تتجه الأنظار اليوم إلى جلسة مجلس النواب المخصصة للتصويت على الكابينة الوزارية لحكومة رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، وسط تفاهمات سياسية تقضي بتمرير حكومة “النصف زائد واحد” لتفادي استمرار الفراغ التنفيذي، مقابل تأجيل حسم عدد من الوزارات والمناصب الخلافية إلى مرحلة لاحقة. وبينما تواصل القوى السياسية مفاوضاتها بشأن الحقائب السيادية والأمنية في ظل ضغوط أمريكية وممانعة إيرانية تتعلق بملف الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة، برز توجه واضح نحو إعادة تضخيم الجهاز الإداري للدولة عبر إحياء مناصب نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء، في خطوة يرى مراقبون أنها تعكس استمرار نهج المحاصصة وتقاسم النفوذ، وتكرس تعدد مراكز صناعة القرار الحكومي، بدل الاتجاه نحو إدارة أكثر رشاقة وكفاءة.
ويؤكد متابعون أن الخلافات الدائرة حول كابينة الزيدي لا ترتبط ببرامج الإصلاح أو معايير الكفاءة بقدر ما تتعلق بتوزيع النفوذ والامتيازات بين القوى المتنفذة، الأمر الذي يعيد إنتاج الأزمة السياسية ذاتها التي رافقت الحكومات السابقة.
اليوم.. البرلمان يمرر كابينة الزيدي
حددت رئاسة مجلس النواب، بشكل رسمي، اليوم الخميس الموافق 14 أيار، موعداً للتصويت على الكابينة الوزارية للحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي.
ونشر مجلس النواب، امس الأربعاء، جدول أعمال جلسته رقم (24)، والتي خُصصت للتصويت على المنهاج الحكومي والتشكيلة الوزارية الخاصة برئيس الوزراء المكلف.
وتشير المعلومات الى ان مجلس النواب سيقوم بالتصويت على كابينة وزارية منقوصة تتضمن عددا لا بأس به من الوزارات.
حكومة النصف زائد واحد
وأفضت التفاهمات السياسية الجارية إلى اتفاق على تمرير “النصف زائد واحد” من الحقائب الوزارية لضمان نيل الحكومة الثقة ومباشرة مهامها رسمياً، مقابل تأجيل حسم بقية الوزارات والمناصب الخلافية إلى ما بعد العطلة التشريعية للبرلمان.
وتشمل الملفات المؤجلة مناصب نواب رئيس الوزراء ونحو ست وزارات ما تزال موضع خلاف بسبب عدم الاتفاق على المرشحين وآليات توزيعها بين القوى السياسية.
وجاء ارجاء التصويت على بعض الوزارات الخاصة بالفصائل على ما يبدو تجنبا للتصعيد مع الإدارة الامريكية التي اخبرت قوى الإطار التنسيقي بعدم تعاملها مع أي حكومة عراقية يشترك فيها وزير واحد مرتبط بالفصائل المسلحة.
الموقف الأمريكي ليس وحده المؤثر فالموقف الإيراني هو الاخر يضغط باتجاه عدم تقديم تنازلات من قبل القوى السياسية العراقية المرتبطة بطهران.
وتواجه خطة المكلف بتشكيل الحكومة علي الزيدي لحصر السلاح بيد الدولة عقبات كبيرة بسبب رفض بعض الفصائل تسليم أسلحتها.
اربع فئات من الفصائل
وقسمت اللجنة المعنية بالموضوع داخل الإطار التنسيقي الفصائل إلى أربع فئات تشمل: فصائل منضوية بالحشد الشعبي مطالبة بالتخلي عن عناوينها المسلحة والاندماج الكامل، وأخرى شاركت إلى جانب إيران وتتحفظ على تسليم سلاحها لجهاز مكافحة الإرهاب، فيما تعهد الزيدي بالإشراف المباشر على حفظ السلاح لدى جهات أمنية رسمية.
