اخر الاخبار

في وقتٍ تتزايد فيه التحديات الاجتماعية والاقتصادية، وتتعاظم الحاجة الى ترسيخ قيم الوعي والمعرفة، تعود قضية التضييق على الفعاليات الثقافية الى الواجهة، لتثير تساؤلات جوهرية حول موقع الثقافة في سلّم أولويات صناع القرار، وحدود العلاقة بين القانون والحرية، والتنظيم والمنع.

فحادثة منع فعالية معنية بالكتاب، وما رافقها من إجراءات أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية، أعادت فتح النقاش بشأن طبيعة التعاطي الرسمي مع الأنشطة المعرفية، ومدى انسجامه مع مبادئ الدولة الديمقراطية وروح الدستور.

تحذيرات جادة من السلوك الامني

مثقفون وسياسيون ومنظمون لمبادرات شبابية حذّروا من أن اللجوء إلى قرارات المنع، يبعث برسائل سلبية، مفادها أن الفضاء العام لم يعد يتسع للحوار والتنوع.

وبينما يؤكد هؤلاء أن أي إشكال قانوني يمكن معالجته ضمن الأطر الدستورية وبصورة محددة، يرون أن إلغاء الفعاليات برمّتها أو ملاحقة منظميها يشكّل انتكاسة للحراك الثقافي، ويهدد بتجفيف منابع المعرفة في وقت يعاني فيه البلد أصلاً من تراجع مؤشرات التعليم وضعف البنى التحتية.

التضييق على الثقافة

في هذا الصدد، يقول المحلل السياسي والاكاديمي غالب الدعمي إن منع فعالية ثقافية تتعلق بالكتاب يكشف عن خللٍ واضح في فهم طبيعة العمل الإداري ودوره في رعاية الفضاء العام، مشيراً الى أن التعامل مع مهرجان ثقافي بعقلية المنع الشامل يعكس ضيقاً في الأفق وضعفاً في استيعاب قيمة الثقافة في بناء المجتمعات.

وأوضح الدعمي في حديثه مع "طريق الشعب"، أن أي "فعالية تخص الكتاب والمعرفة ينبغي أن تُقارب بروح تنظيمية مسؤولة، لا بعقلية قمعية"، مبيناً أنه "في حال وجود كتاب يُعتقد أنه يخالف القوانين النافذة أو يتعارض مع الضوابط المعتمدة، فإن الإجراء السليم يكون عبر مراجعة ذلك العنوان تحديداً واتخاذ قرار بشأنه وفق الأطر القانونية، لا عبر إلغاء الحدث برمّته أو التضييق على الفعالية الثقافية ككل".

وأضاف الدعمي أن "الإدارة الرشيدة تُقاس بقدرتها على التمييز بين التنظيم والمنع، وبين تطبيق القانون وتكميم الأفواه"، لافتاً إلى أن "اللجوء الى قرارات متسرعة من هذا النوع يوحي بغياب القراءة الواعية لطبيعة العمل الثقافي، ويعكس ضعفاً في إدراك أهمية الكتاب بوصفه أداة تنوير وبناء وعي، لا تهديداً ينبغي محاصرته".

وبيّن أن "المجتمعات التي تتقدم هي تلك التي توسّع فضاءات الحوار وتحتضن التنوع الفكري، فيما يقود التضييق على الفعاليات الثقافية الى خلق بيئة طاردة للإبداع ومحبطة للمثقفين والناشرين، وهو ما ينعكس سلباً على صورة الإدارة ومكانة المحافظة أو الدولة على حد سواء".

وشدد الدعمي على أن "حماية المجتمع لا يمكن ان تكون عبر المنع أو مصادرة النشاطات الفكرية، وانما عبر ترسيخ ثقافة القانون، وتعزيز الوعي، وفتح المجال للنقاش المسؤول".

وحذر من أن استمرار مثل هذه السياسات يخلق ما وصفه بـ”جمهورية الجهل”، حيث تتراجع قيم المعرفة لصالح الإقصاء والوصاية، ويُستبدل الحوار بالتضييق، والتنظيم بالقمع.

وخلص إلى القول إن الرهان الحقيقي لأي إدارة ناجحة يجب أن يكون على دعم الثقافة وتشجيع القراءة، لأن الكتاب هو ركيزة أساسية في بناء الدولة الحديثة، وأي مساس به أو التضييق على فعالياته يمثل خطوة إلى الوراء في مسار التنمية الفكرية والاجتماعية

الدولة الرصينة تبدأ من دعم التعليم والثقافة

من جانبه، أكد القاضي المتقاعد والوزير السابق وائل عبد اللطيف، ان جوهر النظام الديمقراطي يقوم على مبدأ الشفافية الكاملة والحريات المكفولة، مشدداً على أن أي تجربة سياسية لا تُخضع قراراتها وإجراءاتها لرقابة الرأي العام وتضيق فيها الحريات الثقافية، تبقى بعيدة عن المعايير السليمة للديمقراطية.

وقال عبد اللطيف لـ"طريق الشعب"، إن من حق المواطنين "تنظيم الفعاليات الثقافية بمختلف اشكالها وتنوعها دون قيود، كما ان التضييق عليها لا ينسجم مع فلسفة الحكم الرشيد، انما يعيد إنتاج أنماط سلطوية تتناقض مع مبادئ الدولة الدستورية".

