على الرغم من إعادة عمل مجالس المحافظات بوصفها إحدى ركائز نظام الحكم في البلاد، إلا أن التجربة لا تزال تواجه تحديات معقدة، في مقدمتها صراعات القوى السياسية على المناصب والامتيازات وتداخل الحسابات الحزبية في عمل هذه المجالس.
واعادت مشاهد الإقالات والاستقالات وتبادل الاتهامات داخل عدد من المجالس، طرح تساؤلات جوهرية بشأن قدرتها على أداء دورها، بعيداً عن المحاصصة والصراعات السياسية الضيقة.
وفي هذا السياق، تتقاطع آراء عدد من الباحثين والمحللين السياسيين عند تشخيص الخلل، إلا أنهم يجمعون على أن استمرار الصراع على المواقع والمكاسب يهدد بإفراغ التجربة من مضمونها، ويعمّق فجوة الثقة بين الشارع والمؤسسات المحلية.
صراع على المناصب لا على تقديم الخدمات
في هذا الصدد، قال الباحث في الشأن السياسي جعفر الكعبي إن مجالس المحافظات تقوم أساساً على ترسيخ مبدأ الحكم اللامركزي في العراق، بما يمنح الإدارات المحلية صلاحيات أوسع في التخطيط والتنفيذ، ويقرب القرار من المواطنين، ويجعل الاستجابة لاحتياجاتهم أكثر سرعة وفاعلية. وأضاف الكعبي في حديثه مع "طريق الشعب"، أن إعادة العمل بمجالس المحافظات لم تنعكس – حتى الآن – بصورة ملموسة على واقع الخدمات أو مستوى الأداء الإداري في المحافظات.
وبيّن أن المواطن "كان يعوّل على أن تفتح الانتخابات الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار الإداري والتنافس الخدمي، إلا أن ما جرى على أرض الواقع تمثل باستمرار الخلافات بين القوى السياسية حول توزيع المناصب وفق مبدأ المحاصصة، وهو ما أفضى إلى أزمات متكررة داخل عدد من مجالس المحافظات، تجلت في إقالات واستقالات وصراعات على الصلاحيات، فضلاً عن توترات بين بعض المجالس والمحافظين". وتابع أن هذه التجاذبات "لم تكن في كثير من الأحيان مرتبطة ببرامج خدمية أو رؤى تنموية واضحة، انما انصبت على حسابات سياسية وحزبية ضيقة، الأمر الذي انعكس سلباً على استقرار العمل المحلي وأربك تنفيذ الخطط والمشاريع".
وأكد أن المواطن في تلك المحافظات "لم يلمس تحسناً نوعياً في ملفات البنى التحتية أو الخدمات الأساسية، رغم مرور فترة كافية على تشكيل الإدارات الجديدة". وأشار الكعبي إلى أن "استمرار الصراعات الداخلية وصناعة الأزمات بدلاً من تقديم الحلول سيؤدي إلى تعميق فجوة الثقة بين الشارع والطبقة السياسية، خاصة في ظل تصاعد الشعور بالإحباط من تكرار أنماط المحاصصة والفساد وتعثر المشاريع أو بقائها ضمن إطار الوعود غير المنجزة". ولفت إلى أن "تجربة اللامركزية لا يمكن أن تنجح ما لم تُفصل عن التجاذبات الحزبية الضيقة، وتُربط بمعايير الكفاءة والشفافية والمساءلة، مع ضرورة تمكين الأجهزة الرقابية وتعزيز دور المجتمع المحلي في متابعة الأداء". وحذر من أن "استمرار المشهد على حاله، دون مراجعة جدية لآليات إدارة المحافظات، قد يفضي إلى موجة غضب شعبي جديدة، في حال شعر المواطن بأن النظام السياسي غير قادر على إصلاح نفسه أو تصحيح مسارات الحكومات المحلية".
المحاصصة تهيمن على مجالس المحافظات
من جهته، قال المحلل السياسي داوود سلمان أن "مجالس المحافظات كان يفترض بها ترميم واقع مأزوم وإصلاح الخراب، والعمل على تعزيز اللامركزية ومنح الإدارات المحلية مساحة أوسع لاتخاذ القرار بما ينسجم مع خصوصية كل محافظة واحتياجاتها". وأَضاف سلمان في حديث مع "طريق الشعب"، أن "التطبيق العملي انحرف عن هذا المسار، نتيجة هيمنة القوى السياسية على آليات الاختيار والتعيين، واعتماد معايير الولاء الحزبي على حساب الكفاءة والخبرة".
وتابع ان "هذا الخلل البنيوي انعكس على طبيعة الأداء، وحوّل الكثير من المجالس إلى ساحات صراع سياسي، بدلاً من كونها منصات للتخطيط والتنفيذ"، مشيرا الى أن "النمو الحقيقي للعراق يبدأ من تنشيط محافظاته، باعتبارها الوحدات الأساسية في البناء الاقتصادي والاجتماعي، غير أن تعطّل المشاريع أو ضعف جدواها، فضلاً عن شبهات الفساد وسوء الإدارة، أسهمت في إبطاء عجلة التنمية المحلية".
