم، ولا يزال تكليفه غير مؤكد على الإطلاق.

التأثير الإيراني دائم

واعتبر المقال الترشيح مؤشرًا على قوة النفوذ الإيراني الدائم في العراق، الذي لا يتأثر، كما يبدو، بما تواجهه طهران من ضغوط متزايدة في الداخل وعبر المنطقة، لأنها ببساطة لا تتحمل حالة عدم اليقين أو عدم الاستقرار لفترة طويلة في العراق، الذي تعدّه أهم ساحات الصراع من الناحية الاستراتيجية، ومنطقةً أمنيةً عازلةً وبالغة الأهمية لاستقرارها الداخلي، وشريان حياة يتيح لها، اقتصاديًا، الوصول إلى التجارة والعملات الصعبة، فضلًا عن توفير قنوات تسمح بتداول البضائع الخاضعة للعقوبات.

تراجع أمريكي

وعلى النقيض من ذلك، وجد الباحث أن واشنطن سمحت، إلى حد كبير، بتراجع أهمية العراق في سلم أولوياتها. وعيّنت، في ظل هذا التراجع، صديقًا مقرّبًا للرئيس ترامب، مارك سافايا، مبعوثًا لها إلى بغداد، وهو شخص لم يتمكن من زيارة بغداد منذ تعيينه في منصبه، مما أدى إلى فراغ في الوجود الأمريكي، سواء خلال انتخابات تشرين الثاني أو بعدها.

حقيقة مُقلقة

وأعرب الباحث عن تصوره بأن هذه الحادثة أقلقت الكثير من العراقيين، فبعد أن تمتعت البلاد بهدوء نسبي مقارنةً بالدول المجاورة، بدا هذا الاستقرار هشًا ويقوم على أسس واهية، ونظام سياسي لا يزال مجزّأ وعرضةً للتأثيرات الخارجية. ففيما أظهرت إيران، من جانبها، قدرتها على التحرك السريع والتأثير في نتائج الانتخابات العراقية، في ضوء حضور مؤسساتها بقوة في البلاد، كشفت واشنطن عن استمرار نفوذها، بحيث كان مجرد منشور واحد على وسائل التواصل الاجتماعي قادرًا على تذكير صارخ للعراقيين بأن بلادهم تفتقر إلى السيادة الكاملة، على الرغم من الادعاءات الرسمية بخلاف ذلك.

ماذا بعد؟

ورأى الباحث أن استمرار الاستقرار الهش في العراق يتطلب أن تسير عملية تشكيل الحكومة بسرعة، وأن تتم مواجهة النقص في السيادة الكاملة، وإبعاد البلاد عن الحروب الإقليمية التي لا تزال مستعرة من حولها، خاصة إذا ما تعرضت إيران إلى تهديد وجودي قد يتردد صداه في العراق، مثقلًا كاهل نظام سياسي غير مؤهل لإدارة هذه التداعيات.

كما لا بد من مواجهة حالة عدم الاستقرار المتجددة في سوريا على الحدود الغربية للبلاد، بعد اختلال التوازن الأمني، بما في ذلك إعادة آلاف المحتجزين من تنظيم داعش إلى العراق. وينبغي ألّا يتم التهاون تجاه الديون وتأثير أي تراجع مطوّل في أسواق النفط، إلى الحد الذي قد يعيق الحكومة عن دفع رواتب موظفي القطاع العام. وأخيرًا، ستواجه الحكومة الجديدة تفاقم أزمة المياه مع تركيا وإيران، وتزايد الضغوط المناخية التي تتجلى في نقص المياه، الذي يغيّر بالفعل ملامح الحياة اليومية.