كما يشمل الملف فصائل خارج الحشد وأجنحة مسلحة لأطراف سياسية، مطالبة بإنهاء وجودها العسكري خارج الدولة. ورغم وجود استجابة جزئية من بعض الجهات، فإن المفاوضات ما تزال مستمرة مع فصائل تضع شروطاً مقابل نزع السلاح، في وقت تؤكد فيه اللجنة أن إنجاز الملف يحتاج إلى وقت طويل وآليات واضحة لضمان حصر السلاح بيد الدولة، وهو ما ظهر من خلال محاولة بعض الفصائل ربط حصر سلاحها بقرار من المرجعية، متناسية ان المرجعية طالبت مرارا بحصر السلاح.
وبالعودة إلى الضغط الأمريكي والممانعة الإيرانية، وهيمنة هذه الثنائية على قرار حصر السلاح من عدمه، تبرز بعض المواقف الجديدة، من خلال تفكيك خطابها الإعلامي الذي ظهرت به مؤخراً، عبرّ شخصيات تستضيفها البرامج التلفزيونية السياسية، للحديث عن مستجدات هذا الملف، وهؤلاء بالغالب يتحدثون بصفات شخصية، لكنهم على الأغلب يتحركون تحت سقوف هذه القوى، ويمررون خطابها، وهي صيغة اعتمدتها هذه القوى، لتفادي التصريح المباشر الذي غالبا ما يتسم بالتناقضات.
ويرى مراقبون، أن العودة إلى صيغة حصر السلاح محليا، باعتباره حاجة داخلية، دعمته المرجعية وقوى في الإطار، هي نوع من تخفيف الرواية المعروفة، التي صاغها الضغط الأمريكي، وتحولت إلى أمر واقع، برفض استيزار شخصيات فصائلية أو حتى مقربة منها، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث يشمل هذا الاشتراط أي شخصية وان جاءت من خارج الفاعلين المسلحين، لكنه حاز ثقتهم.
ويضيف المراقبون، أن ما يقرأ على انه تصعيد في مواقف القوى التي تمتلك اجنحة مسلحة، في حقيقته، موجه إلى جمهورها الناقم على تغيير المواقف والقبول بالاشتراطات الأمريكية، ومحاولة الخروج من هذا المأزق، في حال ابتعدت عن معادلة التشكيلة الحكومية، والاحتفاظ بحضورها الاقتصادي والسياسي، لحين تغيير هذه المعادلة، وهو ما تعول عليه هذه القوى مستقبلا، اذا ما تغيرت مواقف الإدارة الأمريكية، حتى ان بعض هذه القوى، بدأت منذ فترة، الاستعانة بما حصل في سوريا، وكيف تحولت الادارة الجديدة من مطلوبة بعنوان "الارهاب" إلى حليفة للولايات المتحدة الأمريكية.
اما القضية الاسهل على ما يبدو فهي صراعات الكتل السياسية على تقاسم المناصب، حيث سبق للكتل المتنفذة ان تقاسمت المناصب في ظروف اعقد من الحالية، وهذا لا يمنع وجود خلافات جوهرية قد تعصف بالإطار التنسيقي في التراشق الإعلامي بين دولة القانون وائتلاف الاعمار والتنمية على منصب وزير الداخلية، وكذلك الصراع على وزارة النفط بين تيار الحكمة واتلاف الاعمار والتنمية اللذين على ما يبدو انهما اتفقا على ترشيح مدير شركة سومو علي نزار للمنصب.
سفينة المحاصصة تبحر بقوة
وتشير تفاهمات سياسية داخل الإطار التنسيقي إلى منح ائتلاف الإعمار والتنمية وزارتي النفط والكهرباء وحقيبة إضافية، مقابل حصول دولة القانون على التعليم والصحة، وصادقون على العمل ومنصب نائب رئيس الوزراء، والحكمة على المالية ونائب رئيس الجمهورية، فيما تتجه بدر للاكتفاء بوزارتي النقل والموارد المائية بعد انسحابها من التنافس على الداخلية. كما تذهب الاتصالات لتحالف “أبشر يا عراق” مع “تصميم”، ويحصل تحالف “الأساس” على منصب نائب رئيس الوزراء، بينما لا تزال بعض الحقائب موضع تفاوض. وفي السياق، رفض الإطار التنسيقي طلب رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي تسلّم وزارتي الداخلية والمالية، بحجة الحفاظ على توازن توزيع المناصب بين القوى السياسية.