ولفت سلمان إلى أن ما شهدته بعض المحافظات، مثل بابل وصلاح الدين والمثنى اخيراً من صراعات، يعكس حالة من إعادة ترتيب النفوذ السياسي داخل المجالس وليس سعياً لإصلاح إداري شامل.
واعتبر أن "تكرار الإقالات والاستقالات والصراعات على الصلاحيات يؤكد هشاشة التفاهمات السياسية التي تُبنى غالباً على تقاسم المواقع لا على برامج عمل واضحة"، مبيّنا أن "الأزمة لا تقتصر على الأداء المحلي فحسب، إذ ترتبط ببنية النظام السياسي الذي لا يزال يعاني من اختلالات عميقة تعرقل بناء مؤسسات مستقرة وفاعلة". وأضاف قائلاً ان "غياب المساءلة الحقيقية وتداخل المصالح الحزبية مع القرار التنفيذي يحدّان من قدرة الحكومات المحلية على العمل باستقلالية ومهنية"، داعيا إلى "مراجعة شاملة للإطار القانوني والدستوري المنظم لعمل الحكومات المحلية، بما يضمن وضوح الصلاحيات وتحديد المسؤوليات، ويمنع تضاربها بين المركز والمحافظات". كما اقترح "إعادة النظر في آلية اختيار المحافظين، عبر الانتخاب المباشر من قبل المواطنين، بما يعزز شرعية المنصب ويجعل المحافظ أكثر ارتباطاً بالناخبين".
المجالس معطلة وتحولت الى ساحات نفوذ
الى ذلك، قال د. جاسم الموسوي، أكاديمي ومحلل في الشأن السياسي، إن تجربة مجالس المحافظات في العراق تأثرت بشكل واضح بطبيعة الانقسامات والصراعات السياسية التي تطبع المشهد البرلماني، مشيراً إلى أن هذه الانعكاسات أفرغت المجالس من دورها الإداري والتشريعي المحلي، وحوّلتها في كثير من الأحيان إلى امتداد للصراع الحزبي الدائر في بغداد.
وأضاف الموسوي في حديث مع "طريق الشعب"، أن "ما حدث هو انتقال الخلافات بين الكتل السياسية من قبة البرلمان الى داخل مجالس المحافظات، لترتدي طابعاً إدارياً ظاهرياً، لكنها في جوهرها صراعات نفوذ ومصالح"، منبها الى أن "هذا الخلط بين العمل السياسي والعمل الإداري المحلي خلق إرباكاً واضحاً في الأداء، إذ باتت القرارات داخل بعض المجالس رهينة التوازنات الحزبية لا أولويات التنمية". وبيّن أن "الصراعات التي يفترض أن تكون على برامج خدمية ورؤى اقتصادية تحولت إلى تنافس على المواقع والمناصب، ما أثّر سلباً على استقرار الإدارة المحلية وأعاق تنفيذ الخطط". وتوقف عند مشاهد الاستقالات المتداولة إعلامياً، والخلافات التي تظهر بين المحافظين وأعضاء المجالس، لافتاً إلى أن إعلان مجلس محافظة قبول استقالة محافظ، ثم يظهر المحافظ لينفي ذلك لاحقاً عبر وسائل الإعلام، يكشف حجم الفجوة والصراع داخل المنظومة المحلية.
واعتبر أن مثل هذه الوقائع "تعكس غياب آليات مؤسسية واضحة لإدارة الخلافات، وتؤشر أن النزاع غالباً ما يكون قائماً على الاستحواذ على المنصب أكثر من كونه خلافاً حول برنامج عمل أو رؤية إصلاحية".
وبيّن أن "محاولة إزاحة محافظ أو التمسك بالمنصب لا تُقرأ بمعزل عن حسابات النفوذ السياسي والمالي، في ظل غياب وعي راسخ بطبيعة المسؤولية الملقاة على عاتق مجالس المحافظات".
وأكد أن "التعامل مع الاستقالة أو الإقالة ينبغي أن يجري وفق أطر قانونية ومؤسسية واضحة، لا عبر بيانات متضاربة أو تسجيلات مصورة تعكس ارتباكاً في إدارة الملف"، مشيرا الى أن هذا المشهد "يكرّس صورة سلبية لدى الرأي العام، ويعمّق الشكوك بشأن جدية التجربة اللامركزية في تحقيق التنمية، فالمواطن لا يعنيه حجم الصراع بقدر ما يعنيه توفر الخدمات وتحسين واقعه المعيشي، وعندما يرى أن الخلافات تطغى على العمل الخدمي، تتراجع ثقته بجدوى هذه المؤسسات".