لم يعد تلوث نهري دجلة والفرات مجرد قضية بيئية تُناقش في التقارير، بل تحول إلى واقع يلامسه العراقيون يومياً في مياه الشرب والزراعة والثروة السمكية. فعلى امتداد مجرى النهرين، تتدفق مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية والطبية إلى المياه دون معالجة، في الوقت الذي يتراجع فيه منسوب الإطلاقات المائية عام بعد آخر.
وفي ظل تداخل المسؤوليات بين المؤسسات وضعف البنى التحتية لشبكات الصرف الصحي، يحذر مختصون وناشطون من أن استمرار هذا الواقع يهدد أحد أهم الموارد الطبيعية في البلاد، ويجعل كلفة المعالجة مستقبلاً أكثر تعقيداً وارتفاعاً.
مخلفات المستشفيات أكثر خطرا
وصرح نائب رئيس هيئة خدمات بغداد في مجلس المحافظة، علي العامري، بالقول إن "نسبة التلوث في نهر دجلة تقدر بين 80 و90 في المائة"، مشيراً الى ان "المياه أصبحت غير صالحة للاستخدام البشري، وتشكل خطراً على نحو ١٠ ملايين مواطن يعتمدون عليها للشرب والاستخدامات اليومية، كما أنها غير صالحة لري الحيوانات أو الزراعة".
وبين العامري في حديث لـ"طريق الشعب"، أن نحو ٥ آلاف متر مكعب بالساعة يطرح المنفذ الواحد من مياه الصرف الصحي يوميا في النهر، وبشكل مباشر تفتقر، بسبب ضعف الرقابة البيئية".
وتحدث عن مخلفات المستشفيات، تحديدا مخلفات مدينة الطب، قائلا انها "تسبب تفاقما بالتلوث، ما يتطلب إنشاء مطامر صحية خاصة لهذه النفايات وفرض غرامات صارمة على الجهات المخالفة، إلى جانب إشراك المجتمع في حملات الحد من التلوث".
وطالعت "طريق الشعب" بيانا سابقا لمديرية زراعة البصرة اكدت فيه اهمية " تكثيف الجهود التوعوية لمعالجة التحديات البيئية التي تعاني منها المحافظة، وفي مقدمتها تلوث الهواء الناتج عن آبار النفط وما يسببه من آثار صحية سلبية على المواطنين، فضلا عن تلوث المياه بسبب طرح مياه المجاري في الأنهار، وما يرافق ذلك من تلوث للتربة وتأثيره على القطاع الزراعي.
كما شدد البيان على ضرورة تبني حملات توعوية حول مخاطر نبات الداتورا (الداتورة) السام، الذي تعمل كوادر مديرية الزراعة على مكافحته والحد من انتشاره، لما يشكله من تهديد على البيئة والصحة العامة.
تلوث يهدد الانسان والحيوان والنبات
وفي السياق، يقول الباحث البيئي من محافظة البصرة، علي اياد، ان "تلوث نهري دجلة والفرات هو نتيجة تراكمات استمرت لسنوات، إذ تطرح كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي غير المعالجة، إلى جانب المخلفات الصناعية والطبية، مباشرة في مجرى النهر".
ويعتقد انه "مع انخفاض الإطلاقات المائية خلال السنوات الأخيرة، أصبحت قدرة النهر على تخفيف هذه الملوثات محدودة جدا، لذلك ارتفعت تراكيزها بشكل ملحوظ، خاصة عند مرور النهر بالمناطق الحضرية المكتظة."
وحول انعكاسات التلوث على المواطنين والبيئة، بين اياد لـ"طريق الشعب"، ان "المشكلة لم تعد تقتصر على تدهور نوعية المياه، بل أصبحت تهدد الصحة العامة والقطاع الزراعي والثروة السمكية"، مشيرا الى ان "المياه الملوثة قد تنقل مسببات الأمراض إلى الإنسان، كما أن استخدامها في الري يؤدي إلى تراكم الملوثات في التربة والمحاصيل، في حين تتسبب في نفوق الأسماك وتراجع التنوع الإحيائي داخل الأنهار، وهو ما بدأنا نرصده في أكثر من محافظة."
