اخر الاخبار

يصف الكاتب والفيلسوف اللبناني جورج حنا في كتابه (قصة الإنسان) ثورة الرابع عشر من تموز في العراق بأنها (إحدى أعظم الثورات التي حدثت في القرن العشرين )، ويشبهها بثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى في روسيا عام 1917، في إشارة إلى الظروف والعوامل الخارجية التي أحاطت بالثورة حينها وكذلك إلى الأسباب التي أدت إلى انفجارها وإلى المهمات والقضايا المعقدة والمتشابكة التي واجهتها داخليا وخارجيا،  التي اتخذتها وكيفية وسبل معالجتها لتلك المشاكل، وقد كانت كثيرةً دون أدنى شك.

فقد كان للعامل الخارجي دوره الكبير في المساعدة على قيام ثورة تموز،

فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية وانتصار الاتحاد السوفيتي والحلفاء في الحرب على النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، وبروز الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى على المسرح العالمي، حدثت متغيرات كبيرة وظهر نظام عالميّ جديد قائم على أسس القوانين الدولية الجديدة واحترام حق الشعوب بالاستقلال وتقرير المصير وإنهاء المعاهدات الجائرة التي فرضتها القوى الاستعمارية على العديد من شعوب ودول المستعمرات ومنها العراق.

وهكذا ظهرت نتيجة تلك المتغيرات قوى جبهة واسعة من حركات التحرر الوطني من الاستعمار في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بدعم وتأييد الاتحاد السوفيتي ومن قوى السلام والتحرر العالمي وصارت توجه الضربات المتلاحقة للبنى التحتية للاستعمار العالمي ومرتكزاته المحلية في طريق النضال في سبيل تحقيق تقرير المصير والاستقلال والسيادة الوطنية، ومع انهيار النظام الاستعماري في خمسينيات وستينيات القرن العشرين ظهرت دول فتية مستقلة متحررة على الخارطة السياسية العالمية ومنها العراق.

وإذا كان للعامل الخارجي الدور المساعد في تسريع قيام ثورة 14تموز، فالعامل الداخلي كان هو العامل الحاسم والمقرر في صنع الثورة.

فقد كان لثورة تموز أسبابها الداخلية الحقيقية الكثيرة نظرا للخلفية التاريخية للأحداث التي سبقت قيامها، وهي كثيرة جدا بلا شك، وتغطي كل التأريخ الحديث للعراق منذ الاحتلال البريطاني للعراق في 1917، واندلاع ثورة 1920 ضد الاحتلال ومن أجل الاستقلال والسيادة الوطنية، ثم تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وقد حاول الاستعمار البريطاني ترسيخ سيطرته على العراق بعقد معاهدات مجحفة بالضد من مصلحة الشعب العراقي مثل معاهدتي  1922 و 1930  تمنح بريطانيا امتيازات عسكرية واقتصادية والسيطرة على النفط ثروة العراق الأساسية، ثم معاهدة بورتسموث 1948 لتجديد معاهدة 1930 التي نصت على إنشاء مجلس عسكري للدفاع المشترك، وقد رفض الشعب العراقي وقواه الوطنية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي هذه المعاهدة واندلعت على إثرها بتوجه الحزب الشيوعي العراقي  وثبة كانون الثاني 1948 التي أسقطت حكومة صالح جبر، الحكومة التي وقعت على بنود المعاهدة في بورتسموث.

ومع بداية خمسينيات القرن العشرين تصاعد النضال الوطني -الشعبي ضد الحكم الملكي وضد السياسات والخطط التي أراد أن يفرضها على الشعب العراقي.

ودشن هذا العقد التحول إلى مرحلة جديدة من أشكال النضال الوطني، وهو التحول من الدفاع إلى الهجوم، حيث لعب الحزب الشيوعي العراقي الدور المحوري فيه بقيادته النضالات والحركات الجماهيرية الشعبية وتنظيمها وتوجيهها وزجها في النضال السياسي الوطني.

تجلى هذا التحول في انتفاضة عام 1952 ضد مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط، والمطالبة بإطلاق الحريات الديمقراطية وانتهاج سياسة السلام، وفي عامي 1954- 1955 شدد الحزب النضال ضد المحاور والأحلاف العسكرية ومنها حلف بغداد.

أما عام 1956 فقد كان نقطة تحول مفصلية في سياسة الحزب الشيوعي العراقي، وكانت انتفاضة عام   1956 ضد العدوان الثلاثي على مصر هي المحطة المحورية في هذا التحول، تحقق فيها التعبير العملي لسياسة الحزب ومواقفه في مجرى الأحداث التي رافقت ظهور حركة التحرر العربية في النضال لتصفية النظام الاستعماري، فقد كانت الانتفاضة بحق التمرين العملي للتهيئة لثورة الرابع عشر من تموز 1958.

