في ظل تصاعد الجدل الاقتصادي حول خيارات معالجة العجز المالي في العراق، عاد ملف سعر صرف الدينار إلى الواجهة بوصفه حلا حكوميا مطروحا في الاروقة الداخلية ضمن النقاشات الاقتصادية.
وبينما يرى بعض الخبراء أن خفض قيمة العملة قد يحقق مكاسب مالية آنية للحكومة، يحذر آخرون من تداعياته المباشرة على مستويات المعيشة والاستقرار الاقتصادي، خصوصاً في بلد يعتمد بشكل واسع على الاستيراد لتأمين احتياجاته الأساسية.
وتتباين القراءات بشأن هذا التوجه بين من يعدّه أداة قد تسهم في تخفيف الضغوط على الموازنة العامة والاحتياطيات النقدية، ومن يؤكد أنه إجراء قصير الأمد لا يعالج الاختلالات الهيكلية العميقة في الاقتصاد، بل قد ينقل كلف الأزمة إلى المواطن عبر ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، وارتفاع معدلات التضخم.
أية معالجة تتطلب حزمة اصلاحات؟
وفي هذا السياق، يربط مختصون بين أي تغيير محتمل في سعر الصرف وبين مجموعة من التحديات الاقتصادية الأوسع، تشمل تضخم النفقات التشغيلية وضعف الإيرادات غير النفطية واختلال الميزان التجاري، فضلاً عن هشاشة بيئة الاستثمار واعتماد الاقتصاد على القطاع النفطي بشكل شبه كامل.
هل يكمن الحل في تغيير السعر؟
يقول أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن التوجه نحو خفض قيمة الدينار العراقي لا يمثل حلاً اقتصادياً مستداماً، بل قد يؤدي إلى نقل أعباء الاختلالات المالية إلى المواطنين، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود والفئات الهشة.
ويضيف أن العراق يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين السلع الأساسية والمواد الغذائية، ما يجعل أي خفض في قيمة الدينار سبباً مباشراً لارتفاع الأسعار وزيادة معدلات التضخم، وبالتالي تآكل القدرة الشرائية للأسر.
ويتابع السعدي أن خفض سعر الصرف قد يحقق إيرادات إضافية للخزينة العامة عند احتساب العائدات النفطية بالدينار، إلا أنه يظل حلاً مؤقتاً لا يعالج جذور الأزمة المالية، التي تعود – بحسبه – إلى مشكلات هيكلية تتمثل في ضعف التنويع الاقتصادي، وتضخم الإنفاق الجاري، وتراجع مساهمة القطاعات الإنتاجية غير النفطية في الناتج المحلي.
ويؤكد أن الأولوية يجب أن تتركز على إصلاحات اقتصادية شاملة، تتضمن تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وإصلاح النظامين الضريبي والكمركي، ودعم القطاع الخاص، وتحسين بيئة الاستثمار، فضلاً عن مكافحة الهدر والفساد.
ويرى أن هذه الإجراءات، رغم صعوبتها، أكثر قدرة على تحقيق نتائج مستدامة وضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ويختتم السعدي بالقول إن اللجوء إلى خفض قيمة العملة كحل سريع قد يخفف بعض الضغوط المالية على المدى القصير، لكنه يحمل كلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة تتحملها الشرائح ذات الدخل المحدود بشكل رئيس، مؤكداً ضرورة التعامل مع سعر الصرف كأداة مساندة ضمن برنامج إصلاح اقتصادي شامل، وليس كبديل عن الإصلاح الحقيقي.
من المتضرر الاكبر؟
من جانبه، ذكر الخبير الاقتصادي محمود داغر، أن العراق يمر منذ أزمة شباط 2026، والمستمرة حتى اليوم، بإحدى أشد الصدمات الاقتصادية خلال العقدين الأخيرين، مشيراً إلى أنها أثرت بشكل واضح على الاستقرار المالي ودفعته للبحث عن حلول سريعة لمواجهة الضغوط المتصاعدة، خصوصاً في حال استمرار التوترات المرتبطة بمضيق هرمز.
