اخر الاخبار

أدى تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة إلى لجوء كثير من المواطنين، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود والعاطلين عن العمل، إلى القروض المصرفية لتأمين احتياجاتهم الأساسية أو إطلاق مشاريع صغيرة توفر لهم مصدر دخل. غير أن ما يبدأ كفرصة للحصول على التمويل يتحول في كثير من الأحيان إلى عبء مالي ثقيل، بسبب ارتفاع أسعار الفائدة والاستقطاعات الشهرية التي تصل، في بعض الحالات، إلى 50 في المائة من راتب المقترض، فضلاً عن الرسوم الإدارية وشروط الضمان والكفالة.

ويرى مختصون أن استمرار هذه السياسات يضعف قدرة المواطنين على السداد ويحد من جدوى القروض، ولا سيما تلك المخصصة للمشاريع الإنتاجية، مطالبين بمراجعة سياسات الإقراض، وخفض الفوائد، وتبسيط الإجراءات بما يحقق التوازن بين حقوق المصارف وحاجة المواطنين إلى تمويل ميسر يدعم النشاط الاقتصادي.

آليات جديدة للقروض التنموية

ذكر البنك المركزي العراقي، مطلع الشهر الجاري، أنه يعمل على توسيع قنوات التمويل عبر زيادة عدد المصارف المشمولة بتقديم قروض المبادرات التنموية، واعتماد آليات جديدة بالتعاون مع المصارف تسهم في تسريع إجراءات دراسة طلبات التمويل، وتبسيط الإجراءات أمام المستفيدين، وتقديم الدعم والإرشاد اللازمين لأصحاب المشاريع، بما يسهم في رفع مستويات الشمول المالي في العراق، وزيادة أعداد المستفيدين من مبادرات البنك المركزي العراقي، وتحقيق أفضل النتائج الاقتصادية والاجتماعية.

وبين البنك، في بيان اطلعت عليه "طريق الشعب"، أنه يسعى إلى توظيف أدوات السياسة النقدية غير التقليدية للإسهام في تحقيق تنمية اقتصادية أكثر شمولاً واستدامة، وتعزيز بيئة الاستثمار والإنتاج، وتوسيع فرص الوصول إلى التمويل، بما يدعم أولويات التنمية في مختلف محافظات العراق، ويعزز الاستقرار الاقتصادي والمالي.

مطلوب سياسات إقراض أكثر مرونة

وقال الباحث الاقتصادي عبد الله نجم إن ملف القروض المصرفية أصبح يرتبط اليوم بجملة من التحديات الاقتصادية، وليس فقط بأسعار الفائدة، مبيناً أن ارتفاع تكاليف الإنتاج وعدم استقرار أسعار المواد الأولية باتا يشكلان عبئاً إضافياً على أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وأضاف نجم لـ"طريق الشعب" أن "المشاريع الإنتاجية تختلف عن القروض الاستهلاكية، لأنها تخلق فرص عمل وتسهم في تنشيط الاقتصاد، لذلك من الضروري أن تحظى بآليات تمويل خاصة، سواء من حيث أسعار الفائدة أو فترات السداد. فصاحب المشروع عندما يتقدم بطلب قرض يبني دراسة جدوى وفق أسعار معينة للمواد الأولية، لكنه بعد أشهر قليلة يواجه ارتفاعاً في أسعار الحديد أو الإسمنت أو المواد المستوردة أو مستلزمات الإنتاج، ما يؤدي إلى زيادة كلفة المشروع وانخفاض هامش الربح، وقد يجد نفسه غير قادر على الالتزام بأقساط القرض في مواعيدها."

وأوضح نجم أن "ارتفاع أسعار المواد الأولية خلال السنوات الأخيرة جعل كثيراً من المشاريع بحاجة إلى سيولة إضافية لم تكن محسوبة عند إعداد دراسة الجدوى، وهذا الأمر ينعكس على استمرارية المشاريع، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف النقل والطاقة وتقلبات أسعار الصرف لبعض السلع المستوردة."

وأشار إلى أن "المصارف من حقها تحقيق أرباح تضمن استدامة نشاطها، لكن في الوقت نفسه ينبغي أن تكون هناك معادلة تحقق التوازن بين ربحية القطاع المصرفي وقدرة المقترضين على السداد، لأن ارتفاع الفوائد مع ارتفاع تكاليف التشغيل يزيد من نسب التعثر، ويحد من قدرة القطاع الخاص على التوسع والاستثمار." وأكد أن "المرحلة الحالية تتطلب سياسات إقراض أكثر مرونة، من خلال تخفيض أسعار الفائدة على القروض الإنتاجية، وتمديد مدد السداد، ومنح فترات سماح تتناسب مع طبيعة كل مشروع، فضلاً عن تبسيط إجراءات الضمان والكفالة، لأن تشديد الشروط يحرم شريحة واسعة من الشباب ورواد الأعمال من الحصول على التمويل." وختم بالقول إن "دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة لا يقتصر على منح القروض، وإنما يتطلب أيضاً استقراراً في الأسواق، وشفافية في إعلان كلف التمويل، وبرامج حكومية تساعد على خفض كلف الإنتاج، لأن نجاح هذه المشاريع يعني خلق فرص عمل جديدة، وزيادة الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني."

