اخر الاخبار

مع قرب قدوم موسم الصيف، يقف العراق أمام تحديات متصاعدة، بين شح الأمطار وتراجع المخزون المائي، وزيادة العواصف الترابية التي تهدد الزراعة والاقتصاد والصحة العامة؛ حيث يحذر الخبراء من أن هذه الظروف قد تجعل الربيع مرحلة حرجة تستلزم تحركاً عاجلاً لمواجهة الأزمة المائية وحماية الموارد الطبيعية، قبل وصول البلاد إلى ذروة الحر والجفاف.

ملف مرتبط بالأمن والاستقرار المجتمعي

يحذر د. جاسم حسين عبدالله، عضو المكتب الاستشاري لنقابة المهندسين الزراعيين، من انعكاسات حادة على القطاع الزراعي والبيئة والاقتصاد العراقي في ظل موسم مطري دون المستوى المطلوب.

ويشير د. عبدالله في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أنه على الرغم من سقوط كميات جيدة من الأمطار خلال الفترة الماضية، إلا ان الفراغ الخزني للمياه ما زال كبيراً جداً، بعد أن وصل العام الماضي إلى أدنى مستويات الخزن، ما حدد الخطط الزراعية وأدى إلى دخول الشط الملحي أكثر من ٢٠٠ كم في عمق شط العرب، وهو ما تسبب بتدهور كبير في القطاع الزراعي والبيئي في عموم العراق، وبشكل خاص في الجنوب.

ويأمل عبدالله أن يتحسن الوضع خلال فترة الربيع وتتحول الكميات المطرية إلى السدود والخزانات استعداداً لصيف قاس، محذراً من أن عدم تحقيق مستويات مطرية كافية سيجعل من الصيف القادم موسما شديد القسوة، حيث ستقتصر جهود وزارة الموارد المائية على تأمين مياه الشرب قدر المستطاع ولن تتمكن من توفير مياه الري إلا بحدود ضيقة جداً.

كما يلفت عبدالله الى أن التأثير لن يقتصر على القطاع الزراعي فقط، بل سيصل إلى الوضع الاقتصادي من خلال تقليل الفعاليات الزراعية وقلة الإنتاج المحلي، ما يزيد الطلب على استيراد المواد الزراعية ويستنزف العملة الصعبة، إلى جانب فقدان فرص العمل المباشرة وغير المباشرة التي يوفرها القطاع الزراعي.

ويضيف أن الأثر البيئي سيكون مدمراً، مع فقدان المزيد من التنوع الحيوي وتراجع الأراضي الرطبة وزيادة مساحات الأراضي المتدهورة والمتصحرة، ما يفاقم العواصف الغبارية وتأثيراتها الصحية على الإنسان والبيئة.

كما يربط المتحدث بين الوضع الصحي وبين المواطنين، محذراً من أن تدهور المياه سيزيد من الأمراض المرتبطة بالتلوث ويستدعي خدمات صحية إضافية وأعباء اقتصادية على الدولة والمواطن.

ويشير عبدالله إلى أن ملف المياه مرتبط بالأمن والاستقرار المجتمعي، مؤكداً أن غياب إدارة فعالة لهذا الملف يجعل المجتمع عرضة للصراعات والنزاعات المجتمعية.

وبناءً على ذلك، يؤكد ضرورة إعادة النظر في سياسة الدولة المائية على كافة المستويات داخلياً وخارجياً، عبر ربط المصالح الاقتصادية مع دول الجوار وعقد اتفاقيات مائية منصفة لتأمين حصص العراق، وترشيد الاستهلاك في كافة القطاعات، واستخدام التكنولوجيا الحديثة وبرامج التوعية للنهوض بهذا القطاع الحيوي، محذراً في ختام حديثه بالقول إن "خلقنا من الماء كل شيء حي… وكل شيء سيموت بدون وجود الماء، وهذا المصير المؤلم ينتظرنا إذا لم نتخذ خطوات جدية للارتقاء بإدارة ملف المياه".

موسم سادس شحيح

من جانبه، حذر الخبير المائي تحسين الموسوي من دخول العراق مرحلة خطرة من العجز المائي، مؤكداً أن البلاد لم تشهد هذا العام موسماً جارفاً كما يُشاع، بل تعيش للعام السادس على التوالي تداعيات شح المياه، ولا سيما مع استمرار انخفاض تدفقات الواردات المائية من دول المنبع، في ظل اعتماد السياسة المائية العراقية بشكل شبه كلي على ما يصل من خارج الحدود.

