اخر الاخبار

يتواصل الجدل بشأن آليات معالجة أزمة السكن في بغداد، بالتزامن مع اتساع رقعة العشوائيات واستمرار التجاوز على الأراضي الزراعية وأراضي الدولة، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تنظيم أوضاع عدد من هذه المناطق عبر القرار (320) لسنة 2022، بما يتيح إدخالها ضمن خطط تقديم الخدمات. وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن هذه الإجراءات تمثل استجابة لواقع فرضته سنوات طويلة من التوسع غير المنظم، يرى مختصون أن نجاحها يبقى مرهوناً بوجود رؤية تخطيطية شاملة تحافظ على الأراضي الزراعية، وتضمن توفير البنى التحتية والخدمات، وتحول دون إنتاج أحياء سكنية تفتقر إلى المقومات العمرانية الأساسية.

 وتشير بيانات سابقة لوزارة التخطيط إلى أن بغداد تضم أكثر من ألف تجمع سكني عشوائي، وهي النسبة الأعلى بين المحافظات، ضمن نحو 4679 تجمعاً على مستوى العراق، يقطنها قرابة 3.7 ملايين نسمة.

خطة حكومية للحفاظ على الأراضي الزراعية

وصدر قرار ٣٢٠ لعام ٢٠٢٢ كواقع حال، لتنظيم المدينة وتقديم الخدمات لاهالي مناطق العشوائيات التي تعتبر شبه نظامية، وفقاً لقول المتحدث الرسمي باسم أمانة بغداد، عدي الجنديل، مشيرا إلى أن القرار  سيساهم من  انتشار العشوائيات عبر تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية رسمية.

وبين الجنديل في حديث لـ"طريق الشعب"، ان هذا "التحول سيمكن الأمانة من تقديم الخدمات قانونيا بعد أن كان القانون يمنعها من العمل داخل المناطق العشوائية والزراعية غير النظامية".

واضاف أن "تطبيق القرار يواجه عقبة قانونية تتمثل في أن أمانة بغداد لا تملك صلاحية العمل إلا على الأراضي التابعة لها، وحاجة الأمانة إلى نقل ملكية الأراضي الزراعية المملوكة للوزارات الأخرى كالدفاع والمالية وغيرهما إلى اسم الأمانة لتتمكن من فرزها وتمليكها لشاغليها".

وأشار الى عدم وجود سقف زمني محدد لإنهاء الملف لكون كل قطعة أرض تحمل خصوصية قانونية تختلف عن الأخرى، وأن الأمانة تباشر بيع الأراضي للمواطنين فور اكتمال البيانات الخاصة بكل منطقة زراعية على حدة".

ولفت إلى "وجود خطة مشددة للحفاظ على ما تبقى من الأراضي الزراعية تمنع دخول مواد البناء إلى المناطق المتجاوز عليها بتوجيه مباشر من الوكيل البلدي، وعقد اجتماع موسع مع القيادات الأمنية وعمليات بغداد لتفعيل هذا الحظر والحد من ظاهرة التجريف المستحدثة".

وكشف عن "استثناء بعض المناطق الزراعية والحكومية المتجاوز عليها من إجراءات التمليك بالكامل، وأن السبب هو وقوعها ضمن مسارات مشاريع البنى التحتية المستقبلية، أو المستشفيات، أو مشروع الطريق الحلقي الرابع".

واكد أن "شمول هذه المناطق بالخدمات المتكاملة مشروط بدخولها رسمياً ضمن التصميم الأساسي لمدينة بغداد، وأن تحويل جنس الأراضي من زراعي إلى سكني هو المفتاح القانوني الوحيد الذي يتيح لدوائر الأمانة إدخال شبكات الماء والصرف الصحي والتبليط بصورة كاملة".

ضرورة مراعاة الخصائص الاجتماعية والثقافية

من جانبه، ذكر د. بلال سمير علي، معماري وأكاديمي، أن تحويل الأراضي الزراعية إلى مناطق سكنية خارج سلطة الدولة وخطط الجهات المختصة لا يمثل حلاً حقيقياً لأزمة السكن، بل يمنح انطباعاً مؤقتاً بحل المشكلة، بينما يراكم تحديات عمرانية ستظهر آثارها مستقبلاً.

