اخر الاخبار

في وقت تتزايد فيه الضغوط على الموارد المائية في العراق، لم تعد أزمة مياه الشرب مرتبطة بشح المياه وحده، بل تحولت إلى تحد مركب، تتداخل فيه آثار التغير المناخي مع تهالك البنى التحتية وتلوث الأنهار وضعف الإدارة.

وبينما تعلن الجهات الحكومية عن مشاريع واستثمارات لتحسين خدمات المياه، يؤكد مختصون أن الأزمة تتطلب معالجة شاملة تتجاوز الحلول الخدمية المؤقتة، وتستند إلى إصلاحات مؤسسية واستراتيجيات طويلة الأمد تضمن توفير مياه آمنة ومستدامة للمواطنين.

اعتراف حكومي

وكشفت وزيرة البيئة سروة عبد الواحد، عن طرح ما يقارب مليوناً وخمسمئة ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يومياً في نهر دجلة ضمن حدود محافظة بغداد، مؤكدة أن الوزارة تمتلك إحصاءات وبيانات دقيقة بشأن كميات المياه الملوثة المطروحة في عدد من المحافظات الأخرى، في مؤشر يعكس حجم التحديات البيئية التي تواجه البلاد.

وقالت عبد الواحد، عقب اجتماعها مع أعضاء اللجنة النيابية المشكلة للتحقيق في ملف تلوث نهر دجلة، إن الاجتماع تناول الإحصاءات والبيانات التي تمتلكها وزارة البيئة بشأن كميات مياه الصرف الصحي المطروحة في النهر، مبينة أن الأرقام الخاصة بمحافظة بغداد وحدها تشير إلى تصريف نحو 1.5 مليون متر مكعب يومياً من مياه الصرف إلى مجرى النهر.

وأضافت أن الوزارة تمتلك أيضاً بيانات وإحصاءات دقيقة تتعلق بمحافظات البصرة والكوت والأنبار وبقية المحافظات، لافتة إلى أن هذه الأرقام “مقلقة” وتعكس حجم التحدي البيئي الذي يهدد الموارد المائية في العراق.

الصهاريج تنقذ الناس من الهلاك!

تقول فاطمة سمير، مواطنة تسكن إحدى مناطق اطراف محافظة ميسان، ان الوضع متعب جداً: "لا نعاني نقصا في المياه فحسب، بل أن الواصل للبيوت منها، أحيانا يكون مالحا او ملوثا بشكل كبير".

وتضيف سمير لـ"طريق الشعب"، انهم يضطرون عادة لشراء الماء من الصهاريج الجوالة أو "نعتمد على محطات التحلية الصغيرة، وهذا عبء كبير على العوائل، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار وضعف الدخل. في الصيف يكون الوضع أسوأ: المياه تنقطع لساعات".

وتوضح فاطمة أن هذه المشكلة تكرر كل سنة وبشكل متصاعد: "نسمع عن مشاريع وإصلاحات، لكن على الأرض، ليس هناك أي تغيير ملموس". فالنهر الوحيد الذي يمر بمنطقة فاطمة صار ملوثا بالكامل، ونسبة الملوحة أكثر من قبل، الامر الذي يجعله لا يصلح حتى لسقي المزروعات.

وطالبت فاطمة، وهي أم لخمسة أولاد، بوضع حلول جذرية لأزمة المياه، فالأمر يمس حياتهم اليومية، وهو أبرز حق يجب على الحكومة ان توفره.

حلول مؤقتة لا تلبي الحاجة

من جهته، يقول الخبير البيئي والمائي تحسين الموسوي: إن أزمة مياه الإسالة في العراق لم تعد تقتصر على شح الموارد المائية، بل أصبحت مشكلة مركبة يتداخل فيها تهالك البنى التحتية، سوء التخطيط، التلوث، وضعف الإدارة، محذراً من أن الأمن المائي في البلاد يواجه تحديات متزايدة.

ويضيف الموسوي لـ"طريق الشعب"، أن مسؤولية شبكات مياه الإسالة داخل العاصمة تقع على عاتق أمانة بغداد، وأطراف العاصمة تكون بمسؤولية البلديات، مشيراً إلى أن التوسع العمراني غير المنظم وما يرافقه من تجاوزات على الأراضي الزراعية وإقامة مشاريع صناعية وسكنية دون تخطيط مناسب، أسهمت في تفاقم أزمة المياه.

ويحذر الموسوي من أن الخطر الأكبر يتمثل في تلوث الأنهار، نتيجة اختلاط مياه الصرف الصحي بالمياه الصالحة للاستخدام، الأمر الذي يهدد الأمن المائي والصحي للمواطنين، لافتا إلى ضرورة التمييز بين مفهومين أساسيين؛ الأول هو الأمن المائي المرتبط بتأمين الحصص المائية الواصلة إلى العراق. والثاني هو سلامة المياه وجودتها وحمايتها من التلوث والتجاوزات.

ويشير إلى أن المناطق البعيدة والأطراف والقرى تعد الأكثر تضرراً من شح المياه، إذ يؤدي توقف مشاريع الإيصال أو ضعفها إلى الاعتماد على حلول مؤقتة لا تلبي الحاجة الفعلية، وهو ما يدفع العديد من السكان إلى الهجرة، بحثاً عن مصادر مياه أكثر استقراراً.

ويبين الموسوي أن التحسن النسبي في وفرة المياه خلال الفترة الحالية يجب أن يشكل فرصة للاستفادة منها ووضع خطط مستدامة لإدارة الموارد المائية، موضحاً أن إدارة المياه ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية: توفير مياه الشرب باعتبارها الأولوية الأولى، وضمان الجريان البيئي للحفاظ على التنوع الأحيائي وسلامة الأنظمة البيئية، ثم تأمين الاحتياجات الزراعية التي تأتي في المرتبة الثالثة.

