في ظل عودة ملف قانون خدمة العلم إلى واجهة النقاش، بوصفه أحد التشريعات السيادية المرتبطة بالأمن الوطني وبنية الدولة، يتداخل في طرحه الحالي عدد من عوامل سياسية وطائفية واقتصادية واجتماعية، ما يجعله قضية مركبة تتجاوز البعد العسكري؛ إذ تتباين المواقف بشأن جدواه وإمكانية تطبيقه، بين من يراه ضرورة لتعزيز قدرات الدولة وتنظيم العلاقة بين المجتمع والمؤسسة العسكرية، ومن يحذر من كلفته وتعقيداته في ظل الظروف الراهنة. وبين هذين الاتجاهين، يبرز تحدٍ أساسي يتمثل في العجز عن تناوله ضمن إطار وطني يستند إلى الدستور ومتطلبات الواقع، ما يجعله أسير التجاذبات السياسية والخطابات المتباينة التي ستؤثر، حتما، على مسار تشريعه ومضمونه.
القراءة الاولى انعشت الانقسام السياسي
واتم مجلس النواب، الأحد الماضي، القراءة الأولى لمشروع القانون، وسط انقسام سياسي واضح بشأن فرص تمريره وتداعيات تطبيقه، إذ سبق أن شهدت السنوات الماضية محاولات متكررة لتمرير القانون من قبل قوى داخل منظومة الحكم، إلا أنها اصطدمت برفض قوى أخرى مؤثرة، اعتبرت في عام 2022 أن القانون يفرض أعباء مالية كبيرة على الدولة ولا يتلاءم مع الظروف الاقتصادية والأمنية آنذاك، ما أدى إلى تعطيل مساره التشريعي.
وكان رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني قد وجّه، في نهاية عام 2022، بسحب مشروع القانون من البرلمان وإعادته إلى مجلس الوزراء، ليتوقف النقاش حوله مؤقتاً قبل أن يُعاد طرحه حالياً ضمن معطيات سياسية وأمنية مختلفة، لكن مع عودة القانون إلى الواجهة، برزت مجدداً الخلافات السياسية، حيث اتجهت بعض القوى المتنفذة إلى تحريك خطاب إعلامي يعيد صياغة النقاش على أسس طائفية ومكوناتية، بدلاً من التركيز على الجوانب القانونية والفنية لبنود المقترح وأهدافه الدستورية، وما مدى الحاجة اليه الان؟.
40 نائبا يرفضون المضمون
وفي هذا الإطار، قدم 40 نائباً طلباً لسحب المقترح من جدول الأعمال، مبررين ذلك برفضهم لمضمونه، في حين ألمح آخرون إلى أن القانون قد يستهدف تشكيلات بعينها، من بينها "الحشد الشعبي". بالمقابل، رفض رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي توصيف المشروع على أنه "تجنيد إلزامي"، مؤكداً أن الهدف منه لا يتمثل في عسكرة المجتمع، بل في تعزيز شعور الانتماء الوطني لدى فئة الشباب.
"ضرورة وطنية قصوى"
من جانبها، كشفت لجنة الأمن والدفاع النيابية أبرز ملامح مسودة القانون، حيث أوضح عضو اللجنة خالد العبيدي أن طرح القانون في الوقت الحالي يمثل "ضرورة وطنية قصوى"، معتبراً إياه رافداً مهماً لدعم قدرات الجيش العراقي وتعويض النقص في الموارد البشرية خلال السنوات الماضية. وأشار إلى أن مسودة القانون تتضمن تفاصيل تتعلق بمدة الخدمة والرواتب، مبيناً أن الخدمة قد تمتد إلى سنة ونصف لغير الحاصلين على شهادات دراسية، فيما تقل المدة لحملة الشهادات العليا، مع إمكانية تعديل هذه الفترات وفق احتياجات وزارة الدفاع.
وأضاف العبيدي أن الأعمار المشمولة بالقانون تتراوح بين 18 و45 عاماً، مع وجود مقترحات لتقليص الحد الأعلى إلى 30 أو 35 عاماً بهدف التركيز على فئة الشباب. كما لفت إلى أن رواتب المكلفين ستكون أقل من رواتب المتطوعين، على أن يتم تمويلها ضمن موازنة وزارة الدفاع وبما يحقق التوازن في احتياجات المؤسسة العسكرية.
وأكد العبيدي أن القانون لا يزال في مرحلة القراءة الأولى، وأنه سيخضع لنقاشات موسعة وجلسات حوارية مع الجهات المختصة، خصوصاً وزارة الدفاع، لمعالجة الملاحظات الفنية والقانونية قبل المضي بتشريعه. كما أشار إلى أن من بين الأهداف المعلنة للقانون معالجة البطالة، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وترسيخ قيم الانضباط لدى الشباب، فضلاً عن دعم المؤسسة العسكرية وتعزيز التلاحم الوطني بين أبناء المحافظات المختلفة.
