مكافحة الفساد: لماذا وإلى أين؟
اهتمت صحف ومواقع إخبارية عالمية عديدة بحملة الاعتقالات التي جرت في العراق، وشملت عدداً من القيادات السياسية وأعضاء في مجلس النواب، بتهم فساد وإهدار المال العام، والتي نفذ فيها جهاز مكافحة الإرهاب وأجهزة أمنية أخرى قرارات القضاء.
حملة مفاجئة
فقد نشر موقع "أمواج" البريطاني مقالاً أشار فيه إلى أن موجة الاعتقالات، التي شملت 67 مسؤولًا رفيع المستوى من مختلف الأطياف السياسية، كانت مفاجئة وحظيت بتأييد شعبي واسع، وأثارت ضجة إعلامية محلية، وربما نقاشًا حادًا، إذ اتهمها فيه منتقدوها بأنها مجرد استعراض سياسي لن يُحاسب خلاله إلا أخطر المجرمين.
واعتبر المقال الحملة جزءاً من تعهد رئيس الحكومة الجديدة بملاحقة الفاسدين والمتورطين في اختلاس أموال الدولة، وهي، فيما يبدو، تمثل المرحلة الأولى من حملة أوسع نطاقًا. ولعلها أنعشت آمال العراقيين بإرساء حوكمة نزيهة للمال العام، إذ عبّر الكثير منهم عن تأييدهم للحملة، وتوقع أن تكون صفعة تُجبر الفاسدين على إعادة النظر في حساباتهم وفق معادلة جديدة. كما تجسد ذلك أيضاً في موقف نقابة المحامين، التي أعلنت أنها لن تتولى الدفاع عن الفاسدين، وفي دعم لحكومة إقليم كردستان، التي عبر أحد قادتها بأن كردستان لن تكون أبدًا ملاذًا للمجرمين وسارقي المال العام والفاسدين.
صورة غير واضحة
وذكر المقال أنه من الصعب تفسير الدوافع الحقيقية للحملة، فهناك من يرى أنها جاءت تلبية لطلب المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى العراق وسوريا، توم باراك، من رئيس الحكومة العراقية، بشن حملة واسعة وممنهجة في هذا المجال. وهناك من يجد فيها محاولة لتحسين موقف بغداد لدى واشنطن، تمهيداً لإنجاح الزيارة الحاسمة التي سيقوم بها رئيس الحكومة إلى البيت الأبيض في منتصف هذا الشهر، ولاسيما في ظل الضغوط الأمريكية المكثفة على بغداد لنزع سلاح الجماعات المسلحة الحليفة لإيران، والحاجة الماسة إلى إفراج الولايات المتحدة عن 30 مليار دولار من الضمانات المصرفية العراقية المجمدة. ولم يستبعد المقال أن يكون توقيت الحملة مرتبطاً بسعي بغداد إلى كسب ثقة المجتمع الدولي، الذي بات يعتبر الفساد مشكلة متجذرة ومستشرية في العراق، وربما عصية على المعالجة.
مؤشرات غير مريحة
واعتبر المقال الدعم الذي قدمه رؤساء حكومات سابقة، لهذه الحملة مؤشراً محبطاً للآمال، خاصة وأن الكثيرين يرون أن عهود هؤلاء، كانت "جنة" للفاسدين، وإن الحملات المماثلة التي أعلنوها في أثناء توليهم السلطة، افتقرت للإرادة الحقيقية، وكانت في كثير من الأحيان وسيلة لتصفية الخصوم.
كما سجّل المقال مؤشراً محبطاً أخر تمثل في أن معظم المعتقلين ينتمون للحكومة السابقة أو حلفاء من أطياف أخرى، وهو ما قد يسهل الطعن في مصداقية الحملة، واتهامها بالاستهداف السياسي والانتقائية في تطبيق القانون، ولاسيما أن هذه الاعتقالات قد تُحدث تغييراً في موازين القوى داخل البرلمان العراقي، وتُعقّد حصول كتلتين مهمتين على "حصتهما" من الحقائب الوزارية الشاغرة، بسبب اعتقال عدد من نوابهما.
ماذا سيحمل الغد؟
وتوقع المقال أن تواصل الحكومة التأكيد على شمولية حملتها لمكافحة الفساد واستمراريتها، خاصة إذا تمكنت من الحفاظ على الدعم الشعبي والسياسي في مواجهة ردود الفعل السلبية المحتملة من المتورّطين. ونوه الموقع إلى أن نجاح الحملة يتطلب تحقيق نتائج ملموسة في استرداد الأموال المنهوبة ومقاضاة المتهمين في القضايا البارزة بعيداً عن الانتهازية السياسية، وألا تكون هناك مساومات تتيح للبعض الحصول على عفو أو إبرام صفقات للإقرار بالذنب.
تحسن طفيف
اما المنظمة الدولية لمكافحة الفساد والجريمة، فقد نشرت على موقعها مقالاً للكاتب مجاب صلاح الدين، ذكر فيه أن الحملة لاقت استحسان هيئات الرقابة البرلمانية، التي دعت في الوقت نفسه إلى ضرورة توسيع نطاقها لتفكيك شبكات المحسوبية المتجذرة في البلاد.
ونقل المقال عن رئيس لجنة النزاهة البرلمانية قوله إن الاعتقالات البارزة ومصادرة الأصول لن تُحدث، في نهاية المطاف، سوى تأثير ضئيل على المدى البعيد، ما لم تشمل التحقيقات الفصائل السياسية النافذة التي هيمنت على الإنفاق العام لأكثر من عقدين. وأن ما يقلق اللجنة أن سرقة المال العام لا تقتصر على هذه المجموعة الصغيرة.
وبعد أن استعرض المقال تفاصيل الحملة وأبرز السرقات والمتهمين بها، أكد على أنه ورغم المشاهد الدرامية لعمليات المداهمة في المنطقة الخضراء، لا يزال العراق يعاني من سمعته السيئة على الصعيد العالمي فيما يتعلق بالفساد المُمنهج، إذ يحتل المرتبة 136 من بين 182 دولة على مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، بعد تحسن طفيف مقارنة بالمرتبة 138 التي احتلها في العام السابق.