تواجه العديد من الطبقات الاجتماعية في العراق، خطر التلاشي بعد عقود من الاعتماد على الاقتصاد الريعي وسيطرة السلطة على الموارد، فيما برزت فئات جديدة تعتمد على الولاءات والامتيازات الحكومية.
ويعكس هذا الواقع كيف شكّل الريع والسلطة طبقات وفئات المجتمع على مر السنين، ما يضع تحديات أمام بناء مجتمع قادر على المشاركة الفعلية في صنع القرار.
المحاصصة والفساد!
يقول الباحث الاجتماعي يوسف كمال، إنّ دراسة الطبقات الاجتماعية في العراق بدأت بأعمال الكاتب العراقي ذي الأصول الفلسطينية حنا بطاطو، الذي قدم تحليلاً مفصلاً لتكوين المجتمع وطبقاته ووعيها السياسي. وقبل بطاطو، كتب المستشرق مينورسكي عن المجتمع الكردستاني، مسلطاً الضوء على دور الشيخ والأغا والفلاح في البنية الاجتماعية، فيما تناول الدكتور كمال مظهر ملامح نشوء الطبقة العاملة.
ويشير يوسف إلى أن الكتابات الشيوعية ركزت على الطبقة العاملة والفلاحية كركيزة أساسية للتغيير الاجتماعي.
ويضيف يوسف في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن الاقتصاد بطبيعته يقوم على التخطيط والتوازن بين ثروات البلد والأيدي العاملة واحتياجات المجتمع المحلية، مع التفكير بالتصدير بعد تلبية هذه الاحتياجات. لكنه يشير إلى أن العراق لم يشهد في معظم تاريخه سياسات اقتصادية متناسقة، فقد ساهم استحواذ الإقطاع على الأراضي والسيطرة على وسائل الإنتاج في هجرة الفلاحين إلى المدن، للعمل بأجر يومي أو التوظيف الحكومي، ما أدى إلى ظهور تجمعات سكنية على أطراف المدن.
ويتابع يوسف قائلاً إن العهد البعثي، رغم شعاراته الرنانة عن الإنتاج والعمل والشرف، لم يلب احتياجات المواطن، بل كان يشهد السوق إما نقصاً أو فائضاً في المواد الأساسية مثل البيض، نتيجة التخطيط غير المدروس. ومع دخول العراق في حرب بلا فائز، تحول الإنتاج تدريجياً إلى القطاع المختلط ثم إلى الخصخصة، لتعود الأغلبية للقطاع الخاص كما كان قبل سيطرة الدولة.
ويشير يوسف إلى أن الحصار الدولي دفع المواطنين لبيع ممتلكاتهم من أجل البقاء، في حين اقتصرت مهمة الدولة على توفير المواد الغذائية الأساسية، مثل السكر والشاي والدقيق والأرز والزيت. وبعد سقوط النظام السابق، ظهرت آمال كبيرة في استثمار خيرات العراق الطبيعية، من النفط والمعادن إلى الأراضي الزراعية.
ويؤكد يوسف أن المحاصصة والتقسيم الطائفي خلقت بيئة فساد وجشع، وظهرت مصطلحات مثل "تبييض الأموال". وتحولت بغداد من مدينة صناعية تحتضن المصانع والمعامل إلى مدينة تتنافس فيها المطاعم والجامعات الخاصة والمولات على أفضل المواقع التجارية، ما رفع أسعار الأراضي بشكل جنوني، بينما تقلصت مساحة المساكن لتصبح بعض البيوت أقل من خمسين متراً مربعاً.
ويختم يوسف بالقول: إن الهجرة إلى المدن أضعفت طبقة الفلاحين، فيما ظهرت طبقة جديدة من المستثمرين المدعومين سياسياً، بينما أصبحت الطبقة العاملة رهينة سياسات خاطئة وفائض في بعض التخصصات ونقص في أخرى، ما أدى إلى بطالة مقنعة وهجرة للكفاءات. القطاع العام أصبح عبئاً على ميزانية الدولة، في حين بقي النفط المصدر الوحيد للدخل، غير متناسب مع حجم السكان الذي تجاوز الأربعين مليون نسمة، ومع وجود أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية غير المهنية والمتسولين.
