في بلدٍ يعوم على بحرٍ من الأزمات الهيكلية المركبة، تبرز في العراق ظاهرة ما تزال تثير الكثير من التساؤلات والنقد: تخمة مفرطة في المراكز البحثية والمنصات الاستراتيجية، يقابلها عقم كامل وصفر مطلق في التأثير التنفيذي على أرض الواقع.
وعند البحث يقع الفرد على مئات العناوين الرنانة، وآلاف الندوات، وتلال من التوصيات والورق المطبوع، بينما تُدار الدولة بعقلية الأزمات اليومية وردود الفعل، بعيداً تماماً عن أي تخطيط علمي أو رؤية بعيدة المدى.
وبين هذا التضخم الكمي، والانكماش النوعي في الأثر، تتسع الهوة بين المعرفة وصناعة القرار، لتتحول مراكز يفترض أن تكون “مطابخ للأفكار” إلى مؤسسات يقتصر دور كثير منها على إنتاج الدراسات وتنظيم الندوات وإصدار التوصيات، من دون أن تجد مخرجاتها طريقها إلى دوائر التشريع أو التنفيذ.
فساد وغياب الاستراتيجية الوطنية
في هذا السياق، قال الأكاديمي والباحث في الشؤون الاستراتيجية غالب الدعمي، إن العراق يواجه أزمة حقيقية في جودة بعض الدراسات وآليات الاستفادة منها داخل مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن كثيراً من الدراسات التي توصف بـ"الاستراتيجية" لا ترتقي إلى هذا المستوى من حيث المنهجية والمضمون.
ونوه لـ"طريق الشعب"، بأن مصطلح الدراسة الاستراتيجية أصبح يُستخدم أحياناً بصورة فضفاضة، إذ تُعد بعض الكتيبات أو الأوراق البسيطة، وتُقدم على أنها دراسات استراتيجية، الأمر الذي ينعكس سلباً على ثقة المؤسسات بها ويضعف فرص اعتمادها في رسم السياسات.
وأضاف أن حتى الدراسات المتكاملة والقريبة من التكامل تواجه مشكلة أكبر تتمثل في عدم وجود مؤسسات حكومية تمتلك القدرة على استيعابها والاستفادة منها، موضحاً أن بعض هذه الدراسات تُهمل أو تُرفض لأنها تكشف مكامن الخلل الإداري، أو تضع حلولاً تحد من الفساد وتفرض معايير للمساءلة، وهو ما يجعلها تصطدم بمصالح بعض الجهات.
وأشار إلى أن العراق يمتلك رصيداً كبيراً من الرسائل الجامعية والأبحاث العلمية في الجامعات والمعاهد المدنية والعسكرية، فضلاً عن الدراسات التي تصدرها مراكز البحوث، إلا أن معظمها يبقى محفوظاً في رفوف المكتبات، ولا يطلع عليه سوى الباحث والمشرف ولجنة المناقشة، دون أن يتحول إلى خطط تنفيذية أو مشاريع إصلاح تستفيد منها مؤسسات الدولة.
ورأى أن العراق لا يزال يعتمد بصورة كبيرة على استيراد الأفكار والنماذج الجاهزة وحتى التطبيقات الإدارية الأجنبية، رغم أنها لا تنسجم دائماً مع خصوصية الواقع العراقي، مبيناً أن البلاد بحاجة إلى إنتاج حلول واستراتيجيات وطنية تنطلق من تحدياتها وظروفها المحلية بدلاً من استنساخ تجارب الآخرين.
وفي معرض المقارنة مع التجارب الدولية، أوضح الدعمي أن دولاً مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا تمتلك مراكز دراسات مؤثرة ترتبط بشكل مباشر بصناعة القرار، وتسهم في رسم السياسات العامة، فيما أشار إلى أن نجاح أي استراتيجية لا يتوقف على التفكير وجودة التخطيط وحدها، ويتطلب امتلاك أدوات لحمايتها وتنفيذها في مواجهة التحديات والمتغيرات.
وفي حديثه عن التجربة الإيرانية، رأى الدعمي أن إيران مثلاً، حققت في مراحل سابقة تقدماً في بناء رؤى واستراتيجيات اعتمدت على مراكز الدراسات، إلا أنها ـ بحسب تعبيره ـ اصطدمت لاحقاً باستراتيجيات دولية أكثر قوة، ولا سيما الاستراتيجية الأمريكية، ما أثر في قدرتها على تحقيق أهدافها الإقليمية، مؤكداً أن امتلاك استراتيجية او التفكير وحده لا يكفي إذا لم تتوافر أدوات حمايتها وتنفيذها.