اما القوى السنية فقد قدمت قوائم مرشحيها ضمن مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة. إذ رشح حزب “تقدم” لوزارة الصناعة كلاً من محمد نوري، وعبد الكريم حسن الدليمي، وسنان الجميلي، فيما ضمت ترشيحات وزارة التربية مقدام الجميلي، وعبد الكريم عبطان، وغازي الجبوري، ووطبان الجبوري. كما رشح الحزب لمنصب نائب رئيس الوزراء محمد تميم، وخالد بتال، وفلاح حسن الزيدان.
وفي السياق، رشح حزب “السيادة” لوزارة التجارة كلاً من أثير الغريري، وشعلان الكريم، وعبد الله النجيفي، ومصطفى نزار، وفرحان صالح. كما قدم تحالف “الحسم” اسمَي ثابت العباسي ونايف الشمري لوزارة الدفاع.
تبقى هذه الأسماء والتفاهمات المتداولة بشأن توزيع الوزارات والمناصب، ضمن إطار التسريبات والمباحثات السياسية القابلة للتغيير والتبديل حتى اللحظات الأخيرة، لكن الثابت هو استمرار منطق المحاصصة بوصفه الآلية الحاكمة لتشكيل السلطة، في ظل بقاء القوى السياسية ذاتها ممسكة بمفاصل الحكم وإعادة إنتاج التوازنات نفسها.
وتشير التفاهمات الخاصة بحصة المكون الكردي في الحكومة الجديدة إلى حصوله على أربع وزارات إضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء. وبحسب المعطيات، يتجه الحزب الديمقراطي الكردستاني لتولي وزارة الخارجية ومنصب نائب رئيس الوزراء، فيما ستكون وزارتا الإعمار والإسكان والعدل من حصة الاتحاد الوطني الكردستاني. كما تدور المشاورات بشأن وزارة البيئة بين منحها لحركة الجيل الجديد بعد تحالفها مع الاتحاد الوطني أو للأحزاب الكردية الثلاثة التي تمتلك عشرة مقاعد برلمانية.
تكريس شبكة من المصالح المتبادلة
في هذا الصدد، يرى الكاتب والصحافي سامان نوح أن "الطبقة السياسية" لا تزال متمسكة بسياسة المحاصصة وتقاسم الامتيازات والمغانم بين الكتل المتقاربة عبر أسلوب الصفقات، بعيداً عن البحث عن أصحاب الاختصاص والكفاءات القادرين على انتشال البلاد من أزماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويقول نوح لـ"طريق الشعب"، ان القوى السياسية لا تنشغل بإيجاد حلول حقيقية بقدر انشغالها بإرضاء بعضها البعض لضمان استمرار نظام المحاصصة الذي يمنحها السلطة والبقاء، فضلاً عن تكريس شبكة من المصالح المتبادلة التي تقوم على الابتزاز السياسي المتبادل بما يضمن مصالحها في الاستحقاقات المقبلة.
ويضيف أن هذا النهج مستمر منذ سنوات، لكنه يزداد عمقاً مع كل تشكيل حكومي جديد، مشيرًا إلى أن الترحيب الذي رافق تكليف الزيدي في بدايته انطلق من أمل بإحداث تغيير في آلية اختيار المسؤولين، إلا أن الواقع كشف استمرار الصراع ذاته بين الكتل حتى على الوزارات الأقل أهمية والهيئات، الى جانب تراجع الحديث حتى عن تخصيص بعض الحقائب للكفاءات المستقلة.
وبحسب نوح، فإن الخلافات بين القوى السياسية لا تتعلق بكفاءة المرشحين أو قدرتهم على إدارة الوزارات، وانما بمن يحصل على الحصة الأكبر ومن تُمنح له الوزارة، وهو ما يعكس استمرار النهج القديم نفسه القائم على حماية النفوذ والامتيازات، لا بناء دولة فاعلة.