 وانتقد عبد اللطيف التضييق على المهرجانات وفعاليات توزيع الكتب، معتبراً أن "دعم القراءة وتعزيز الحراك الثقافي يمثلان ضرورة وطنية، لا سيما في أوساط الشباب".

وأكد أن "الفعاليات الثقافية من شأنها مساعدة الدولة، والمساهمة في بناء وعيٍ نقدي وتحصين المجتمع فكرياً، ولا يمكن النظر إليها باعتبارها تهديداً، ويجب التعامل معها على انها عنصر من عناصر الاستقرار والتنمية".

وأشار الى أن "التراجع في مؤشرات التعليم والبحث العلمي يعكس خللاً بنيوياً يحتاج الى مراجعة جادة"، لافتاً الى أن "أي حديث عن تقدم حقيقي ينبغي أن يستند الى جودة المخرجات الأكاديمية ونزاهة المؤسسات التعليمية، لا الى شعارات إعلامية".

وبيّن أن محو الأمية يمثل الحجر الأساس لأي مشروع إصلاحي، لأن تمكين المواطن من القراءة والكتابة يعزز ثقته بنفسه واندماجه في الحياة العامة، ويحميه من الوقوع فريسة للجهل أو التضليل. وختم عبد اللطيف تصريحه بالتأكيد على أن بناء دولة ديمقراطية رصينة يتطلب شفافية حقيقية، وتفعيلاً جاداً للقوانين، ودعماً للثقافة والتعليم، بوصفها الركائز الأساسية لأي نهضة مستدامة".

انتكاسة تعيق الحراك الثقافي

وعلى صعيد متصل، قال مؤسس مهرجان الكتاب في مدينة الصدر، فرات علي، إن العراق يعاني من نقصٍ واضح في عدد المكتبات العامة، الى جانب غياب الفعاليات الثقافية والمبادرات التي تُعنى بتوزيع الكتب مجاناً، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها قطاع واسع من الشباب.

وأوضح علي في حديث مع "طريق الشعب"، أن مثل هذه المبادرات "لا تقتصر أهميتها على خلق أجواء ثقافية فحسب، إذ تسهم في رفع مستوى الوعي المجتمعي والحد من الأمية الثقافية، التي وصفها بأنها إحدى أبرز التحديات التي تواجه المجتمع العراقي اليوم".

وأكد أن "دعم أنشطة القراءة يمثل رافداً أساسياً من روافد تطور المجتمع المدني، خصوصاً في المحافظات الجنوبية، مشيرًا إلى أن محافظة ذي قار مثال واضح على الحاجة الملحّة لاحتضان مثل هذه الفعاليات".

وانتقد علي "منع بعض الأنشطة الثقافية تحت ذرائع واتهامات غير مبررة، من قبيل الادعاء بأنها تحمل أجندات سياسية أو تسعى لإحياء أنظمة سابقة"، معتبراً أن "اللجوء إلى مثل هذه الاتهامات بعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي في البلاد يمثل انتكاسة خطيرة تهدد مستقبل أي نشاط ثقافي مستقل".

وأضاف أن "التضييق على المبادرات الشبابية التطوعية، بدلًا من دعمها واحتضانها، يبعث برسائل سلبية الى المجتمع"، متسائلًا: "كيف يمكن أن يتحول توزيع الكتب إلى تهمة؟ ولماذا يُنظر الى العمل الثقافي بعين الريبة بدل تشجيعه؟".

وأشار إلى أن "تجفيف منابع الثقافة وإضعاف الفضاءات المعرفية لا يخدم الاستقرار، وانما يفتح الباب أمام انتشار الجهل والتطرف والانقسامات الاجتماعية"، مؤكداً في الوقت ذاته على أن "الاستثمار الحقيقي في أمن المجتمع يبدأ من دعم الكتاب وتعزيز قيم المعرفة".

قلق بعد المنع في الناصرية

وأعرب علي عن قلقه إزاء ما تعرّض له منظمو فعالية "الناصرية تقرأ في ذي قار من تضييق ومنع واعتقالات"، لافتاً إلى أن "القائمين على مهرجان الكتاب في مدينة الصدر، تابعوا هذه التطورات عن كثب، بوصفهم يعملون في الفضاء ذاته ويسعون إلى الأهداف نفسها".

وختم بالقول إن ما جرى "لن يثنيهم عن مواصلة العمل الثقافي، بل سيزيدهم إصراراً على تنظيم فعاليات قادمة، إيماناً منهم بأن الكتاب ليس ترفاً، بقدر كونه ضرورة مجتمعية لمواجهة الجهل وبناء وعيٍ قادر على حماية المستقبل".

وأفرج القضاء في وقت سابق عن الرفيق أيمن عمار، عضو اللجنة المنظمة لمهرجان “الناصرية تقرأ”، بكفالة، بعد أيام من احتجازه على خلفية إلغاء المهرجان ومصادرة مجموعة من الكتب كانت مخصصة للتوزيع ضمن فعالياته.

وجاء الإفراج عن عمار في أعقاب سلسلة مواقف سياسية وحقوقية وثقافية طالبت بإطلاق سراحه، وعدّت احتجازه انتهاكاً لحرية العمل المدني والنشاط الثقافي السلمي.

وأكد منظمو المهرجان استمرارهم في مشروعهم الثقافي “الناصرية تقرأ” بإصرار وثبات، مشددين على إيمانهم بدور الثقافة في بناء الوعي وتعزيز قيم التنوير، وموجهين الشكر إلى جميع الجهات والشخصيات التي ساندت موقفهم خلال الأزمة.