مع بداية ساعات النهار الأولى من يوم المرأة العالمي، افترشت مئات النساء العراقيات بسطات الأسواق الشعبية ومحال بيع الأدوات المنزلية، في مشهد مؤلم يعكس حجم المعاناة اليومية التي تواجههن، والصعوبات التي يكابدنها من أجل لقمة العيش، حيث تسعى الكثير منهن لتوفير قوت يومهن، لاسيما تلك النسوة اللواتي يتحملن مسؤولية أسرهن بمفردهن في ظل غياب أي دعم حكومي فعلي.

العمل من أجل البقاء

مع بداية اليوم، كانت المواطنة ساهرة أم جود تفترش "بسطيتها" في إحدى الأسواق الشعبية ببغداد، عارضة بضاعتها من الخضار، على أمل تحقيق دخل يكفيها وزوجها المقعد منذ سنوات وأحفادها الأربعة الذين فقدوا والدهم بسبب مرض مفاجئ.

في حديثها لـ "طريق الشعب"، تقول ساهرة إن إيجار سكنها المتواضع يبلغ 350 ألف دينار شهريًا، فيما لا يزيد الراتب الشهري للرعاية الاجتماعية على 200 ألف دينار، وهو مبلغ لا يغطي أبسط متطلبات الحياة اليومية، خاصة مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية التي فرضتها الأوضاع غير المستقرة، إضافة إلى استغلال التجار لشهر رمضان.

وتشير أم جود إلى تعرضها لمضايقات من جهات غير حكومية تفرض عليها دفع مبالغ مالية مقابل السماح لها بالعمل، وأنها دفعت مبلغًا كبيرًا سابقًا للحصول على مكان البسطية، وتضيف: "العيد بالنسبة لي هو أن أتمكن من العودة إلى بيتي بدخل يكفي دفع الإيجار وتوفير الطعام والملبس للأطفال".

نساء يكدحن بلا حماية

ولـ "طريق الشعب"، تقول المواطنة إسراء سامي، التي تعمل في بيع الأدوات المنزلية، إن ضنك العيش بعد وفاة زوجها قبل عامين نتيجة حريق شبّ في شقتهما، أجبرها على العمل كعاملة في أحد المحال لبيع الأدوات المنزلية "لغرض توفير المتطلبات الحياتية والمدرسية لأطفالي الأربعة".

وتضيف أنها مع "الظروف الصعبة التي فرضها واقع الحال، وعدم قدرتي على دفع إيجار البيت، اضطررت للسكن في أحد منازل العشوائيات". وتتقاضى المواطنة إسراء راتبًا أسبوعيًا يقدّر بـ 50 ألف دينار، مقابل عملها من الساعة الثامنة صباحًا إلى الساعة الواحدة ظهرًا. وتؤكد أن "المبلغ غير كافٍ لتلبية جميع المتطلبات اليومية، لكنه أفضل من لا شيء، إضافة إلى أن هناك معونات مختلفة تصلني من والدتي، أستطيع من خلالها تدبير أموري مع أطفالي، الذين أطمح لأن يكملوا تعليمهم".

وحول مسعاها للحصول على راتب للرعاية الاجتماعية، تفيد أنها "لم تستطع الحصول عليه بسبب تلف المستمسكات الرسمية أثناء حادث حريق الشقة"، معربة عن أملها في إيصال صوتها إلى المعنيين لغرض شمولها بالإعانة الاجتماعية، وتسهيل مهمة استخراج الأوراق الرسمية.

تحديات العمل والتمثيل النقابي

وفي سياق الحديث عن واقع النساء العاملات، تؤكد الناشطة نوف الموسوي أن اليوم العالمي للمرأة يمثل مناسبة مهمة لتسليط الضوء على التحديات التي تواجهها النساء في سوق العمل العراقي، وفي المجال النقابي أيضًا.

وتقول الموسوي إن المرأة العراقية حاضرة في مختلف ميادين العمل والإنتاج، وأسهمت في قطاعات التعليم والصحة والخدمات والإدارة العامة، إضافة إلى حضورها في القطاع الخاص، لكنها ما تزال تواجه عقبات عديدة تحدّ من مشاركتها الكاملة، من بينها ضعف الحماية الاجتماعية وتفاوت الفرص المهنية.

وتضيف أن أحد أبرز التحديات يتمثل في ضعف التمثيل النقابي للنساء داخل الاتحادات والنقابات المهنية، حيث تبقى مواقع القيادة النقابية بعيدة، في كثير من الأحيان، عن مشاركة المرأة، رغم أن النساء يشكلن نسبة مهمة من القوة العاملة في عدة قطاعات. وترى أن هذا الخلل ينعكس سلبًا على الاهتمام بقضايا النساء العاملات، مثل حماية الأمومة، والمساواة في الأجور، وتوفير بيئة عمل آمنة خالية من التمييز والتحرش.

كما تشير الموسوي إلى أن كثيرًا من النساء العاملات، خصوصًا في القطاع الخاص والعمل غير المنظم، يواجهن ظروف عمل غير مستقرة، مع غياب الضمان الاجتماعي والتقاعدي، ومحدودية الإجازات القانونية، والحماية من الفصل التعسفي. وتشدد على أهمية تمكين النساء داخل العمل النقابي وتشجيعهن على الانخراط في النقابات والمشاركة في الانتخابات النقابية، إلى جانب توفير برامج تدريب وتأهيل تساعدهن على الوصول إلى مواقع القيادة وصنع القرار.

واقع مؤلم وغياب الحماية

وتوضح شهادات هؤلاء النساء حجم التحديات اليومية: الفقر، والبطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى ضعف الدعم الحكومي والرعاية الاجتماعية ونقص الحماية القانونية للأرامل. وتجعل هذه العوامل تحقيق حياة كريمة أمرًا بعيد المنال لكثير من النساء في العراق، رغم الجهود المحدودة لبعض المنظمات المحلية والدولية.

صوت عالمي من منظمة العمل الدولية

وفي إطار الاحتفال باليوم العالمي للمرأة 2026، دعا المدير العام لمنظمة العمل الدولية، جيلبيرت ف. هونغبو، إلى تحويل الالتزامات الدولية إلى إجراءات ملموسة لتعزيز حقوق المرأة في العمل، مؤكدًا أن سد فجوة الأجور بين الجنسين، وضمان أماكن عمل آمنة خالية من العنف والتحرش، وتعزيز حماية الأمومة، وتوسيع نظم الرعاية، تمثل خطوات أساسية لضمان تمكّن كل امرأة من العمل بكرامة ومساواة.