وقال داغر، أن الحلول التي جرى اللجوء إليها خلال الأشهر الماضية تمثلت بالاستدانة من البنك المركزي عبر الحوالات المخصومة، الأمر الذي ساعد على تجاوز ضغوط تمويلية خلال الأشهر الأربعة والخمسة والسادسة، إلا أنه حذّر من استمرار الاعتماد على هذا المسار لما قد يسببه من استنزاف تدريجي للاحتياطيات الأجنبية للعراق، والتي بدأت فعلاً بالانخفاض النسبي.
واضاف أن العراق لا يمتلك أدوات تحوط مالية واسعة كما هو الحال في بعض الدول التي تعتمد على صناديق سيادية، ما يجعل الاحتياطيات الأجنبية خط الدفاع الأول، ومع استمرار الضغط قد تتحول إلى خط الصد الأخير.
ولفت داغر إلى أن أحد الخيارات المطروحة لمواجهة الأزمة يتمثل في تعديل سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار، بهدف تعزيز قدرة الدولة على الحصول على كميات أكبر من العملة المحلية مقابل الدولار، وهو خيار طُرح في الإعلام وتداولته بعض الأوساط الرسمية، رغم نفيه سابقاً.
وأضاف أن هذا الخيار، ورغم الجدل حوله، يُعد ضمن البدائل المطروحة، خاصة مع تجارب سابقة في 2020 و2023، ما يعزز الاعتقاد بوجود اتجاه للنقاش حوله داخل دوائر القرار، خصوصاً بعد التغيير في إدارة البنك المركزي.
وفي المقابل، حذّر داغر من آثار سلبية مباشرة على المواطنين، تتمثل في تراجع القوة الشرائية لذوي الدخل الثابت، حيث أن أي خفض في قيمة الدينار سينعكس بشكل فوري على رواتب الموظفين، مبيناً أنه في حال الانتقال من 1320 إلى 1600 دينار للدولار فإن الخسارة في القوة الشرائية قد تصل إلى نحو 21 في المائة، وترتفع إلى 28 في المائة في حال الوصول الى 1700 دينار.
وأكد أن هذا التغيير سيقود إلى ارتفاع عام في أسعار السلع وارتفاع معدلات التضخم في السوق، مشيراً إلى أن القطاع الخاص والتجار والمقاولين قد يعوضون أثر التغيير عبر رفع الأسعار، فيما سيكون المتضرر الأكبر هم أصحاب الرواتب والدخول الثابتة.
تترتب عليه تداعيات
الى ذلك، اكد الخبير الاقتصادي منار العبيدي، ان اللجوء إلى تغيير سعر صرف الدينار أمام الدولار كإجراء منفرد بهدف خفض النفقات العامة قد يترتب عليه انعكاسات سلبية تفوق أي مكاسب آنية متوقعة، مشدداً على ضرورة معالجة الاختلالات البنيوية في الاقتصاد العراقي.
وقال العبيدي، إن خفض قيمة الدينار قد يحقق بعض النتائج قصيرة الأمد، من بينها تقليص الإنفاق الحكومي المقوم بالدينار، والحد من حجم الاستيراد، ودعم تنافسية المنتج المحلي، إضافة إلى تخفيف الضغط على الاحتياطيات النقدية.
لكنه أشار في المقابل إلى أن هذا الإجراء قد يحمل مخاطر اقتصادية واضحة، أبرزها تراجع الثقة بالعملة المحلية وزيادة الاعتماد على الدولار، فضلاً عن إضعاف بيئة الاستثمار، وارتفاع كلف الإنفاق التشغيلي للدولة، إلى جانب احتمالية تصاعد معدلات التضخم والفقر والبطالة.
وأوضح العبيدي أن جوهر المشكلة الاقتصادية يتمثل في تضخم النفقات التشغيلية، وضعف الإيرادات غير النفطية، واختلال الميزان التجاري، مؤكداً أن المعالجة الحقيقية تتطلب إصلاحات هيكلية شاملة، وأن أي تعديل في سعر الصرف يجب أن يأتي ضمن حزمة إصلاحات اقتصادية متكاملة وليس كإجراء منفرد.
وارتفعت أسعار صرف الدولار الأميركي، امس الاثنين، في أسواق العاصمة بغداد، متجاوزة حاجز 158 ألف دينار لكل 100 دولار خلال التعاملات المسائية.