وسيلة لدعم المواطن ام زيادة الأعباء؟

ويقول المواطن ناصر حميد: "أنا موظف وراتبي بسيط، ولجأت إلى التفكير بالقرض حتى أفتح مشروعاً صغيراً لابني، ليساعدني على إعالة عائلتي، لكن عندما راجعت المصارف وجدت أن نسبة الفائدة قد تصل إلى أكثر من 12 في المائة، وبعضها 10 في المائة، ومع الأقساط والرسوم تصبح الكلفة مرتفعة".

وأضاف حميد لـ"طريق الشعب": "إذا اقترضت 20 مليون دينار لمدة سداد تبلغ خمس سنوات، فسأدفع خلال سنوات السداد ما يقارب ستة ملايين دينار، مع قسط شهري يقدر بـ450 ألف دينار".

وتابع: "المشكلة ليست في الفائدة فقط، وإنما أيضاً في شروط الكفيل والضمانات والأقساط الشهرية التي تستنزف جزءاً كبيراً من دخل الأسرة. وفي ظل ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، يصبح الالتزام بالسداد أمراً صعباً"، مطالباً بتخفيض نسب الفوائد، وتمديد فترات السداد، وتسهيل إجراءات منح القروض، حتى تكون وسيلة لدعم المواطنين وإطلاق المشاريع، لا سبباً لزيادة الأعباء المالية عليهم.

من جانبه، يقول صالح المصرفي، ( مدير مصرف سابق) إن منح القروض يمثل أحد أبرز أوجه النشاط الائتماني للمصارف الحكومية والأهلية، إلى جانب خطابات الضمان والكمبيالات، إذ تعتمد البنوك على هذه الأدوات لتحقيق عوائد مالية مقابل الضمانات التي يقدمها المقترضون.

ويضيف المصرفي لـ"طريق الشعب" أن شريحة واسعة من المواطنين ترى أن الحصول على القروض لا يزال يواجه إجراءات معقدة، تبدأ بطول المعاملات الإدارية ولا تنتهي عند متطلبات الضمانات والكفلاء، وهو ما يدفع كثيرين إلى العزوف عن التقدم للحصول على التمويل.

ويشير إلى أن الحكومة سبق أن طرحت برامج للقروض الميسرة شملت تمويل المشاريع الصغيرة والاستثمارات قصيرة الأجل، فضلاً عن قروض مخصصة للشباب والزواج، إلا أن الإجراءات الروتينية ومتطلبات الضمان التي تفرضها المصارف، سواء الحكومية أو الأهلية، حدّت من الاستفادة الفعلية من هذه المبادرات.

ويردف أن المصارف تواجه، في المقابل، تحديات تتمثل بارتفاع أعداد المقترضين المتلكئين عن السداد، إلى جانب صعوبة الوصول إلى بعض الكفلاء أو فقدان عناوينهم، الأمر الذي يزيد من تعقيد عمليات استرداد الأموال.

وينبه الى أن نسبة الاستقطاع من رواتب بعض المقترضين قد تصل إلى 50 في المائة، ما يضعهم أمام ضغوط مالية تحد من قدرتهم على الالتزام بأقساط السداد، الأمر الذي يدفع المصارف إلى توجيه إنذارات للمقترضين والكفلاء للمطالبة بتسوية الديون.

ويزيد بالقول أن حالات التعثر شملت أنواعاً مختلفة من القروض، بينها القروض الزراعية التي يعود بعضها إلى سنوات طويلة، فضلاً عن القروض العقارية، وقروض الإسكان، والقروض التجارية التي قدمتها مصارف حكومية، من بينها مصرفا الرافدين والرشيد.

ويرى أن هذه التحديات تعكس، من وجهة نظره، الحاجة إلى مراجعة السياسات المصرفية بما يسهم في تبسيط إجراءات الإقراض وتوفير تسهيلات أكبر للمقترضين، مع الحفاظ على الضمانات التي تكفل حقوق المصارف.

ويعتقد أن تسهيل الحصول على القروض من شأنه أن يعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات المصرفية، الأمر الذي قد يشجع على زيادة حجم الودائع وتقليل ظاهرة الاحتفاظ بالأموال خارج الجهاز المصرفي، بما يوسع قدرة المصارف على تمويل الأفراد والمشاريع ودعم النشاط الاقتصادي. 

دعوات إلى إعادة النظر في فوائدها

أما النائبة السابقة سوزان منصور فتجد أن القروض تمثل حاجة مهمة لشرائح واسعة في المجتمع، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود، لأنها تساعدهم على تلبية احتياجات أساسية مثل الزواج، وشراء سيارة، وبناء منزل، أو افتتاح مشروع عمل.

وتبين منصور، في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "القروض يجب أن تكون ميسرة وسهلة، وأجورها مناسبة"، مشددة على ضرورة أن تكون "نسبة الأرباح أو الفوائد منخفضة، إذ تصل فوائد بعض القروض أحياناً إلى 9 في المائة".

وترى أنه من المهم إعادة النظر في فوائد القروض الاعتيادية وجعلها أقل من الفوائد المفروضة حالياً، مع التمييز بينها وبين قروض المشاريع الاستثمارية التي تختلف طبيعتها وأهدافها، مؤكدة ضرورة وجود ضغط إعلامي وبرلماني جاد لمناقشة هذا الملف.