اخر الاخبار

في مشهد تتقاطع فيه الطموحات الأكاديمية مع واقع سوق عمل محدود، يجد خريجو الفنون والتخصصات النادرة أنفسهم أمام مسارات مهنية لا تشبه ما حلموا به خلال سنوات الدراسة. فبين شغف الاختيار وضغط الحاجة، تتكشف فجوة متنامية بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات السوق في العراق، لتتحول الشهادة الجامعية لدى كثيرين إلى بداية طريق غير متوقعة، لا نهايته.

من حلم إلى كابوس

دخل أحمد ادم عالم الفنون بدافع الشغف، حاملاً طموحاً أكاديمياً ورغبة بأن يكون جزءاً من المشهد الثقافي، مؤمناً بإمكانية تحويل الموهبة إلى مصدر رزق. لكن مع تخرجه، اصطدم بحقيقة مغايرة، سوق عمل محدود لا يتسع لاختصاصه، وغياب واضح لفرص تتيح له ممارسة ما درسه فعليا.

يرى أحمد أن طبيعة السوق العراقية تفرض مسارات ضيقة للنجاح المهني، حيث تتركز الفرص في قطاعات محددة، بينما تبقى بقية التخصصات، ومنها الفنون، خارج دائرة الإنتاج الحقيقي. هذا الخلل، برأيه، يجعل كثيراً من الخريجين يعيدون التفكير بخياراتهم، ليس بدافع الرغبة، بل كخيار اضطراري لضمان الاستقرار المعيشي.

تتعمق الإشكالية أكثر في القطاع العام، حيث يشير إلى غياب توصيف وظيفي واضح لتخصصه، فلا وجود فعلي لمسمى "عازف" ضمن المؤسسات الرسمية، ما يدفع خريجي الفنون إلى الاكتفاء بوظائف تعليمية لا تعكس بالضرورة طموحاتهم الأصلية. أما في القطاع الخاص، فالأجور المحدودة، خصوصاً في المجال التعليمي، تجعل الاستمرار في الاختصاص أمراً غير مجد اقتصادياً، إذ لا تغطي الرواتب حتى الاحتياجات الأساسية.

وأمام هذا الواقع، لم يكن أمام أحمد سوى البحث عن بديل، مستفيداً من إتقانه اللغة الإنكليزية ومهاراته في استخدام الحاسوب، وجد فرصة في القطاع المصرفي، ليبدأ مساراً جديداً كمختص في الدفع الإلكتروني. ومع مرور الوقت، لم يكتف بالتكيف، بل عمل على تطوير نفسه داخل هذا المجال، حتى أصبح يعرف نفسه اليوم من خلاله، لا من خلال شهادته الأكاديمية.

ورغم هذا التحول، لا يخفي أحمد شعوره بأن جزءاً من طموحه ما زال معلقاً، بانتظار فرصة تعيده إلى المجال الذي اختاره منذ البداية. 

مخرجات التعليم وحاجة السوق

تكشف هذه التجربة عن فجوة أعمق بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، فجوة لا تقتصر على الأفراد، بل تمتد لتطرح تساؤلات حول جدوى السياسات التعليمية، وقدرتها على مواكبة التحولات الاقتصادية، وضمان مستقبل مهني أكثر استقراراً للأجيال القادمة.

توضح أستاذة وباحثة جامعية، حنان البحراني، أن هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها بسبب واحد، بل تقف خلفها مجموعة من العوامل المتداخلة، تبدأ من لحظة اختيار التخصص. فغالباً ما يتجه الطلبة نحو هذه التخصصات بدوافع شخصية، كحب الاستكشاف أو التأثر بقصص وتجارب معينة، إلى جانب تأثير البيئة المحيطة ورغبات الأهل، دون إدراك حقيقي لاحتياجات سوق العمل. هذا الاختيار، بحسب البحراني، يجعل التخصص "نادراً" ليس فقط من حيث عدد الدارسين، بل أيضاً من حيث فرص التوظيف المتاحة له في القطاعين العام والخاص.

وتشير البحراني في حديثها لـ"طريق الشعب"، إلى أن القطاع الخاص، الذي يُفترض أن يكون بديلاً عن محدودية التوظيف الحكومي، لا يعمل دائماً وفق معايير مهنية قائمة على الكفاءة، بل تحكمه في كثير من الأحيان العلاقات الاجتماعية، ما يزيد من شعور الخريجين بالإحباط ويدفعهم إلى إعادة النظر بمساراتهم المهنية. هذا الواقع يخلق حالة من التناقض، إذ يلجأ بعض الطلبة إلى التخصصات النادرة ظناً منهم أنها ستمنحهم ميزة تنافسية، ليصطدموا لاحقاً بسوق عمل يميل إلى “تنميط” الوظائف وتكرارها ضمن مجالات محدودة.