65 دولة تطبقه
الى ذلك، أكد الخبير الأمني مخلد الذرب أن قانون التجنيد الإلزامي يُعد من القوانين المهمة المعمول بها في أكثر من 65 دولة، وكان العراق قد اعتمده في مراحل سابقة، مشيرًا إلى أنه يمثل أداة فاعلة لدمج مكونات المجتمع ضمن إطار وطني واحد قائم على خدمة البلاد.
وقال الذرب لـ"طريق الشعب"، أن هذا القانون يسهم في تعزيز الروح الوطنية والانتماء لدى الشباب، وهي قيم شهدت تراجعاً خلال السنوات الماضية، مبينًا أن تطبيقه يمكن أن يدعم التماسك المجتمعي ويقلل من الانقسامات المذهبية والقومية، فضلًا عن إمكانية مساهمته في معالجة جزء من مشكلة البطالة.
لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة إجراء دراسة شاملة تأخذ بنظر الاعتبار الواقع العراقي الحالي، مؤكداً أن إقرار مثل هذا القانون يتطلب أولاً قراراً سياسياً، قبل أن يكون قراراً عسكرياً، لاستيعاب الأعداد الكبيرة المشمولة به.
وأشار إلى أن تطبيق التجنيد الإلزامي يحتاج إلى موازنات مالية خاصة وبنى تحتية متكاملة غير متوفرة، اضافة للمعسكرات والتجهيزات اللوجستية القادرة على استيعاب الأعداد، إضافة إلى منظومة إدارية وتنظيمية دقيقة، لافتاً إلى وجود معوقات اقتصادية ومجتمعية كبيرة تعرقل التنفيذ.
ونبه الذرب الى أن العراق لا يزال يواجه تحديات في بناء جيش وطني موحد يمتلك عقيدة عسكرية راسخة، موضحاً أن هذه العقيدة لا تُبنى عبر الرواتب أو الامتيازات، بل عبر ترسيخ القناعة لدى المقاتل بأداء واجبه الوطني، مع ضمان الاستقرار المعيشي لعائلته خلال فترة خدمته.
كما نوه بأن المؤسسة العسكرية تعاني من اختلالات في الجهوزية، مشيراً إلى أن أعداداً كبيرة من المنتسبين تجاوزت أعمارهم الأربعين عاماً، ما يؤثر على الكفاءة القتالية، داعياً إلى إعادة هيكلة القوات عبر تصفية وتنقية الكوادر، ثم رفدها بطاقات شابة مؤهلة.
ولفت الى أهمية تطوير القدرات العسكرية عبر التحديث في مجالات التسليح، وإنشاء مصانع عسكرية، وتأسيس معاهد متخصصة بالدراسات العسكرية، بما يواكب تطور الجيوش اليوم، خصوصاً في مجالات تكنولوجيا المعلومات والحروب الحديثة.
وخلص الى القول أن تطبيق التجنيد الإلزامي دون تهيئة الظروف المناسبة قد يفتح أبواباً جديدة للفساد ويُثقل كاهل الموازنة العامة، معتبراً أن الوقت الحالي قد لا يكون مناسبًا لاتخاذ قرار من هذا النوع دون استكمال متطلباته الأساسية.
بناء الجيوش يعتمد النوع والكفاءة
في هذا الصدد، حذّر الخبير الأمني عدنان الكناني من التوجه نحو عسكرة المجتمع في العراق، مؤكداً أن مفهوم بناء الجيوش في العصر الحديث يقوم على النوع والكفاءة، وليس على الأعداد الكبيرة، داعياً إلى الانتباه لهذا التحول في العقيدة العسكرية.
واشار الكناني في حديثه لـ"طريق الشعب"، الى إن طرح موضوع التجنيد الإلزامي في الظرف الحالي قد يُستخدم كأداة لخلق أزمات داخلية تشغل الرأي العام عن قضايا أساسية، مشيراً إلى أن بعض الأزمات قد تُدار أو تُفتعل لتغطية إخفاقات أو ممارسات غير معلنة.
وأضاف أن العراق “ليس دولة حرب” بالمعنى الذي يبرر التوسع العددي في القوات المسلحة، على عكس دول مثل الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني، مبيناً أن تلك الدول تمتلك عقائد عسكرية هجومية وقدرات تسليحية متقدمة مدعومة دولياً، فضلًا عن بنى استخبارية وتقنية عالية.
وبيّن الكناني أن العراق يعاني من نقص واضح في منظومات الدفاع الجوي، والتسليح المتطور، والقوة الصاروخية، فضلًا عن غياب منظومة قيادة وسيطرة قادرة على إنتاج قرارات استراتيجية تخدم الأمن الوطني، معتبراً أن الأولوية يجب أن تُمنح لتطوير هذه الجوانب بدل التوسع العددي.
وأشار إلى أن عسكرة المجتمع قد تؤدي الى تعقيد الأوضاع الداخلية، وربما تُعيد سيناريوهات مأساوية سابقة، في إشارة إلى مجزرة سبايكر، محذراً من تداعيات اجتماعية وأمنية.