وأوضح علي لـ"طريق الشعب"، أن هذا النوع من التحويل يترك عملية التطوير لمصلحة الأفراد، بحيث يركز كل مالك على تحسين وحدته السكنية دون مراعاة حقوق الآخرين أو احتياجات الحي بأكمله، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع جودة الحياة العامة، وظهور مشكلات تتعلق بالفضاءات العامة، والخدمات، والبيئة العمرانية.

وأشار إلى أنه في حال كانت الدولة هي الجهة المشرفة على تحويل الأراضي، فمن الأفضل أساسا تجنب استغلال الأراضي الزراعية، والتوجه نحو اختيار مساحات غير زراعية للتوسع العمراني، مع الحفاظ على المساحات الخضراء لما تمثله من أهمية بيئية ووظيفية للمدينة.

وفي حديثه عن المعايير التي ينبغي اعتمادها عند تحويل الأراضي إلى الاستخدام السكني، شدد الدكتور سمير على أن البنية التحتية تأتي في مقدمة الأولويات، وتشمل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق، باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه أي منطقة سكنية ناجحة.

وأضاف أن المرحلة التالية تتمثل في توفير فضاءات عامة ذات جودة عالية من حيث المساحات والأنشطة والخدمات، لافتاً إلى أن المناطق الزراعية المحولة يمكن أن تحتفظ بجزء من غطائها الأخضر، بما يسهم في تعزيز البيئة الحضرية وتحسين جودة الحياة.

كما أكد أهمية دراسة طبيعة الوحدات السكنية ومساحاتها بما يتناسب مع الفئات الاجتماعية المستهدفة، موضحاً أن تصميم المساكن يجب أن يراعي الخصائص الاجتماعية والثقافية للسكان، وأنماط المعيشة، ومتوسط عدد أفراد الأسرة، لأن هذه العوامل تؤثر بشكل مباشر في نجاح المشاريع السكنية واستدامتها.

وفي ما يتعلق بالمناطق العشوائية أو الأراضي الزراعية التي تحولت إلى أحياء سكنية بصورة فردية، أوضح الدكتور سمير أن فرص إعادة تنظيمها لتنسجم مع النسيج الحضري للمدينة تبقى محدودة، إذ إن معظم التدخلات الممكنة تكون ذات طابع خدمي أكثر من كونها تخطيطية.

وبين أن الأولوية في هذه الحالات ينبغي أن تتركز على تحسين البنية التحتية، من خلال تنظيم شبكات الكهرباء والمياه والمجاري، باعتبارها أكثر الإجراءات تأثيراً في حياة السكان. أما التدخلات الأخرى، مثل تحسين الواجهات أو إعادة تنظيم المشهد العمراني، فتظل أقل أهمية مقارنة بتوفير الخدمات الأساسية.

وتابع حديثه بالتأكيد على ضرورة الاهتمام بالفضاءات العامة داخل هذه الأحياء، والعمل على توفير مواقف للسيارات، بما يسهم في تقليل الازدحام داخل الشوارع الضيقة التي نشأت في الأصل من دون تخطيط عمراني سليم، مؤكداً أن هذه الإجراءات، وإن كانت لا تعالج جذور المشكلة، فإنها تسهم في تحسين الواقع المعيشي للسكان.

تحسين شبكة الطرق والخدمات العامة

وذكرت هدى سعد، اختصاص هندسة معمارية، ان "معالجة أزمة السكن لا ينبغي أن تكون على حساب ما تبقى من الأراضي الزراعية"، مبينة أن تحويل بعض الأراضي إلى الاستخدام السكني يمكن أن يكون خطوة إيجابية إذا استند إلى دراسات تخطيطية شاملة تضمن التوازن بين التوسع العمراني والحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية.

وأضافت سعد لـ"طريق الشعب"، أن "نجاح هذه المشاريع يعتمد على توفير بنية تحتية متكاملة تشمل شبكات الماء والمجاري والكهرباء والطرق، فضلا عن تخصيص مساحات للمدارس والمراكز الصحية والحدائق، بما يضمن إنشاء أحياء سكنية متكاملة وقابلة للحياة".

وأكدت أن "دمج المناطق العشوائية ضمن التصميم الأساس لمدينة بغداد يجب أن يتم وفق رؤية تخطيطية واضحة تتضمن إعادة تنظيم استعمالات الأراضي وتحسين شبكة الطرق والخدمات العامة، بما يسهم في رفع جودة الحياة وتحقيق تنمية عمرانية مستدامة".