وتضيف أن جذور المشكلة تمتد إلى بنية النظام التعليمي نفسه، لاسيما الية القبول المركزي التي تعتمد بشكل أساسي على معدل الطالب، دون الأخذ بنظر الاعتبار ميوله أو قدراته الحقيقية. هذا الأسلوب، برأيها، يدفع بالطلبة إلى تخصصات قد لا يرغبون فيها أصلاً، ما يؤدي لاحقاً إلى ضعف الانتماء المهني وقلة فرص النجاح في سوق العمل. كما أن غياب التخطيط المتكامل بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق يفاقم من الفجوة، خاصة عندما يتم توظيف خريجين في وظائف لا تمت بصلة لتخصصاتهم، ما يكرس ظاهرة البطالة المقنعة داخل المؤسسات.

اهمية بناء علاقات مهنية مبكرة

وتلفت البحراني إلى أن مسؤولية توجيه الطلبة لا تقع على عاتق الجامعات وحدها، باعتبارها مؤسسات أكاديمية تقدم مناهج محددة، بل يجب أن تبدأ عملية الإرشاد في مرحلة مبكرة، وتحديداً في الصفوف النهائية من التعليم الإعدادي، عبر برامج توجيه مهني تساعد الطلبة على اكتشاف قدراتهم وتحديد مساراتهم المستقبلية بشكل أكثر واقعية.

كما تنتقد ضعف تحديث المناهج الدراسية، خاصة في التخصصات الإنسانية، والتي ما تزال تعتمد بشكل كبير على الجانب النظري، مع إهمال واضح للتطبيق العملي والتدريب الميداني. هذا الخلل يحرم الطلبة من فرص اختبار مهاراتهم وبناء علاقات مهنية مبكرة، وهي عناصر أساسية للاندماج في سوق العمل بعد التخرج.

وفيما يتعلق بالحلول، ترى البحراني أن تقليص الفجوة بين التعليم وسوق العمل لا يتطلب معالجات معقدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة حقيقية في التنفيذ، تبدأ بربط التعليم بالواقع العملي من خلال توفير فرص تدريب حقيقية بالتعاون مع القطاع الخاص، وإعادة النظر في نظام القبول المركزي بما يراعي ميول الطلبة وقدراتهم.

وتؤكد أيضاً على أهمية تنمية مهارات الطلبة خارج الإطار الأكاديمي، مشددة على أن الشهادة وحدها لم تعد كافية لضمان فرصة عمل. كما تضع جزءاً من المسؤولية على عاتق الخريج نفسه، خاصة في التخصصات النادرة، إذ ينبغي عليه العمل على تسويق مهاراته وخلق مسارات مهنية جديدة، مستفيداً من الإمكانات التي توفرها المنصات الرقمية، وربما التوجه نحو المشاريع الذاتية التي تتلاءم مع اختصاصه.

وتختم بالإشارة إلى ضرورة وضع سياسات استراتيجية بعيدة المدى لتنظيم الطاقة الاستيعابية للتخصصات النادرة، بما ينسجم مع احتياجات السوق، لتفادي تخريج أعداد كبيرة من الطلبة في مجالات لا توفر فرصا حقيقية للعمل، وهو ما يتطلب تنسيقاً عالياً بين المؤسسات التعليمية والجهات المعنية بالتخطيط والتنمية.

ضعف التركيز على المهارات المطلوبة

من جهته، يقول الباحث الاقتصادي عبدالله نجم إن الفجوة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل ما تزال واسعة، مرجعاً ذلك إلى استمرار اعتماد النظام التعليمي على الجانب النظري مقابل ضعف التركيز على المهارات التطبيقية المطلوبة في السوق. وأضاف أن هذا الخلل انعكس بشكل مباشر على ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين، نتيجة عدم توافق المهارات مع متطلبات بيئة العمل.

وفي ما يتعلق بدور القطاع الخاص، أوضح نجم لـ"طريق الشعب"، أنه يمكن أن يشكل بديلا حقيقيا للتوظيف الحكومي إذا ما توفرت بيئة اقتصادية مستقرة وتشريعات داعمة، إلا أنه حالياً ما يزال محدود القدرة على الاستيعاب، إلى جانب تأثره في بعض الحالات بعوامل غير مهنية مثل العلاقات وضعف معايير الكفاءة.

أما بشأن البطالة المقنعة داخل المؤسسات الحكومية، فقد أشار إلى أن معالجتها تتطلب إصلاحات هيكلية تبدأ بوقف التوظيف غير المخطط وربطه بالاحتياج الفعلي، واعتماد أنظمة تقييم أداء دقيقة لقياس الإنتاجية، فضلا عن إعادة توزيع القوى العاملة بما ينسجم مع الكفاءة، بالتوازي مع تعزيز دور القطاع الخاص في امتصاص جزء من فائض العمالة بشكل منتج ومستدام.