وأضاف أن دول الخليج هي الأخرى وضعت استراتيجيات وخططاً للتنمية، إلا أنها فشلت امام التحديات الأمنية والاقليمية التي أثرت في تنفيذ بعض تلك الخطط، مشدداً على أن أي استراتيجية تحتاج إلى بيئة قادرة على حمايتها من الضغوط والتحديات الخارجية.
وأكد الدعمي أن المشكلة العراقية لا تتمثل في نقص الأفكار أو الدراسات، ولكن في غياب استراتيجية وطنية مستقلة، مبيناً أن العراق يتأرجح بين نماذج واستراتيجيات خارجية مختلفة، سواء في الجوانب السياسية أو الأمنية أو الإدارية، من دون أن يبلور نموذجاً عراقياً خالصاً يستند إلى احتياجات الدولة وخصوصية المجتمع، الأمر الذي انعكس على أداء مؤسساتها وصناعة القرار فيها.
وشدد الدعمي على أن النهوض بواقع التخطيط الاستراتيجي في العراق يبدأ بإعادة الاعتبار للبحث العلمي، وإنشاء قنوات مؤسسية تربط مراكز الدراسات بصانع القرار، وتبني آليات واضحة لتحويل نتائج البحوث والأوراق الاستراتيجية إلى سياسات وبرامج قابلة للتطبيق، بما يضمن الاستفادة من الطاقات العلمية الوطنية بدلاً من بقائها حبيسة الأدراج.
غياب حلقة الربط المؤسسي
من جهته، اكد أستاذ القانون الدستوري الدكتور وائل منذر أن محدودية تأثير مراكز الدراسات والبحوث في العراق تعود إلى غياب آلية مؤسسية تربط ما تنتجه من معرفة وأوراق سياسات بالجهات التنفيذية والتشريعية المعنية بصناعة القرار، مشيراً إلى أن الإشكالية لا تقع على عاتق الدولة وحدها، وتمتد أيضاً إلى طبيعة الإنتاج البحثي نفسه.
وقال منذر في حديث مع "طريق الشعب"، أن كثيراً من الباحثين ما زالوا يعتمدون المنهج البحثي التقليدي القائم على تشخيص المشكلات وتحليلها، من دون الانتقال إلى مرحلة تقديم بدائل وسياسات واقعية قابلة للتنفيذ، تراعي الإمكانات المالية والبشرية والإدارية المتاحة للدولة، وهو ما يقلل من فرص تبني هذه الدراسات من قبل المؤسسات الحكومية.
وأضاف أن المسؤول التنفيذي لا يميل غالباً إلى قراءة الدراسات المطولة، انما ينظر إلى كثير من مراكز البحوث بوصفها جهات تنظيرية بعيدة عن الواقع، الأمر الذي يضعف الاستفادة من مخرجاتها، لافتاً إلى أن عملية صنع القرار ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الاعتبارات السياسية والتوافقات الحزبية وإدارة الأزمات، بدلاً من التخطيط الاستراتيجي المبني على البيانات والأدلة العلمية.
وأشار إلى أن هذا الواقع انعكس على طبيعة القرارات والتشريعات، التي بات كثير منها يمثل حلولاً مؤقتة وردود فعل لمعالجة الأزمات، من دون أن يستند إلى رؤى بعيدة المدى أو دراسات علمية تضمن استدامة الحلول.
وانتقد منذر أداء عدد من مراكز الدراسات، معتبراً أن بعضها تحول إلى منصات للعلاقات العامة أو مؤسسات تكتفي بتنظيم الندوات وإصدار تقارير عامة لا تجد طريقها إلى دوائر صنع القرار، فيما يقتصر دور بعض المراكز الحكومية على استيفاء المتطلبات البحثية السنوية من دون قياس أثر تلك البحوث أو متابعة مدى الاستفادة منها.
وبيّن أن المراكز البحثية المؤثرة هي التي تنتج أوراق سياسات تتضمن حلولاً واضحة ومحددة وقابلة للتطبيق، وتعمل على إيصالها إلى المستشارين والبرلمانيين وصناع القرار، بل وتتجاوز معالجة المشكلات، الى التنبؤ بالأزمات قبل وقوعها، بما يجعلها شريكاً حقيقياً في صناعة القرار.
وشدد على أهمية ضمان الاستقلال المالي والإداري لمراكز الدراسات من خلال تنويع مصادر تمويلها، بما يبعدها عن التبعية السياسية أو الأيديولوجية، ويعزز حيادها ومهنيتها.
