في الوقت الذي يرزح فيه العراق تحت وطأة أزمات اقتصادية ومالية خانقة، تختار الحكومة أن تعمّق معاناة المواطنين بفرض ضرائب جديدة على خدمات أساسية، كخدمة الإنترنت وكروت تعبئة الرصيد، وكأن المواطن هو الحل السريع لسد عجز الموازنة.
هذه السياسات تعكس بشكل واضح غياب أي تخطيط اقتصادي حقيقي، وفشلا في إدارة الموارد المالية، وتحويل المواطن الى ضحية دائمة لإخفاقات الدولة، وبدل أن تُعالَج جذور الأزمة المالية، تُستخدم الإجراءات السهلة والثقيلة على المواطن لزيادة الإيرادات على حساب القدرة الشرائية للأسر، في مشهد يوضح بلا لبس أن العراق لا يمتلك حتى الآن نهجاً اقتصادياً واضحاً، ولا استراتيجية تحمي مصالح الناس أو تضمن استقرار السوق.
ووجهت وزارة الاتصالات بالمباشرة بتطبيق ضريبة بنسبة 20% على اشتراكات خدمة الإنترنت وكارتات تعبئة الرصيد الخاصة بخدمات الاتصالات في العراق.
وقضى التوجيه ببدء تنفيذ الضريبة على خدمات الإنترنت وكارتات الرصيد ضمن الإجراءات المالية المعتمدة، بما يشمل خدمات شركات الاتصالات ومزودي الإنترنت في البلاد، بهدف رفد الخزينة العامة بموارد مالية إضافية، في وقت يشهد فيه قطاع الاتصالات توسعاً كبيراً في حجم الاستخدام داخل العراق.
وكانت الحكومة قد أقرت في وقت سابق حزمة ضرائب ورسوم على بعض خدمات الاتصالات ضمن سياسات تنويع الإيرادات غير النفطية.
إجراءات تكشف عجز الحكومة
في هذا الصدد، قال المتخصص في الشأن الاقتصادي صالح الهماشي: إن التوجه الحكومي بفرض ضريبة بنسبة 20% على اشتراكات الإنترنت وكارتات تعبئة الرصيد، يعكس بوضوح حجم الأزمة المالية التي تواجهها الدولة، ولا سيما ما يتعلق بمشكلة نقص السيولة.
وأضاف الهماشي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن اللجوء إلى "فرض الرسوم والضرائب على الخدمات الأساسية أصبح أحد الأساليب السهلة التي تلجأ إليها الحكومات العراقية لتعويض العجز المالي بدلاً من معالجة جذور المشكلة الاقتصادية".
وتابع الهماشي أن "تحميل المواطنين تبعات الإخفاقات الحكومية في إدارة الملف الاقتصادي بات نهجاً متكرراً، في ظل غياب تخطيط اقتصادي طويل الأمد قادر على تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد المفرط على العائدات النفطية"، موضحا أن مثل هذه القرارات تأتي غالباً كرد فعل سريع لسد فجوات مالية طارئة، لكنها في المقابل تفرض أعباء إضافية على المواطنين الذين يواجهون أصلاً تحديات معيشية متزايدة.
وأشار إلى أن خدمات الإنترنت والاتصالات لم تعد خدمات ثانوية، بقدر ما أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية والعملية والتعليمية للمواطنين، وبالتالي فإن فرض ضرائب مرتفعة عليها سيؤدي إلى زيادة كلفة المعيشة خصوصاً على الفئات الهشة والتي تعاني اقتصادياً، وقد ينعكس بحسبه سلباً على قطاعات مختلفة تعتمد على الاتصال الرقمي في أعمالها ونشاطاتها.
وبيّن الهماشي، أن تعظيم إيرادات الدولة ينبغي أن "يتم عبر إصلاحات اقتصادية حقيقية وشاملة، تبدأ بمكافحة الهدر والفساد في مؤسسات الدولة، وإعادة تنظيم أولويات الإنفاق العام، وتفعيل القطاعات الإنتاجية والصناعية والزراعية، فضلاً عن تطوير النظام الضريبي بطريقة عادلة ومتوازنة لا تستهدف الشرائح الأضعف في المجتمع".
وأكد أن "استمرار الحكومة في الاعتماد على فرض الرسوم والضرائب على المواطنين لسد العجز المالي يعكس غياب نهج اقتصادي واضح المعالم"، ويشير إلى ضعف في إدارة الموارد المتاحة، لافتاً إلى أن العراق "يمتلك إمكانات اقتصادية كبيرة كان من الممكن استثمارها بصورة أفضل لو توفرت سياسات اقتصادية فعالة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى".
وختم الهماشي مؤكدا أن بناء اقتصاد مستقر لا يتحقق عبر إجراءات مالية آنية تُحمِّل المواطنين كلفة الأزمات، ويحتاج جُملة إصلاحات هيكلية مدروسة وبشكل علمي، وتعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، وتؤسس لسياسات مالية واقتصادية أكثر عدالة واستدامة تحمي مصالح المواطنين وتضمن في الوقت نفسه استقرار المالية العامة للدولة".
مدى نجاعة هذه الإجراءات؟
من جانبه، يرى الباحث في الشأن الاقتصادي عبد السلام حسين، ان هذا القرار يأتي في توقيت غير مناسب، ويضيف أعباء جديدة على المواطنين الذين يعانون أصلاً من ضغوط اقتصادية متزايدة.
وقال حسين في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "مثل هذه الإجراءات تعكس استمرار سياسة تحميل المواطن كلفة الإخفاقات في التخطيط الاقتصادي وإدارة الموارد المالية، دون تقديم حلول حقيقية لمعالجة العجز في السيولة أو تعزيز الإيرادات بطرق أكثر عدالة وفعالية".
وأضاف حسين أن "فرض الضرائب على الخدمات الأساسية، مثل الانترنت والاتصالات، يفاقم العبء على المواطنين ذوي الدخل المحدود، وسيؤثر سلباً بطبيعة الحال حتى على القدرة الشرائية للأسر".
واشار إلى أن هذه السياسات الاقتصادية السطحية لا تعالج جذور المشكلات المالية للدولة ولا توفر استقراراً للسوق، مؤكدا أن "الاستمرار في اعتماد على مثل هذه الإجراءات يعكس غياب نهج اقتصادي واضح واستراتيجية مالية متماسكة، وغياب رؤية طويلة المدى لتنويع مصادر الدخل، بعيداً عن الاعتماد على الرسوم والضرائب التي تثقل كاهل المواطنين".
وأشار حسين الى أن "تعظيم الإيرادات العامة يجب أن يتم عبر إصلاحات هيكلية حقيقية، تشمل مكافحة الهدر والفساد، وإعادة تنظيم الإنفاق العام، وتفعيل القطاعات الإنتاجية والخدماتية، بدلاً من تحميل المواطن العبء الأكبر دون مراعاة مصالحه الاقتصادية والاجتماعية".
وكرر تأكيده على أن النهج الحالي قد يؤدي الى تراجع الاستقرار الاقتصادي وارتفاع تكلفة المعيشة، ويزيد فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، معتبراً أن العراق بحاجة إلى سياسات اقتصادية عادلة ومستدامة توازن بين حماية مصالح المواطنين وتحقيق استقرار المالية العامة.