غياب الثقافة الاقتصادية!
ويرى الخبير الاقتصادي عبد السلام حسن حسين، أن الاقتصاد الريعي، الذي يعتمد بشكل رئيسي على النفط والدعم الحكومي المباشر، ساهم بشكل مباشر في تراجع الطبقات الاجتماعية وتفاقم الفقر في العراق.
وبحسب حسين، فإن غياب ثقافة اقتصادية متعمقة وبرمجة واضحة لإدارة الموارد جعل الدولة عاجزة عن خلق اقتصاد متوازن يشمل جميع شرائح المجتمع.
ويشرح حسين لـ"طريق الشعب"، أن الاعتماد المفرط على النفط يمثل خطأً جوهرياً، مضيفاً أن الدعم الريعي يجب أن يتنوع ليشمل الزراعة والتجارة والصناعة، ولكن الواقع السياسي المعقد، مع وجود أكثر من سبعة إلى ثمانية أحزاب وكثرة المسؤولين الذين يتنافسون على المناصب، يمنع أي خطة اقتصادية من النجاح.
ويشير إلى أن تعدد الأحزاب والكتل السياسية، وغياب الانتخابات المنتظمة، يؤدي إلى ضعف القيادة وتشتت القرارات، ما ينعكس مباشرة على توزيع الموارد. فالأسر المحرومة من الرواتب أو التعيينات، والتي لا تحصل حتى على نصيب من الأراضي الحكومية، تتضاعف أعدادها، بينما تستفيد عائلات قليلة مرتبطة بالسلطة من المخصصات والدعم.
ويصف حسين هذه السياسات بأنها خلقت طبقات اجتماعية منهارة، مع غياب العدالة في التوزيع، وتفاقم الفقر، وظهور فجوات واسعة بين من يملكون ومن لا يملكون.
ويضيف أن "الحلول موجودة وسهلة، لكن غياب الإرادة السياسية يجعل العراقيين يعيشون دائماً في حالة فقر مستمرة".
الولاءات والامتيازات أعادت ترتيب المجتمع
تقول الباحثة الاجتماعية إسراء نجم، ان "الطبقات الاجتماعية في العراق تتعرض لخطر التلاشي بعد عقود من الاقتصاد الريعي والسيطرة السياسية على الموارد. الصعود الاجتماعي أصبح مرتبطاً بالولاءات والامتيازات الحكومية أكثر من الإنتاج والكفاءة، ما أدى إلى تراجع الفلاحين والطبقة العاملة وظهور فئات جديدة تعتمد على القرب من السلطة، بينما بقيت الطبقة الوسطى ضعيفة وغير مستقلة".
وتبين نجم ان "السياسات السابقة عطلت ولادة طبقة منتجة مستقلة وغيبت الفرص أمام المواطنين لبناء حياتهم على أسس التعليم والعمل والمبادرة الذاتية، مما عمق الفوارق الطبقية وزاد من هشاشة المجتمع".
وتضيف نجم ان "إعادة بناء طبقات وسطى مستقلة وفاعلة، تشترط إصلاحا شاملا يشمل إعادة توزيع الفرص بشكل عادل، وتعزيز التعليم والتدريب المهني، ووضع معايير للشفافية والكفاءة في الوصول إلى الموارد، بحيث يعتمد النجاح الاجتماعي على الإنتاج والعمل وليس الولاءات السياسية أو القرب من السلطة. فقط بهذه الطريقة يمكن للعراق أن يبدأ استعادة توازن الطبقات الاجتماعية وضمان مشاركة حقيقية لجميع المواطنين في صنع القرار".