ويشير إلى أن تمرير الحكومة بات هدفاً بحد ذاته بالنسبة لهذه القوى حتى لو كانت منقوصة، خشية أن يؤدي تعثرها إلى أزمات أكبر أو تدخلات خارجية أوسع، سواء من الولايات المتحدة أو إيران، لافتاً إلى أن الطبقة السياسية ليست بصدد مواجهة تلك التدخلات، بل إنها استسلمت إلى حد كبير للإملاءات الخارجية وتسعى فقط إلى استمرار السلطة مهما كانت كلفة ذلك على البلاد.
ويرى نوح أن الفئات التي علّقت آمالًا على حكومة الزيدي باعتباره شخصية شابة، بدأت تفقد هذا الأمل تدريجياً، بعدما اتضح أن آليات إنتاج السلطة لم تتغير، وأن الطبقة السياسية نفسها ما زالت تعيد إنتاج الأزمات ذاتها.
وفي ما يتعلق بالدور الخارجي، يوضح أن التأثيرات الإقليمية والدولية في العراق أصبحت أكثر صراحة ووضوحاً، معتبراً أن الطبقة السياسية باتت خاضعة بدرجة كبيرة للإملاءات الخارجية، وسط تراجع الحديث عن السيادة والمصلحة الوطنية لصالح حسابات حزبية ضيقة هدفها الأول ضمان البقاء في السلطة واستمرار سفينة المحاصصة المنخورة، بغض النظر عن مصدر الضغوط أو طبيعة المطالب الخارجية.
إعادة إنتاج آليات تقاسم السلطة
من جهته، يرى د. حميد الكفائي أن تمرير حكومة غير مكتملة التشكيلة الوزارية قد يكون خيارًا دستوريًا وسياسيًا لتجاوز حالة الانسداد ومنع استمرار الفراغ التنفيذي، مشيرًا إلى أن التجارب السابقة أثبتت إمكانية منح الثقة للحكومة بالأغلبية المطلوبة، مع تأجيل حسم بعض الوزارات وإدارتها بالوكالة مؤقتاً، بما يضمن انطلاق عمل الحكومة بدل بقائها رهينة الخلافات السياسية.
وينوه في حديثه مع "طريق الشعب"، الى أن استمرار حكومة تصريف الأعمال يحدّ من قدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية تتعلق بالموازنة والاستثمار وإدارة الملفات الكبرى، لذلك فإن المضي بحكومة منقوصة قد يكون عملياً أقل ضرراً من تعطيل مؤسسات الدولة بانتظار توافقات قد يطول انتظارها. في المقابل، يشدد الكفائي على أن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في شكل تمرير الحكومة، وانما في استمرار النهج السياسي القائم على تقاسم النفوذ وإعادة انتاج المحاصصة، حيث تغيب المعايير المهنية والكفاءة لصالح المصالح الحزبية والشخصية الضيقة، ما يجعل تشكيل الحكومات أقرب إلى توزيع مغانم بين القوى السياسية بدل أن يكون مشروعاً وطنياً للإصلاح في ظرف بالغ الحساسية والاهمية.
ويضيف أن القوى السياسية الحاكمة، منذ سنوات، أخفقت في تقديم نموذج حكم يعتمد الكفاءة والنزاهة، بسبب تغليب الولاءات الحزبية والعائلية على متطلبات بناء الدولة، الأمر الذي انعكس سلباً على الأداء الحكومي وأضعف فرص الإصلاح الحقيقي.
وبحسب الكفائي، فإن أي حكومة جديدة لن تُقاس بآلية تشكيلها فقط، بل وبقدرتها الفعلية على كسر النهج التقليدي القائم على المحاصصة، واستعادة هيبة الدولة، وفرض سلطة القانون، وتقديم مشروع وطني يعالج الأزمات الاقتصادية والخدمية بعيداً عن المصالح الفئوية الضيقة.