اخر الاخبار

مع تصاعد حجم التحديات الاقتصادية عالمياً ومحلياً، يتصاعد النقاش حول الحاجة إلى تحول جذري في طريقة صياغة الموازنة وإدارتها، لتكون قادرة على مواجهة الصدمات الخارجية وتقلبات الأسعار العالمية، خصوصاً النفطية، فضلاً عن التحديات الجيوسياسية التي قد تؤثر على الاقتصاد العراقي.

ويُجمع الخبراء على أن الموازنة المقبلة لا يمكن أن تظل نموذجاً تقليدياً يعتمد على تقديرات الإيرادات فقط، مؤكدين ضرورة أن تبنى على إدارة المخاطر، مع اعتماد حسابات محافظة للأسعار النفطية، وضبط الإنفاق بشكل يوازن بين النفقات التشغيلية الضرورية والاستثمارات المنتجة التي تخلق قيمة اقتصادية حقيقية.

واكدوا أن نجاح موازنة 2026 يرتبط مباشرة بوضع أرقام واقعية، وخطط واضحة للحد من العجز، وضبط المالية العامة، بما يضمن استقرار الاقتصاد الكلي، وحماية العملة الوطنية، والحد من التضخم، وتهيئة بيئة استثمارية آمنة ومستدامة

وشهدت الأسواق العالمية، أمس السبت، تقلبات حادة في التداولات، بالتزامن مع ارتفاع كبير في أسعار النفط وتراجع مؤشرات الأسهم الأمريكية؛ إذ أغلق خام نفط برنت فوق حاجز 100 دولار للبرميل لليوم الثاني على التوالي، مسجلاً أعلى مستوياته منذ نحو ثلاث سنوات.

وأثار ارتفاع أسعار الطاقة مخاوف متزايدة من موجة تضخم عالمية قد تؤثر على الاقتصاد الدولي، في وقت تراجعت فيه شهية المستثمرين للمخاطرة، ما انعكس سلباً على أداء الأسهم الكبرى.

موازنة تنمية لا موازنة رواتب

في هذا الصدد، قال أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن موازنة عام 2026 ينبغي أن تُصاغ وفق مبدأ “إدارة المخاطر” بدلاً من الاكتفاء بتقديرات الإيرادات، في ظل ازدياد تعرض الاقتصاد العراقي للصدمات الخارجية، سواء نتيجة تقلبات أسعار النفط أو التوترات الجيوسياسية، محذراً من أن الاستمرار بعقلية الإنفاق التقليدي سيجعل الموازنة عرضة للعجز منذ أشهرها الأولى.

وأوضح لـ"طريق الشعب"، أن أولى الأولويات "تكمن في اعتماد سعر نفط تحفظي ومنخفض نسبياً، لأن المبالغة في تقدير الإيرادات تعني بناء إنفاق على موارد غير مضمونة"، مشيراً إلى أن "أي فائض مالي يتحقق بفعل ارتفاع الأسعار يجب أن يوجه إلى صندوق احتياطي أو لتقليل الدين العام، بدلاً من توسيع النفقات التشغيلية".

وبيّن السعدي أن "المشكلة الجوهرية في المالية العامة تتمثل في تضخم النفقات التشغيلية، ولا سيما الرواتب والدعم، مقابل ضعف الإنفاق الاستثماري المنتج"، داعياً إلى "تحويل الموازنة تدريجياً من موازنة رواتب إلى موازنة تنمية، عبر ربط المشاريع الاستثمارية بعوائد اقتصادية حقيقية لا بأهداف إنفاقية شكلية".

كما شدّد على أهمية "إدخال أدوات مرونة داخل الموازنة تسمح بتعديل الإنفاق تلقائياً وفق تغير أسعار النفط، لتقليل مخاطر العجز في ظل اقتصاد ريعي، إلى جانب تعزيز الإيرادات غير النفطية عبر إصلاح النظامين الضريبي والجمركي بطريقة واقعية لا تخنق النشاط الاقتصادي".

