اخر الاخبار

حين تعيش السلطة في عالمٍ موازٍ

لموقع المركز العربي في واشنطن، كتب حارث حسن مقالًا ذكر فيه أن قلق الحكومة العراقية وقادة الفصائل السياسية اليوم يبدو مشروعًا تمامًا، لأن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران أسفرت عن تداعيات خطيرة على أمن العراق واستقراره السياسي واقتصاده، خاصةً مع الأزمة الوطنية الناجمة عن عدم توصل هذه القوى إلى توافق يفضي لتشكيل حكومة في البلاد.

عالم موازٍ

غير أن طبيعة الصراع على المناصب والموارد بين الفعاليات السياسية والعسكرية ترينا وكأن هذه القوى تعيش في عالمٍ موازٍ، لأن نقاشاتهم، بحسب الكاتب، لم تتناول بجدية كيفية تجاوز العراق للأزمة الراهنة بأقل الخسائر، ولا كيفية استعادة التوازن بين المصالح الإيرانية والأمريكية الذي اعتادت عليه بغداد.

وتوقع المقال ألا يحظى الملياردير علي الزيدي، الذي تم ترشيحه لتشكيل الحكومة الجديدة، بفرص كبيرة لتحسين الأوضاع، بسبب تجاوز التوقيتات الدستورية، وفشل رئيس الحكومة السابق في ضمان دعم واشنطن لإعادة تعيينه دون إثارة معارضة إيرانية، والهجمات التي شنتها الفصائل العراقية الحليفة لطهران على المواقع العسكرية والدبلوماسية الأمريكية، ومواقع عراقية في كردستان، وبعض الأهداف في دول الخليج.

ورأى الكاتب أن هذا الأمر يبدو منسجمًا مع رغبة القوى التي رشحته في تحويل منصب رئيس الوزراء إلى منصب تكنوقراطي، وتولي شخصية ثانوية لا تملك مشروعًا سياسيًا واضحًا أو قاعدة نفوذ مستقلة، رغم ثروته الطائلة التي جمعها في السنوات الأخيرة من خلال تعاملاته التجارية وعلاقاته مع سياسيين نافذين، من أبرزهم رئيس مجلس القضاء.

هل الأمر جدي؟

وأشار الكاتب إلى أن جميع المرشحين واجهوا صعوبات كبيرة، بسبب النظر إليهم كحلفاء لفصائل أو قوى سياسية محددة، أو لوصف ترشيحهم بالمناورة السياسية التي تستهدف كسب الوقت، وهو الأمر الذي ينطبق أيضًا على المرشح الجديد، الذي لا يملك أي خلفية سياسية، بل جاء نتيجة تسوية بين أطراف الإطار التنسيقي، وهي تسوية يُتوقع أن تُضعف الدولة أكثر وتُقوّض استقلاليتها المؤسسية. إضافةً إلى ذلك، فإن ترشيحه شكّل مفاجأة للكثيرين، إذ لم يكن اسمه من بين المرشحين الرئيسيين، وكان قد أدار سابقًا بنكًا خاضعًا لعقوبات أمريكية بتهمة غسيل الأموال.

ونقل الكاتب عن بعض المراقبين عدم استبعادهم نجاح الزيدي في تشكيل حكومة، لسبب بسيط، وهو تفضيل قوى الإطار التنسيقي شخصيةً مُعرّضة للضغط ومُجرّدة من ثقلها السياسي الجوهري، مما يُسهّل السيطرة عليها، رغم أن ضعف منصب رئيس الوزراء سيخلق للحكومة العراقية صعوبات جدية في اتخاذ القرارات بشكل مستقل، وفي رسم مسار لا يخضع لمصالح خارجية متنافسة.

التهديدات الاقتصادية

واعتبر المقال أن التهديد الاقتصادي هو الأخطر الذي يواجه العراق اليوم. فباعتباره دولة ريعية تُشكّل فيها عائدات النفط نحو 90 في المائة من الميزانية العامة، يُعدّ العراق من أكثر الدول تضررًا من إغلاق مضيق هرمز، الذي كان يمرّ عبره معظم صادراته النفطية قبل الحرب، خاصة بعد أن انخفض تصدير النفط العراقي من 4.3 مليون برميل يوميًا إلى ما يُقدَّر بنحو 1.4 مليون برميل يوميًا عبر خط أنابيب النفط العراقي–التركي، مما يؤدي إلى خسائر تزيد على 6 مليارات دولار شهريًا، وهي خسائر يمكن أن تتفاقم إذا ما اضطر العراق إلى إغلاق حقول نفط عاملة، خاصةً وهو لا يمتلك صندوقًا سياديًا قادرًا على استيعاب مثل هذه الصدمة.

وذكر الكاتب أن الآلية الرئيسية التي ستُتبع لتمويل عجز الميزانية ستكون بالاعتماد على احتياطيات البنك المركزي، رغم أن هذا الخيار مقيَّد بسبب تهديدات واشنطن بتقليص أو وقف تدفقات الدولار إلى العراق، ووجود توقعات بفرض عقوبات اقتصادية إضافية ستُضعف بالتأكيد القدرة المالية للحكومة العراقية، التي تعاني أساسًا من تحديات متزايدة في تمويل رواتب القطاع العام الضخم، ومعاشات المتقاعدين، والمساعدات الاجتماعية للفئات السكانية الضعيفة.

وفي الوقت الذي لا تكاشف فيه الحكومة الشعب بكل هذه الصعوبات، وتتنصل من مسؤولياتها بحجة أنها حكومة تصريف أعمال، فإن البلاد تواجه إحدى أخطر أزماتها منذ الحرب ضد الإرهاب؛ وهي أزمة لا تهدد أمنها الهش واستقرارها السياسي فحسب، بل تحمل أيضًا في طياتها تداعيات اقتصادية طويلة الأمد، بما في ذلك تفاقم الفقر والبطالة (المتفاقمتين بالفعل) وتنامي السخط الشعبي.

ورغم وضوح هذه الأزمة، فقد اختارت النخبة السياسية العراقية العيش في عالمٍ موازٍ، محميةً بنظامٍ مُصمَّم لخدمة المصالح الحزبية، دون محاسبة أيٍّ من المشاركين.