ورأى أن إصلاح العلاقة بين مراكز الدراسات والدولة يتطلب تغييراً ثقافياً ومؤسسياً وتشريعياً، يقوم على تعزيز العمل الجماعي، وترسيخ ثقة المسؤولين بالمؤسسات البحثية الرصينة، فضلاً عن إلزام السلطتين التنفيذية والتشريعية بعدم إقرار أي سياسة عامة أو مشروع قانون من دون الاستناد إلى ورقة علمية تتضمن تشخيص المشكلة، والكلفة، والمخاطر، والآثار المتوقعة، والبدائل الممكنة.
واعتبر أن اعتماد هذا النهج سيخلق بيئة تنافسية تبقي على المراكز البحثية الفاعلة، وتؤدي تدريجياً إلى تراجع المراكز التي تقتصر وظيفتها على النشاط الإعلامي والعلاقات العامة
واجهات سياسية وبحوث لا تعالج الواقع
الى ذلك، اكد نقيب الأكاديميين العراقيين السابق مهند هلال أن الأزمة تبدأ من البحث العلمي نفسه وليس فقط ضعف تأثير مراكز الدراسات، واشار الى ان هذه المراكز في العراق فقدت دورها الحقيقي في دعم الدولة وصناعة القرار، مشيراً إلى أن غالبية البحوث المنتجة اليوم باتت تكرر موضوعات سابقة ولا ترتبط باحتياجات البلد التنموية أو الاقتصادية أو بسوق العمل، الأمر الذي انعكس على محدودية أثرها في معالجة الأزمات التي يواجهها العراق.
وقال هلال لـ"طريق الشعب"، إن الغاية الأساسية من البحث العلمي تتمثل في تشخيص المشكلات التي تعاني منها الدولة واقتراح حلول عملية لها، إلا أن السياسات التي اتبعتها إدارات التعليم العالي خلال السنوات الماضية ــ بحسب وصفه ــ حولت البحث العلمي إلى وسيلة للحصول على الترقية العلمية أو الشهادات العليا أو تحسين الامتيازات الوظيفية، وهو ما أدى إلى إفراغه من مضمونه الحقيقي.
وأضاف أن هذا الواقع أسهم في إنتاج بحوث لا تعالج احتياجات التخطيط ولا ترتبط بمشكلات المجتمع أو الاقتصاد، مؤكداً أنه لو كان البحث العلمي يؤدي دوره الحقيقي لما استمرت الأزمات السياسية والاقتصادية والإدارية والخدمية التي تتكرر في البلاد، ولأصبحت مخرجات الجامعات ومراكز البحوث جزءاً من عملية صنع القرار.
وأشار هلال إلى انتشار ما وصفها بـ"البحوث المجترة" فضلاً عن وجود مكاتب تجارية تتولى إعداد البحوث او الدراسات، مقابل مبالغ مالية، معتبراً أن هذه الظاهرة ألحقت ضرراً كبيراً بجودة الإنتاج العلمي، وأسهمت في تخريج أعداد من حملة الشهادات العليا دون أن ينعكس ذلك على مستوى التنمية أو كفاءة المؤسسات.
واكد على افتقار مراكز الدراسات والبحوث العراقية في صناعة القرار والسياسات العامة في العراق هذا الدور، مرجعاً ذلك إلى هيمنة الاعتبارات السياسية على المؤسسات العلمية.
ورأى أن عدداً من المراكز البحثية، بما فيها بيت الحكمة، تحول إلى واجهات لجهات سياسية، مشيراً إلى أن التدخلات السياسية امتدت ــ بحسب تعبيره ــ إلى اختيار إدارات المراكز البحثية ورؤساء الجامعات، وهو ما انعكس سلباً على استقلالية البحث العلمي وجودة مخرجاته.
ولفت إلى أن ضعف الإنفاق على البحث العلمي وتراجع استقلالية المؤسسات الأكاديمية ساهما في إضعاف دور مراكز الدراسات، مؤكداً أن العراق، بوصفه بلداً يواجه تحديات اقتصادية وإدارية كبيرة، هو بأمس الحاجة الى مراكز بحثية رصينة ومستقلة تقدم حلولاً واقعية تستند الى الأدلة والبيانات.
وشدد هلال على أن تجارب دول مثل ماليزيا وسنغافورة أثبتت أن الانطلاق نحو التنمية الاقتصادية يبدأ من الاستثمار في البحث العلمي ومراكز الدراسات، معتبراً أن الاكتفاء برفع شعارات دعم البحث العلمي دون توفير بيئة مؤسسية مستقلة وتمويل كافٍ سيبقي البلاد تدور في حلقة متكررة من الأزمات دون حلول مستدامة.