وأتم حديثه بالتأكيد على ضرورة "تضمين رؤية واضحة لدعم القطاع الخاص"، مبيناً أن "الدولة لم تعد قادرة على الاستمرار كمشغل رئيسي، وأن خلق فرص العمل يجب أن ينتقل من القطاع العام إلى الاقتصاد الحقيقي، من خلال خلق بيئة استثمارية مستقرة وتمويل ميسر ومشاريع إنتاجية قادرة على توليد قيمة مضافة مستدامة".

وطبقا لصحيفة فايننشال تايمز، فإن التدفقات النفطية عبر مضيق هرمز انخفضت إلى 600 ألف برميل يومياً.

وذكرت الصحيفة البريطانية، أن "تقديرات (غولدمان ساكس) تشير إلى أن التدفقات عبر مضيق هرمز قد انخفضت إلى 600 ألف برميل يومياً، بانخفاض عن المستويات الطبيعية التي تتجاوز 19 مليون برميل، وهو ما يقارب إجمالي إنتاج النفط الأميركي".

حسابات واقعية وخطة لخفض العجز

من جانبه، اشار الخبير الاقتصادي صالح الهماشي الى أن موازنة عام 2026 يفترض أن تقوم على أرقام واقعية وخطة واضحة لضبط العجز، مشيراً إلى أن المشكلة ليست فقط في حجم الإيرادات النفطية، بل في طريقة إدارة الإنفاق.

وبين الهماشي لـ"طريق الشعب"، أن الاعتماد الكبير على النفط "يجعل الموازنة عرضة لأي انخفاض في الأسعار، لذلك من الضروري تقدير الإيرادات بحذر، وعدم بناء التزامات إنفاقية كبيرة على توقعات متفائلة".

وأضاف أن "الحكومة مطالبة بوضع سقف محدد للعجز لا يمكن تجاوزه، مع الالتزام بعدم اللجوء إلى الاقتراض إلا ضمن حدود مدروسة".

وبيّن أن "ضبط المالية العامة لا يعني تقليل الإنفاق عشوائياً، بقدر إعادة ترتيب الأولويات، بحيث يُعطى الإنفاق المنتج أولوية على المصاريف غير الضرورية"، مشددا على ضرورة "مراجعة أبواب الصرف، وتقليل الهدر، وتحسين كفاءة تنفيذ المشاريع لضمان أن كل دينار يُصرف يحقق فائدة حقيقية للاقتصاد".

ولفت الى ان "أي سياسة مالية رشيدة يجب أن تنسجم مع السياسة النقدية، لتفادي خلق ضغوط تضخمية أو اختلالات في ميزان المدفوعات"، لافتاً إلى أن "استقرار الاقتصاد الكلي شرط أساسي لجذب الاستثمار الخاص وتعزيز النمو الحقيقي".

كما أكد ضرورة "تنشيط الإيرادات غير النفطية بطريقة منظمة، من خلال تحسين جباية الضرائب والرسوم، ومحاربة التهرب، وتسهيل الإجراءات أمام القطاع الخاص، بدلاً من فرض أعباء جديدة قد تعرقل النشاط الاقتصادي".

وخلص الى التأكيد على أن "نجاح موازنة 2026 مرهون بوضوح أهدافها والتزام الحكومة بتنفيذها، لأن الاستقرار المالي هو الأساس لحماية قيمة العملة، والحد من التضخم، وخلق بيئة آمنة للاستثمار وفرص العمل". 

نحتاج لخطة طوارئ مالية

فيما أشار الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي إلى أن العراق يقف اليوم عند “مفترق طرق” في ظل التحولات الاستراتيجية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، على خلفية الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مشيراً إلى أن انعكاسات هذا التصعيد باتت واضحة على الداخل العراقي.

وقال الهاشمي في حديث مع "طريق الشعب"، إنّ المشكلة المزمنة التي يعاني منها العراق تتمثل في هشاشة تركيبته الاقتصادية والمالية والنقدية، لافتاً إلى أن هذه الهشاشة تظهر بوضوح أكبر في أوقات ارتفاع المخاطر ودخول المنطقة في حالات طوارئ جيوسياسية كالتي يشهدها الإقليم حالياً.