ويعتقد أن العراق يمتلك العديد من الخطط والبرامج الحكومية، إلا أنه يحتاج إلى الاستفادة بشكل أكبر من الدعم الدولي، ولا سيما مشاريع البنك الدولي الخاصة بمياه الإسالة، عبر توظيف المنح في تطوير البنى التحتية ومد شبكات وأنابيب جديدة وتأهيل المشاريع القائمة.

ويشدد الموسوي على أن جميع هذه الجهود ستظل مهددة ما لم تتم معالجة ملف تلوث المياه بصورة جذرية، داعياً إلى إنشاء وحدات متخصصة لمعالجة مياه الصرف، وتفعيل القوانين الرادعة للمخالفين، إلى جانب إطلاق حملات توعية وتثقيف للحفاظ على مصادر المياه وجودتها.

ويشير إلى أن بعض الخزانات المائية تعاني من ارتفاع نسب الملوحة بسبب طبيعة التربة الكلسية، مستشهداً ببحيرة الثرثار، أكبر خزان مائي في العراق، والتي ترتفع فيها ملوحة المياه عند دخولها، ما يجعلها في بعض الأحيان غير صالحة للاستخدام إلا بعد عمليات تأهيل وفلترة.

ويختم الموسوي حديثه بالتأكيد على أن ملف المياه في العراق يمثل تحدياً كبيراً ومعقداً، وأن الحلول المطروحة حتى الآن لا تزال في إطار الوعود والدراسات التي لم تتحول إلى مشاريع تنفيذية قادرة على معالجة الأزمة بصورة حقيقية ومستدامة".

تداخل مجموعة من التحديات

من جانبه، قال رمضان حمزة، الخبير في السياسات المائية وتغير المناخ: أن أزمة مياه الشرب تتجاوز كونها مشكلة بنية تحتية أو شح في الموارد المائية، موضحاً أنها نتاج تداخل مجموعة من التحديات تشمل التغير المناخي، وتلوث المصادر المائية، وضعف الإدارة، الأمر الذي يستدعي تبني رؤية متكاملة لمعالجة الأزمة وضمان استدامة الموارد.

وأضاف حمزة لـ"طريق الشعب"، أن الحلول لا يمكن أن تقتصر على تنفيذ مشاريع خدمية منفردة، بل يجب أن تعتمد على رفع كفاءة البنى التحتية، وحماية الموارد المائية من التلوث والاستنزاف، وتعزيز الإدارة الرشيدة للقطاع المائي، بما يضمن توفير مياه آمنة وصالحة للشرب للمواطنين.

وفي ما يتعلق بالأولويات العاجلة التي ينبغي للحكومة تنفيذها خلال السنوات المقبلة، شدد حمزة على أهمية إعادة تأهيل شبكات نقل وتوزيع المياه للحد من الهدر والتلوث الذي يحدث داخل الشبكات، إلى جانب تحديث محطات الإسالة والمعالجة ورفع كفاءتها التشغيلية، وإنشاء منظومة متكاملة لمراقبة نوعية المياه بشكل مستمر.

وتابع أن معالجة مياه الصرف الصحي والصناعي قبل تصريفها في الأنهار تمثل خطوة أساسية لحماية مصادر المياه الخام، فضلاً عن ضرورة الحد من التجاوزات على الموارد المائية وتعزيز دور الإدارات المحلية وتطبيق مبادئ الحوكمة لضمان استدامة خدمات المياه.

وأشار حمزة إلى أن شح المياه والتغير المناخي والبنى التحتية المتهالكة يشكلان معاً تحديات رئيسية أمام قطاع مياه الشرب، إلا أن تأثير كل منهما يختلف بطبيعته؛ فالتغير المناخي وتراجع الموارد المائية يؤديان إلى انخفاض التصاريف المائية وارتفاع تراكيز الأملاح والملوثات، ما يجعل إنتاج مياه صالحة للشرب أكثر صعوبة وارتفاعاً في الكلفة. بينما تؤثر شبكات المياه القديمة بشكل مباشر على كفاءة إيصال المياه، وقد تتسبب بتلوثها أثناء عمليات النقل والتوزيع. ورأى أن شح المياه والتغير المناخي يمثلان التحدي الاستراتيجي الأكبر في العراق، لأنهما يمسان أصل المورد المائي من حيث الكمية والنوعية، في حين يمكن معالجة مشكلات البنى التحتية تدريجياً من خلال الاستثمار المستدام وبرامج الصيانة والتطوير.

وعن المشاريع والاستثمارات الحكومية الجديدة في قطاع المياه، أوضح حمزة أن نجاحها يواجه عدداً من العقبات، أبرزها محدودية التمويل المستدام، وضعف عمليات الصيانة والتشغيل بعد إنجاز المشاريع، والبيروقراطية الإدارية، ونقص الكوادر الفنية المتخصصة، فضلاً عن استمرار الضغوط الناجمة عن شح الموارد المائية والتلوث البيئي.

وأكد أن إنشاء مشاريع جديدة، على أهميته، لن يكون كافياً لحل أزمة مياه الشرب ما لم يترافق مع إصلاحات مؤسسية وتشريعية تعزز الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وتحقق تنسيقاً فعالاً بين الجهات المعنية، إلى جانب تحسين إدارة الطلب على المياه وحماية المصادر المائية من التلوث والاستنزاف.