كان توجه الحزب في هذه المرحلة هو التأكيد على المهمة الآنية الملحة في اجتذاب القوى الرئيسية والحاسمة من العمال والفلاحين وجماهير الشعب الكردي إلى المعركة، وقد أثمر هذا التوجه عن نتائج ودروس أغنت خبرة الحزب في الإعداد للمهمات اللاحقة، وكذلك في الجهود التي بذلها في تشكيل جبهة الاتحاد الوطني عام 1957، ومن ثم الاستعداد للثورة لاحقا عام 1958.

ورد في التقرير تحت عنوان (انتفاضة  1956ومهامنا في الظرف الراهن)، الذي كتبه سلام عادل استنادا إلى المناقشات التي جرت في اجتماع اللجنة المركزية في شباط 1957 في سياق تقييمه انتفاضة 1956 تحت بند "الانتفاضة الاخيرة لم تجتذب كما يجب القوى الرئيسية والحاسمة " جاء فيه (وفي وسط هذه الظروف المحفوفة بالصعاب انطلق الشعب في انتفاضته الاخيرة وقامت نضالات مختلفة فيما يقرب من ثلاثين مدينة من مدن العراق في إضرابات عامة وجزئية ومظاهرات تزيد على المائتين وفي اصطدامات أبدت فيه الجماهير بسالة فائقة بالإضافة إلى النشاط السياسي المعارض وأعمال الاحتجاج التي قام بها رجال الأحزاب والساسة المستقلون وقد كسبت الانتفاضة مساندة معنوية كبيرة من الأقطار العربية بشعوبها وأحزابها الوطنية وصحفها وإذاعاتها وهيئاتها الدينية والاجتماعية وحكوماتها  المتحررة) ويضيف بأن (ذلك لم يؤد إلى رجحان كفة الشعب المناضل ولم تستطع انتفاضته المجيدة أن تحقق أهدافها التحررية) ويشير إلى السبب فيقول (والسبب في ذلك انها لم تجتذب إلى المعركة القوى الرئيسية والحاسمة ونعني بها قوى العمال والفلاحين كما لم تجتذب كذلك جماهير الشعب الكردي).

لقد شخّص الحزب بدقّة وأشار إلى الحلقة المفقودة الكفيلة بترجيح كفة الشعب من أجل تحقيق النصر في المعركة إلا وهي قوى الجماهير الشعبية صاحبة المصلحة في التغيير، و بالاستفادة من دروس وتجربة انتفاضة  1956 ولغرض التهيئة لعقد جبهة الاتحاد الوطني،  طرح الحزب عدة مهام أمام الحركة الوطنية منها:- المحافظة على وحدة الحركة الوطنية، باعتبارها مفتاح  تحقيق النصر بالاستناد إلى خبرة ودروس نضالات شاقة وطويلة، ومكسبا من مكاسب انتفاضة 1956- تقوية هذه الوحدة ببذل أقصى الجهود لتنظيم جماهير الشعب في الجبهة الوطنية، وتجمع القوى الحزبيّة وغير الحزبية ضمن الأهداف الوطنية المشتركة- كسب العناصر المستقلّة للمشاركة في الحياة السياسية- تنظيم أوسع الجماهير الشعبية دون الالتفات إلى الخلافات الفكرية والمذهبية، ودون التفريط بأية طبقة أو جماعة وطنية- تشديد اليقظة اتجاه مؤامرات الاستعمار وعملائه.

وفي إطار التمهيد للثورة، صعد الحزب الحركة الإضرابية كجزء من التعبئة للثورة وإنهاء الحكم الملكي حيث شهدت أعوام 1957-1958 العديد من الإضرابات العمالية في مختلف قطاعات العمل في أغلب مدن العراق من أجل تحقيق مطالب عادلة في رفع الأجور وتحسين ظروف العمال ولعب الحزب كذلك دور المعبئ والمساند لنضالات الفلاحين ورسم الشعارات المناسبة التي تعكس مصالحهم.

وعلى خلفية الكثير من الدروس الغنية والتجارب المريرة، وبالاستناد إلى الدعم الجماهيري الواسع وغير المحدود كضمانة وركيزة أساسية لنجاح الثورة، وبتأكيد الحزب في عين الوقت على أهمية رص صفوفه وتوحيد القوى الوطنية حول سياسته الصائبة، عمل الحزب وشارك بثقله الكبير في تشكيل جبهة الاتحاد الوطني في عام1957،التي كان قيامها من أهم العوامل التي ساعدت على تكوين اللجنة العليا للضباط الأحرار، وتفجير ثورة 14تموز1958 الثورة الوطنيّة-ثورة الشعب والوطن العراقي.