وفي ما يتعلق بالجدوى العملية للتجنيد، أوضح الكناني أن العراق يمتلك شريحة شبابية واسعة تُقدّر بنحو 8 ملايين شخص ضمن سن الخدمة، منهم مليون و800 الف متطوع حالياً في الاجهزة الامنية، ما يعني وجود فائض كبير يتطلب بنى تحتية ضخمة لاستيعابه.
ودعا الكناني إلى توجيه هذه الموارد المالية نحو مشاريع تنموية تستهدف الشباب، مثل إنشاء مراكز رياضية وثقافية، وتطوير المهارات المهنية والتقنية، بما يعزز قدراتهم الإنتاجية ويوفر فرص عمل حقيقية.
كما شدد على أهمية استثمار الموازنات في تحديث القوات المسلحة عبر تطوير التسليح النوعي والحرب الإلكترونية ومنظومات الاتصالات والقيادة والسيطرة، إلى جانب الاستفادة من الخبرات الدولية.
وحذر الكناني من أن طرح ملف التجنيد الإلزامي سيؤدي إلى إرباك المشهد الداخلي وخلق أزمات جديدة، مؤكداً أن الإصلاح الحقيقي يبدأ ببناء مؤسسات أمنية محترفة وتوجيه الطاقات الشبابية نحو التنمية.
عبء مالي كبير ومخاطر محتملة
في حين اشار الخبير الاقتصادي صالح الهماشي الى التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لقانون التجنيد الإلزامي، مؤكداً أن تطبيقه سيترتب عليه عبء مالي كبير ومخاطر محتملة على الاستقرار المجتمعي.
وقال في تعليق لـ "طريق الشعب" أن الأعداد المشمولة ستكون بالملايين، ما يتطلب توفير الغذاء والتجهيزات والتدريب والتسليح، وهو ما يعني موازنات ضخمة في ظل وضع اقتصادي يعاني من ضغوطات كبيرة.
واضاف أن غياب برامج إعادة التأهيل بعد التسريح قد يؤدي إلى انخراط الشباب في أنشطة غير قانونية أو تشكيل عصابات منظمة، خاصة مع اكتسابهم مهارات عسكرية متقدمة.
وأشار إلى أن التأثيرات الاجتماعية لا تقل خطورة، إذ إن إطلاق أعداد كبيرة من الشباب المدربين إلى المجتمع دون احتواء قد يخلق بيئة خصبة للعنف.
وختم بالقول إن الأولويات الاقتصادية يجب أن تركز على البطالة والخدمات، معتبراً أن المضي بالقانون في هذه الظروف قد يفاقم التحديات.
خطابات متناقضة
ويثير مقترح إدراج “بدل نقدي” ضمن القانون إشكاليات تتعلق بالعدالة والمساواة، إذ قد يحول الواجب الوطني إلى خيار مرتبط بالقدرة المالية، ويكرّس الفوارق الطبقية. كما أن تحديد فئات مشمولة دون غيرها يهدد بتحويل القانون إلى أداة انتقائية، ويقوّض الثقة به كمشروع وطني جامع.
في المقابل، يمكن الدفاع عن القانون بوصفه أداة لتعزيز المواطنة والانضباط ورفد المؤسسة العسكرية، إذا ما صُمم ونُفذ بشكل متوازن.
لكن جوهر الإشكال لا يقف عند القانون بحد ذاته، بل عند طبيعة الخطاب السياسي الذي يديره: ففي الوقت الذي يتحدث فيه النائب خالد العبيدي عن “ضرورة وطنية قصوى”، يعود ليقرّ ضمنياً بأن تشريع القانون قد يفتح باب “الواسطات” لمحاولة الشمول به، ما يكشف تناقضاً بين خطاب الوطنية وواقع الإدارة.
وفي حين يرفض رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي وصفه بالإلزامي ويطرح صيغة “اختيارية”، فإنه يعيد تعريف جوهر القانون نفسه، ما يثير تساؤلات حول وضوح الرؤية التشريعية. فيما يلوّح النائب سعود الساعدي برفض تمرير القانون في حال تضمّن “استهدافاً” لتشكيلات معينة، واضعاً الاعتبارات الفئوية فوق النقاش القانوني العام.
هذه المواقف، رغم اختلافها، تكشف سمة مشتركة: عجز القوى السياسية عن مقاربة قانون سيادي من منطلق وطني جامع، واستبداله بخطابات متناقضة تتراوح بين التخويف، والمناورة، والدفاع الفئوي.
فبدلاً من أن يكون النقاش حول مدى جاهزية الدولة، وكلفة التطبيق، وملاءمته للدستور، يتحول إلى سجال سياسي يعكس أولويات القوى نفسها، لا أولويات الدولة، وبالتالي فإن هذه هذه القوى إذا كانت غير قادرة على مناقشة قانون واحد بمنطق وطني، فكيف يمكنها إدارة دولة بكل تعقيداتها؟!