وأوضح الموسوي لـ"طريق الشعب"، أن أزمة المياه لا تقتصر على العامل الخارجي، بل تتفاقم بسبب خلل داخلي واضح في إدارة الموارد المائية، مشيراً إلى أن تشخيص المشكلة غالباً ما يُختزل بوزارة الموارد المائية، في حين أن إدارة المياه مسؤولية مشتركة تشمل جميع مستخدميها. وبيّن أن القطاع الزراعي، الذي يستهلك نحو 80 في المائة من الموارد المائية، لا يزال يعتمد أساليب ري بدائية وغير رشيدة، في وقت لم تتجه فيه الصناعة بشكل جدي إلى استخدام وحدات المعالجة أو أنظمة التقنين، فضلاً عن الاستهلاك البشري الذي ما زال محكوماً بعقلية الوفرة".

وأكد أن العراق بحاجة ملحة إلى الانتقال من وهم الوفرة إلى ترسيخ ثقافة ترشيد المياه، خصوصاً مع الانخفاض المستمر في الخزين المائي حتى هذه اللحظة.

وأضاف أن ذوبان الثلوج المتوقع لن يحقق فائدة كبيرة، ما لم تقترن بزيادة حقيقية في الإطلاقات المائية، وهو أمر مستبعد في ظل ما وصفه بالتعسف التركي واستغلال ظروف العراق لتحقيق مكاسب أكبر.

ووصف الموسوي الوضع المائي في العراق بأنه "خطير جداً"، مرجحاً أن ينحصر الحديث قريباً في كيفية الحفاظ على مياه الشرب فقط، مع توقعات بارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر التي قد تتجاوز في بعض الأحيان خمسة مليارات متر مكعب سنوياً.

وأشار إلى أن استمرار سياسات دول المنبع، مقابل غياب إجراءات عراقية حقيقية لحماية أحواض دجلة والفرات والحقوق المائية، يدفع البلاد نحو الانتقال من الإفلاس المائي الموسمي إلى الإفلاس المائي المزمن، محذراً من تداعيات ذلك على التنمية، والأمن الغذائي، والسلم المجتمعي، والبيئة.

وبين أن نقص المياه واتساع رقعة التصحر سيسهمان في تصاعد العواصف الترابية، مع توقعات بوصولها إلى نحو 200 عاصفة سنوياً، أي ما يقارب عشرة أشهر من العواصف في السنة، وهو ما سيلحق أضراراً كبيرة بالعراق على مختلف المستويات.

وختم الموسوي بالقول إن المؤشرات مقلقة للغاية، وإن الإجراءات المتخذة حتى الآن لا تتجاوز البيانات والمؤتمرات، مشدداً على أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على الفاعل السياسي الذي يدير العملية السياسية ويتحمل تبعات ملف المياه، ولا سيما في ظل فقدان العراق سيادته المائية وعجزه عن التحكم بحصصه من خارج الحدود.

زيادة في العواصف الترابية

يتوقع المتنبئ الجوي صادق عطية أن يشهد العراق خلال هذا الموسم زيادة في تكرار العواصف الترابية، خاصة في المناطق الوسطى والجنوبية، مؤكداً أن المناخ أصبح شبه صحراوي، ما يجعل الغبار ظاهرة طبيعية تتكرر سنوياً.

وأوضح عطية في حديث لـ"طريق الشعب" أن المواسم الانتقالية مثل الربيع والخريف عادة ما تشهد تصادم كتل هوائية باردة مع أخرى دافئة، وهو ما يؤدي إلى تكرار العواصف الترابية بشكل طبيعي في مناخ العراق.

وأشار عطية الى ان انخفاض كميات الأمطار خلال هذا العام يفاقم من احتمالية حدوث العواصف الترابية، خصوصاً مع دخول فصل الربيع، حيث يصبح الجو أكثر عرضة للجفاف وارتفاع الغبار في الهواء، ما يضاعف المخاطر الصحية والبيئية على المواطنين.

ويضيف أن هذه الظاهرة لا تُعد مفاجئة، فهي جزء من طبيعة المناخ العراقي، لكن ارتفاع تكرارها خلال السنوات الأخيرة يعكس تأثير التغيرات المناخية وتراجع المخزون المائي، ما يجعل الحاجة ملحة لمتابعة الأحوال الجوية واتخاذ إجراءات وقائية للحد من آثار الغبار على الصحة والزراعة والبيئة.