اخر الاخبار

يقترب ملف حصر السلاح بيد الدولة من مرحلة مفصلية، في ظل تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية لحسم واحدة من أكثر القضايا الأمنية والسياسية تعقيداً في العراق؛ فمنذ سنوات، يُمثل تشابك السلاح خارج إطار القانون مع القرار السياسي تحدياً يهدد استقرار ومفهوم السيادة الوطنية، ما يجعل محاولات تفكيك الفصائل أو إخضاعها لسلطة الدولة اختباراً حقيقياً لقدرة النظام على فرض هيبته، بالتزامن مع استحقاقات أمنية وسيادية كبرى تفرضها تفاهمات إنهاء الوجود العسكري الأجنبي في البلاد.

أخطر عقبة

ومع ذلك، يصطدم هذا المسار برفض قاطع من بعض الفصائل المسلحة للتنازل عن ترسانتها أو تسليمها، معتبرة سلاحها جزءاً من معادلة الردع وليس أداة أمنية مؤقتة، ليضع هذا التعنت الدولة بحسب مختصين، أمام خيارات معقدة للتعامل مع الموقف؛ تتأرجح بين فتح قنوات الحوار السياسي وتقديم محفزات لدمج عناصر هذه الفصائل في الأجهزة الرسمية أو تحويلها إلى كيانات سياسية مدنية، وبين اللجوء إلى خيار المواجهة القانونية والادارية والمالية الصارمة لفرض قراراتها، وهو المسار الذي يحمل في طياته مخاطر صدام مسلح قد يهدد السلم الأهلي.

لقاء واشنطن واستحقاقات السقف الزمني الحرج

وشهدت العاصمة واشنطن لقاءً مفتوحاً في البيت الأبيض بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء علي الزيدي، ركّز في جزء كبير منه على إنهاء الوجود العسكري الأمريكي والتعهد المتبادل بإنهاء السلاح المنفلت وتفكيك الفصائل المسلحة.

إذ اشار  الزيدي الى نقاش دار مع الادارة الامريكية بشأن الانسحاب عند 30 ايلول، موضحاً أنه بعد هذا التاريخ ليس هناك أي حاجة أو مبرر لوجود فصائل مسلحة في العراق.

ومن جهته، ابدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب،  دعماً كاملاً ومباشراً لتوجهات الحكومة العراقية، مؤكدا أن "الأمور تسير بشكل جيد بخصوص نزع سلاح الفصائل في العراق". واشار إلى أن الإدارة الأمريكية تدعم بقوة خطوات الزيدي لحصر السلاح بالكامل بيد الأجهزة الرسمية.

وأعلن ترامب ان "الولايات المتحدة لن نحتاج لأن يكون جيشها في العراق أو لوجود عسكري هناك بعد الآن، مؤكداً أن خطط انسحاب قوات التحالف الدولي تسير بانسيابية كاملة".

ثلاثة مسارات لمعالجة الملف

في هذا السياق، قال الخبير الأمني والاستراتيجي سيف رعد أن تصريح الزيدي في البيت الابيض بخصوص المدة المحددة في 30 ايلول، يعني ان هناك اصراراً على المضي بهذا التوجه.

واضاف رعد في حديث مع "طريق الشعب"، ان ذلك يعني ان الدولة ستتجه خلال المرحلة المقبلة إلى حزمة من الإجراءات الإدارية والمالية والقانونية في حال امتنعت بعض الفصائل عن فك ارتباطها أو الانخراط ضمن الأجهزة الأمنية وتحت مظلة الدولة، مبيناً أن هذه الخيارات تستهدف تنظيم عمل التشكيلات المسلحة وفق الأطر القانونية النافذة.

وتابع أن الجانب الإداري قد يشمل إعادة تنظيم الألوية المنضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي، من خلال فصل ارتباط المقاتلين عن قيادات الفصائل، ودعوة العناصر إلى إنهاء تبعيتهم التنظيمية والانخراط بشكل مباشر ضمن هيئة الحشد الشعبي وفق قانونها، بما يحد من النفوذ التنظيمي لتلك الفصائل داخل المؤسسة الرسمية ويقلل من حجم القوى المرتبطة بها.

وزاد بالقول أن الإجراءات قد تمتد إلى الجانب المالي عبر استهداف الاقتصاديات التي تعتمد عليها بعض الفصائل، ومنع وصول مصادر التمويل أو الدعم إليها، ولا سيما الفصائل التي تمتلك نشاطاً اقتصادياً يوفر لها موارد مستقلة.

وأشار إلى أن المسار القانوني يستند إلى أحكام الدستور، ولا سيما المادتين الثامنة والتاسعة، اللتين تؤكدان عدم جواز وجود أو تشكيل جماعات مسلحة خارج إطار الدولة، معتبراً أن هذه المرتكزات الدستورية تمنح الحكومة أساساً قانونياً لاتخاذ الإجراءات اللازمة في هذا الملف.

نجاحها مرهون بحسم ملف الفصائل

من جانبه، اكد الخبير الأمني قيس الزبيدي ان نجاح الحكومة مرهون بحسم هذا الملف الذي يتوقف على مدى استجابة الفصائل المسلحة للمطالب الداعية إلى حصر السلاح بالمؤسسات الرسمية، في ظل إصرار الولايات المتحدة على عدم التعامل مع أي تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة.

وقال الزبيدي في تعليق لـ"طريق الشعب"، إن العراق يقف أمام مفترق طرق وتحديات معقدة، لاسيما بعد التطورات الإقليمية الأخيرة، مشيراً إلى أن واشنطن تنظر إلى هذا الملف بوصفه أولوية، ويجب على الاطراف السياسية المعنية ان تُغلب المصلحة الوطنية واعتماد سياسة متوازنة تحمي البلاد من الانخراط في الصراعات الإقليمية.

واضاف أن الحكومة لا تمتلك أدوات كافية لفرض قراراتها بالقوة، مرجحاً أن يبقى الملف خاضعاً لحالة من الشد والجذب والتوافقات السياسية، خصوصاً أن رئيس الوزراء يستند إلى دعم القوى السياسية التي رشحته، ولا يمتلك كتلة برلمانية أو ظهيراً سياسياً مستقلاً يمنحه مساحة أوسع لاتخاذ قرارات حاسمة.

واستبعد الزبيدي حدوث مواجهة مباشرة بين الحكومة والفصائل الرافضة لتسليم السلاح، مبيناً أن الضغوط الأمريكية قد تتجه نحو استخدام أدوات اقتصادية ومالية، وهو ما قد ينعكس على الوضع المعيشي ويزيد من الضغوط الشعبية، في ظل اعتماد العراق شبه الكامل على الإيرادات النفطية، وتراجع موارده نتيجة المتغيرات الإقليمية.

وحذر من أن استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة ستكون له تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية، إذ ينعكس سلباً على علاقات العراق الإقليمية والدولية، ويضعف موقعه الدبلوماسي، فضلاً عن احتمالية تعرضه لمزيد من الضغوط الخارجية، الأمر الذي قد يهدد الاستقرار الداخلي ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي.