اخر الاخبار

يشهد ملف الدراسات العليا في العراق حالة من التوتر والجدل المتصاعد، وسط تدفق عشرات الآلاف من الشهادات القادمة من الخارج سنويًا، ولا سيما من دول الجوار مثل تركيا وإيران ولبنان.

ويعزو الأكاديميون هذا التزايد إلى ضعف بعض المعايير الأكاديمية في الجامعات الأجنبية، التي تركز أحيانا على الجانب المالي واستقطاب الطلاب بغض النظر عن جودة التعليم، إلى جانب غياب تخطيط استراتيجي واضح في التعليم العالي داخل العراق.

إعادة تقييم آليات التدقيق والمعادلة

من جهته، دعا النائب السابق مختار الموسوي، في 19 شباط 2026، إلى فتح مراجعة شاملة لملف الشهادات العليا القادمة من خارج البلاد، حيث تتطلب معالجة عاجلة، في ظل الارتفاع الكبير بأعدادها خلال السنوات الأخيرة.

وقال الموسوي في تصريح صحفي، إنّ "تدفق الشهادات العليا من جامعات خارجية، ولا سيما من بعض دول الجوار، بلغ مستويات غير مسبوقة تقدر بعشرات الآلاف سنويا، الأمر الذي يفرض على الجهات المعنية إعادة تقييم آليات التدقيق والمعادلة بشكل أكثر صرامة".

ودعا إلى تدقيق شامل في صحة صدور الشهادات باستخدام تقنيات حديثة، وتشكيل لجان أكاديمية عليا لمقابلة حملة شهادتي الماجستير والدكتوراه للتحقق من مستواهم العلمي، فضلاً عن إعادة النظر بآلية ربط الشهادة بالراتب وتحديد الحاجة الفعلية لمؤسسات الدولة من هذه الاختصاصات.

وأكد الموسوي أن "القضية لا تتعلق بعدد الشهادات بقدر ما ترتبط بجودتها وجدواها".

القبول العشوائي يضعف الجودة!

يقول الأستاذ المساعد الدكتور حسن فلاح فخر الدين، رئيس قسم هندسة الأجهزة الطبية في جامعة الإمام جعفر الصادق/ فرع النجف، ان "الآليات المعتمدة حاليا عبر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي نجحت إلى حد كبير في كشف حالات التزوير الشكلي، ولا سيما من خلال المخاطبات الرسمية وقواعد بيانات الجامعات المعترف بها"، إلا أنه يشدد في الوقت ذاته على أن النجاح الإداري لا يعني بالضرورة ضمان الجودة العلمية، فالتقنيات الإدارية وحدها مهما بلغت دقتها تبقى غير كافية للحكم على القيمة الحقيقية للشهادة، ما لم تُستكمل بتقييم علمي معمق.

وبين فخر في حديث لـ"طريق الشعب"، أن الفيصل الحقيقي في مصداقية الشهادة ومستواها الفعلي هو تقييم النتاج البحثي والأثر الأكاديمي، لا الاكتفاء بصحة الإجراءات الشكلية؛ فالشهادة، بحسب وصفه، ليست وثيقة قانونية فحسب، بل انعكاس مباشر لقدرة علمية وبحثية يفترض أن تُترجم إلى أثر ملموس داخل المؤسسة الأكاديمية وخارجها.

وينتقد حسن اعتماد بعض الجامعات العراقية على المقابلات الفردية بوصفها أداة التقييم الأساسية، موضحا أنها غالبا ما تقيس الانطباع العام والمهارات الشخصية أكثر مما تقيس الكفاءة البحثية العميقة.

ويؤكد أن المعيار الأدق والأكثر موضوعية يتمثل في فحص الرسائل والأطروحات العلمية، وتحليل جودة النشر العلمي، وتقييم القدرة التطبيقية في التخصص.

ويشدد حسن على ضرورة إيلاء التخصصات التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر، أهمية خاصة، لا سيما التخصصات الطبية والهندسية، حيث لا يمكن التساهل في معايير التقييم، لأن أي ضعف علمي قد ينعكس بشكل سلبي على جودة الخدمات الصحية أو الهندسية أو التقنية. ومن هنا، يدعو حسن إلى تحديد جامعات رصينة بعينها ضمن تصنيفات عالمية معتمدة، لتكون جهات دراسة معترفًا بها للطلبة العراقيين، بدل ترك الباب مفتوحًا على مصراعيه.

وعن البعد المالي، يشير حسن إلى أن الربط المالي بالشهادة يمكن أن يكون عامل تحفيز إيجابي إذا ارتبط بمؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس. لكنه يحذّر من أن الواقع العراقي يُظهر أحيانا نتائج عكسية، إذ تتحول الشهادة إلى امتياز وظيفي يُسعى إليه من أجل اللقب أو المنفعة، لا بوصفها أداة لإنتاج المعرفة أو حل المشكلات.

ويؤكد أن القيمة الحقيقية للشهادة العليا لا تظهر إلا عندما تُقترن بمسؤوليات علمية محددة داخل المؤسسة، وبمهام يمكن تقييم نتائجها بوضوح، سواء في البحث أو التطوير أو حل المشكلات التطبيقية.

ويدعو د. حسن إلى أن تقوم الدولة بتحديد احتياجاتها من الشهادات العليا وفق متطلبات العمل الفعلي لكل وزارة ومؤسسة، آخِذة بنظر الاعتبار حجم المهام البحثية، وطبيعة التحديات التقنية، وأثر توظيف الكفاءات العليا على جودة الخدمات المقدمة للمواطن.