وتحدث اياد عن بعض الحلول: "المعالجة الحقيقية تبدأ بإيقاف مصادر التلوث، وهذا يتطلب إنشاء وتشغيل محطات حديثة لمعالجة مياه الصرف، ومنع تصريف المخلفات الصناعية والطبية إلى الأنهار دون معالجة، مع تشديد الرقابة البيئية وتطبيق العقوبات على الجهات المخالفة".
وشدد على ضرورة " اعتماد برنامج وطني لرصد نوعية المياه بشكل مستمر، لأن التعامل مع الأزمة بعد تفاقمها سيكون أكثر كلفة وتعقيداً من الوقاية منها".
خطة وطنية للتكيف
من جهته، قال عصام هشام، ناشط اخر، إن هناك إجراءات وتحركاً حقيقياً من قبل وزارة البيئة، إلا أن هذه الإجراءات غالباً ما تتعارض أو تتوقف عندما تمس عمل مؤسسات أو وزارات أخرى.
وأوضح هشام لـ"طريق الشعب"، أن مدينة الطب، الواقعة على ضفاف نهر دجلة، تعد من أكثر الجهات الملوثة للنهر من خلال مخلفاتها، إلى جانب المصانع والشركات الأخرى، مؤكداً أن معالجة المشكلة لا تقتصر على محاسبة الجهات التابعة للوزارات، وإنما تحتاج إلى حلول أكثر فاعلية.
وأضاف أن وزارة البيئة، بالتعاون مع جهات دولية ومحلية والوزارات المعنية، تعمل حالياً على تنفيذ الخطة الوطنية للتكيف، مشيراً إلى أن النقاشات بشأنها استمرت قرابة عام، بهدف اتخاذ إجراءات حقيقية.
وبين أن من أبرز هذه الإجراءات إلزام المجمعات السكنية الحديثة في العاصمة بغداد بإنشاء شبكات أو محطات لإعادة تدوير مياه الصرف الصحي، لافتاً إلى أن تهالك شبكة الصرف الصحي في بغداد يعد السبب الرئيس لتلوث نهر دجلة.
وأكد هاشم أن التلوث الحاصل في النهر ليس مسؤولية جهة أو وزارة معينة، وإنما هو مسؤولية مشتركة تبدأ من المواطنين وتمتد إلى الوزارات المعنية.
وأشار إلى أنه شارك، من خلال عمله مع وزارة البيئة، في أكثر من ورشة لإعداد مشاريع، كما قدمت مقترحات للحصول على تمويل من بنك دولي معني بهذا المجال بهدف تطوير شبكات الصرف الصحي في بغداد وعموم العراق.
وختم بالقول إن هذه المشاريع غالباً ما تواجه عقبات بسبب تعارضها مع استراتيجيات بعض الوزارات وآلية عملها.
24 منفذا في بغداد
يقول مرتضى الجنوبي، ناشط بيئي: إن نهر دجلة يتعرض لتلوث كبير على امتداد مجراه، مشيراً إلى أن محافظة بغداد وحدها تطرح نحو مليوني متر مكعب يومياً من المياه الثقيلة في النهر، بحسب ما نُقل عن وزير الموارد المائية الأسبق حسن الجنابي.
ويضيف الجنوبي لـ"طريق الشعب"، أن هناك 24 منفذا في بغداد تقوم بتصريف المياه الثقيلة إلى نهر دجلة، مؤكداً أن التلوث لا يقتصر على العاصمة، بل يمتد على طول النهر حتى محافظة البصرة، حيث تُلقى المخلفات في مجرى النهر مروراً بالكوت والعمارة والبصرة.
ويشير الى أن محافظة العمارة تضم أكثر من أربعة منافذ لتصريف المياه إلى نهر دجلة، لافتاً إلى أن الوضع نفسه ينطبق على نهر الفرات ايضا، إذ تُلقى فيه أيضاً المياه الثقيلة، ولا سيما في المناطق الواقعة بين الناصرية والبصرة.
ويؤكد الجنوبي امتلاكه مقاطع فيديو توثق عمليات تصريف المياه الثقيلة في نهر الفرات، لكنه يردف أن الاعتماد على الإحصاءات الرسمية يبقى أكثر دقة وموثوقية، داعياً إلى الاستناد إليها عند تناول حجم التلوث في النهرين.