تداعيات الحرب وديناميكيات العراق القائمة
لموقع مجلس الشرق الأوسط، الاتحاد العالمي، كتب زيدون الكناني مقالاً أشار فيه إلى أن الصراع الدائر حول إيران يُلقي بظلاله على العراق، مُفاقمًا التوترات في قضايا خلافية تتراوح بين السيادة والتحالفات الإقليمية.
في عين الإعصار
وذكر الكاتب أن الحرب ضد إيران لا تُمثل بالنسبة للعراق مجرد أزمة إقليمية أخرى، بل أزمة تطرح تساؤلات جوهرية حول النظام السياسي العراقي بعد عام 2003، ومستقبل العلاقات مع إيران ودول الخليج العربي والولايات المتحدة.
واستدرك الكاتب قائلاً إن التغيرات على كل هذه الأصعدة، وإن لم تكن نتاجًا للحرب وحدها، بل امتدادًا لما كان يجري قبلها جراء المنافسة الحادة بين هذه الأطراف والإيرانيين على النفوذ في العراق، فإن نتائج الحرب عكست بوضوح حجم المعضلة التي يواجهها المسؤولون العراقيون، والمتعلقة بتحصين أنفسهم وحماية التوازن الذي اعتمدوه بين مصالح الجميع من جهة، وحصر السلاح بيد الدولة من جهة ثانية.
وبدلًا من أن تخلق الحرب واقعًا سياسيًا جديدًا تمامًا، ذكر المقال أنها ساهمت في تسريع وتيرة التوجهات القائمة وكشف التوترات العالقة، وزادت من حدة اشتراطات الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، حتى باتت بغداد مضطرة للتعامل مع قضايا السيادة والأمن والتحالف الإقليمي المؤجلة تحت ضغط هائل.
إيران والعراق
واعتبر الكاتب أن إيران كانت المستفيد الرئيسي من الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، الذي أدى إلى انهيار نظام البعث وخلق فراغ في السلطة، نجحت طهران في استغلاله بشكل فريد، من خلال استراتيجية مزدوجة تمثلت في دعم متعدد الجوانب للنظام الجديد وتعزيز مواقع حلفائها فيه، وبالتالي القدرة على التأثير في عملية صنع القرار كي لا تأتي مخالفة لمصالحها، خاصة مع شعورها بمخاوف حقيقية من وجود معارضة قوية لدورها داخل جميع المكونات، كنتاج للتنوع الأيديولوجي داخل هذه المكونات، التي لم تكن يومًا كتلًا متجانسة كما جرى تصويرها غالبًا.
وإلى جانب إعادة تنظيم النخب لأنفسها عبر انشطارات وتنقل بين المواقع بعيدًا عن النفوذ الإيراني، جاء الشرخ الأكبر في هذا النفوذ من الشارع، إذ شكّلت حركة احتجاجات تشرين، التي اجتاحت المحافظات الوسطى والجنوبية بشكل خاص، التحدي الشعبي الأبرز. ووجّه الشباب في هذه المناطق غضبهم نحو طبقتهم السياسية، حتى باتت المخيلة العامة ترى في الحد من نفوذ طهران جزءًا لا يتجزأ من أجندة الإصلاح الأوسع نطاقًا، مثل مكافحة الفساد، وإنهاء الإفلات من العقاب السياسي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمات. وذلك ما أثبت أن التوافق السياسي المكوناتي والمحاصصة بين الهويات الفرعية لم يعد مقنعًا لأحد أو عاملًا لخلق الاستقرار.
الحرب تكشف المستور
وأشار الكاتب إلى أن الحرب قد فضحت الكثير من المشاكل التي حاول المسؤولون العراقيون إخفاءها، وفي مقدمتها تعدد مصادر القرار الوطني، وصعوبة حصر السلاح بيد الدولة، وسهولة تحول البلاد إلى ساحة صراع بين أجندات خارجية متنافسة.
كما أدى انقطاع تدفقات النفط عبر مضيق هرمز إلى ضربة قاصمة لعائدات النفط، التي تمثل أكثر من 90 في المائة من الميزانية الوطنية، مما يهدد قدرة الحكومة على تمويل الخدمات العامة والحفاظ على عقدها الاجتماعي الهش أصلًا مع مواطنيها.
كما كشفت الحرب عن تفوق كبير لطهران في جميع أشكال العلاقات مقارنة بعلاقات نظرائها في مجلس التعاون الخليجي مع العراق. ورغم أن دول المجلس ابتعدت عن الاهتمام بالانتماء الطائفي عند تفعيل السياسة الخارجية، فإن هذا التحول لم يعمّق الانخراط الاقتصادي الخليجي مع بغداد كشريك سيادي، حيث اندفعت هذه الدول إلى اتخاذ موقف دبلوماسي أكثر حزمًا تجاه بغداد عندما تعرضت لهجمات قيل إنها انطلقت من الأراضي العراقية، وهددت بالانتقام.
وقد أصبح - وفق تصور الكاتب - صعبًا على العراق تحقيق التوازن وعزل نفسه عن صراعات المنطقة من خلال سياسة "العراق أولًا". ووجد المسؤولون العراقيون أنفسهم مرة أخرى يسيرون على حبل مشدود؛ يقدمون التعازي علنًا لطهران، ويرفضون ضغوطها لدخول الحرب، ويحمون البعثات الدبلوماسية وشركات النفط، ويحاسبون كبار الضباط العسكريين والاستخباراتيين المتهاونين في ذلك.
وتساءل الكاتب عما إذا كانت بغداد قادرة، في ظل هذا التقلب الجيوسياسي الحاد، على أن تحافظ على شراكاتها الخارجية، وأن تعزز سيادة الدولة، دون إثارة انقسام داخلي أو تصعيد خارجي؟ وهل ستسهم واشنطن ودول الخليج في دعم هذا التوجه إن حصل؟