ولضمان الجدوى، يشدد على ضرورة ربط الشهادة بمشاريع تطوير محددة ونتائج قابلة للقياس، لا بمجرد اللقب الوظيفي أو المحسوبية أو المؤهل الأكاديمي المجرد.

المقابلات لا تكشف الكفاءة!

وتقول د. سهى العامري، أستاذة جامعية، أن المشكلة لا تكمن في التقنيات الحديثة بقدر ما تكمن في فلسفة القبول نفسها، وفي المعايير التي تحدد من يحق له الدخول إلى مسار الدراسات العليا، داخل العراق أو خارجه.

وتبين العامري في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن الخطوة الأولى والأساسية لضمان الجودة لا تبدأ بعد الحصول على الشهادة، بل قبل ذلك بكثير، وتحديدا عند اختيار الفئات المؤهلة للتقديم. فالدراسات العليا يجب أن تكون حكرا على المتفوقين والمتميزين، سواء كانوا من الثلاثة أو العشرة الأوائل على مستوى الأقسام والكليات، بغضّ النظر عن المعدل الرقمي المجرد. فهؤلاء، بحسب رأيها، هم القاعدة الحقيقية للنجاح الأكاديمي، وهم الضامنون للتفوّق والتميز العلمي لاحقا.

وتنتقد العامري سياسة إتاحة الفرصة الواسعة للتقديم، خصوصا في حال الدراسة خارج العراق على النفقة الخاصة، حيث يُسمح أحيانا لحملة شهادة البكالوريوس بأي معدل كان، ومن دون اعتبار للكفاءة أو التعيين الجامعي، بالالتحاق بجامعات في دول الجوار أو بعض الدول العربية أو الأجنبية.

وتصف الأستاذة الجامعية هذا المسار بأنه لا يحقق ضمان الجودة إطلاقا، لأن الجودة لا تقاس بالنتيجة النهائية (الشهادة)، بل بالمدخلات والمعايير السابقة للحصول عليها.

وفيما يخص الجامعات المانحة للشهادات، تشير إلى أن هناك تغيرات مستمرة؛ إذ تقوم وزارة التعليم العالي بتحديث قوائم الجامعات المعترف بها وفق معايير وطنية ومحلية وعالمية، وقد تُسحب الثقة من جامعات وتُضاف أخرى، ثم تعود بعض الجامعات بعد عام أو عامين.

وتصف العامري هذا النهج القائم على الإدخال والإخراج المتكرر بأنه "غير صحي" إذا لم يستند إلى تخطيط علمي طويل الأمد، محذرة من إدارة التعليم العالي بردود أفعال أو قرارات آنية.

وتشدد على أن "ملف التعليم العالي يحتاج إلى تخطيط استراتيجي واضح المعالم وخطط قصيرة، ومتوسطة، وطويلة الأمد، تدار عبر لجان متخصصة، لا عبر اجتهادات فردية أو ضغوط آنية. فالتعليم، هو عماد الدولة والتنمية والتخطيط المستقبلي، ولا يمكن التعامل معه بعشوائية".

اعتماد مفرط على مقابلات فردية

وترفض العامري سياسة الاستثناءات والامتيازات في القبول بالدراسات العليا، خصوصا حين تكون مرتبطة بفئات معينة داخل العراق؛ فهي لا تعارض الامتيازات المالية أو الخدمية، لكنها ترفض أن تمتد إلى مستوى التعليم، لأن ذلك يفتح الباب أمام دخول غير المستحقين، ويحرم الأكفأ والأجدر من فرصهم الحقيقية، ما يُضعف المنظومة التعليمية من أساسها.

وتؤكد أن رصانة الشهادة لا تبدأ من لحظة منحها، بل من مرحلة ما قبل القبول، حيث يجب رفع مستوى المعايير منذ البداية. أما الاكتفاء بتقييم الجودة بعد الحصول على الشهادة، فهو حسب رأيها، قفز على أصل المشكلة.

أما عن تقييم حملة الشهادات العليا، فتنتقد العامري الاعتماد المفرط على المقابلات الفردية، معتبرةً أنها لا تعكس بالضرورة الكفاءة العلمية أو البحثية. فهذه المقابلات، التي تُجرى غالبا من قبل لجان شبه ثابتة، باتت متوقعة الأسئلة، ويستعد لها المتقدمون مسبقا عبر تجارب الآخرين. وغالبا ما تتركز على عنوان الرسالة أو الأطروحة، وملخصها، وبعض الأسئلة العامة، إضافة إلى معايير شكلية كالمظهر واللباقة.

وبرأيها، فإن مقابلة تمتد من 15 إلى 30 دقيقة غير كافية للحكم على صلاحية المتقدم للتدريس الجامعي؛ فالتحدي الحقيقي لا يكمن في اجتياز المقابلة، بل في الأداء داخل القاعة الدراسية، والقدرة على إدارة المحاضرة، والتفاعل مع الطلبة، وتطبيق طرائق التدريس الحديثة. حتى الدورات القصيرة في طرائق التدريس، وإن كانت ضرورية، لا تكفي وحدها لتقييم الكفاءة الحقيقية.

وتتابع العامري حديثها بالتأكيد على أن الكفاءة في التعليم العالي ليست علمية وبحثية فقط، بل هي منظومة متكاملة من المهارات التربوية، والتواصلية، والأدائية، التي يجب أن تتوفر في من يعملون في هذا المجال الحساس؛ فالتعليم العالي، كما ترى، لا يحتمل الحلول الجزئية، بل يحتاج إلى رؤية شاملة، مدروسة، وعادلة، تبدأ من القبول ولا تنتهي عند الشهادة.