وبيّن أن من أبرز التداعيات المحتملة هو إغلاق مضيق هرمز، وهو ما ستكون له انعكاسات مزدوجة على العراق. فالأثر الأول يتمثل في توقف قدرة البلاد على تصدير النفط، ولا سيما من قبل المشترين الآسيويين وغيرهم من مستوردي الخام العراقي.

أما الأثر الثاني فيكمن، بحسب الهاشمي، في تعطّل سلاسل توريد البضائع إلى الأسواق العراقية عبر الموانئ الجنوبية، إذ أن الجزء الأكبر من هذه الواردات يصل عبر سفن تمر من خلال المضيق.

ونبّه الهاشمي إلى أن الأثر السلبي على العراق سيكون مضاعفاً في حال استمرار هذا السيناريو، ما يستدعي – بحسب رأيه – إعداد خطة طوارئ مالية عاجلة للتعامل مع التطورات الراهنة وتقليل الخسائر المحتملة. كما نوه بضرورة تأجيل التفكير في إعداد موازنة عام 2026 في المرحلة الحالية، إلى حين انحسار التوترات واستعادة العراق قدرته المالية والنقدية والتجارية إلى مستوياتها الطبيعية، مؤكداً أن إعداد موازنة تقديرية في ظل هذه الظروف الاستثنائية قد لا يكون واقعياً.

وختم الهاشمي تصريحه بالتأكيد أن هذا الطرح يأتي في سياق قراءة أولية للواقع الاقتصادي في ظل الأوضاع الراهنة التي تمر بها البلاد.

ثلاثة سيناريوهات

أما الخبير الاقتصادي أحمد هذال فقد ذكر أن العراق سيواجه تحديات غير مسبوقة في قطاع النفط وتصديره، في ظل توقف بعض أكبر الحقول النفطية وتهديد مضيق هرمز، الذي لا تخضع سيطرته لإيران وحدها بل تشترك معها فيه سلطنة عمان.

وقال هذال لـ"طريق الشعب"، أن هناك ترتيبات لوضع ثلاثة سيناريوهات للتعامل مع الوضع الحالي: متفائل، متوسط، ومتشائم، وهذه وضعت في حسابات الحكومة الحالية، مضيفا أن الإنفاق الحكومي حصر بحدود ثمانية تريليونات، مع وجود هدف لإعادة ضبط المسار المالي، بينما يحتمل توقف 80 إلى 90 في المائة من صادرات النفط العراقي. كما أن أكبر حقل نفطي في العراق، الذي ينتج أكثر من مليون برميل يوميًا، قد توقف بالفعل. وهناك حقول أخرى مرشحة للتوقف، إلى جانب احتمال انسحاب شركات أجنبية بسبب الوضع الأمني، بما فيها شركات نرويجية وغيرها بسبب الوضع الأمني.

وبخصوص الإنفاق الحكومي، بين هذال أنه سيحصر بشكل رئيسي برواتب الموظفين والمتقاعدين، والرعاية، والحصة التموينية، مؤكداً أن البرلمان من المرجح أن يتجه قريباً لتشريع قانون الأمن الغذائي رقم 2 لضمان استمرار تأمين الاحتياجات الأساسية.

ومن المرجح، بحسب هذال، أن يُقِرّ البرلمان موازنةً مصغّرة، وستحظى بموافقة الحكومة الحالية من الناحية القانونية، لا سيما أن هناك سابقة في عام 2022، ومن الممكن تمشية الأوضاع (6) اشهر لا اكثر.

وخلص الى أن "دول الخليج تمتلك ـ بعكس العراق ـ مخزونات نفطية داخلية وخارجية، وبالتالي تضمن الاستدامة المالية والأمن الغذائي لمدة عام، وفي حالة العراق سنستخدم الاحتياطي من قبل البنك المركزي لتمويل الرواتب والنفقات السيادية الأخرى".